"بريكست" وما بعدها... كيف أعاد اليمين الشعبوي تشكيل النظام الدولي؟

إعادة رسم حدود السياسة الغربية

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي الى جانب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في مدينة إليزبري وسط إنكلترا، 18 سبتمبر 2025

"بريكست" وما بعدها... كيف أعاد اليمين الشعبوي تشكيل النظام الدولي؟

"لقد استعادوا بلدهم. وهذا أمر جيد." كانت هذه كلمات المرشح الرئاسي الأميركي، دونالد ترمب، في شهر يونيو/حزيران 2016 تعليقاً على تصويت البريطانيين، في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، المعروف بـ"بريكست". كان دعم ترمب للتصويت بـ"نعم" سابقاً لإجراء الاستفتاء، بأشهر، ففي لقاء له مع قناة تلفزيونية بريطانية في شهر مارس/آذار في ذلك العام، حاجج ترمب بأن من الأفضل لبريطانيا أن تغادر الاتحاد الأوروبي. ورغم أن موقف ترمب هذا يخرق الأعراف السياسية الأميركية المتعلقة بتجنب إعلان المرشحين الرئاسيين مواقف بخصوص قضايا داخلية وخلافية في بلدان حليفة، فإنه كان لافتاً لجهة تدشينه عهداً أميركياً تصدره الرجل، وما يزال فاعلاً فيه، سمته الأوضح خطاب رسمي عابر للحدود لا يهتم للصوابية السياسية، في إطار سعيه المعلن بترسيخ كتلة سياسية عالمية محافظة تستثمر كثيراً في الانعزالية والأحادية والروح القومية "النقية". يقوم هذا الخطاب على تمجيد "استعادة الوطن" من هيمنة المؤسسات فوق-الوطنية، سواء الإقليمية أو الدولية وإعادة تعريف السيادة الوطنية بوصفها خصومة مستمرة مع هذه المؤسسات التي تقدم مصالح "الأجانب" والدول الأخرى على مصالح "أهل البلاد" بالتواطؤ مع ساسة محليين "مشبوهين" يفتقدون للروح الوطنية الحقيقية ويستفيدون من سياسات تضر بالصالح العام الوطني. مَثّل هذا الخطاب جوهرَ الحملة الانتخابية التي قادها ترمب حينها ضد منافسته الديمقراطية حينها، هيلاري كلينتون. سبقت بعض مضامين هذا الخطاب الحملة الانتخابية الأميركية، إذ ظهرت بقوة لافتة في الجدل البريطاني المحتدم وقتها بخصوص "البريكست"، ومعنى بريطانيا إزاء أوروبا.

ترسيخ سردية اليمين الشعبوي

قد يكون الحدث غير الأميركي الأكثر تأثيراً في الانتخابات الأميركية التي فاز فيها ترمب في 2016 هي التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي: تحمست القاعدة الانتخابية المحافظة لترمب لهذا التصويت واحتفت بنتيجته واعتبرته تأكيداً لصحة معتقداتها السياسية، فضلاً عن الترويج له بوصفه استشرافاً لمستقبلها. فبخلاف التوقعات السائدة حينها أن البريطانيين سيصوتون لصالح البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، جاءت النتيجة معاكسةً لهذه التوقعات واستطلاعات رأي كثيرة على نحو شبيه بما حصل تالياً مع ترشيح ترمب إذ فاز الرجل على نحو فاجأ الجميع تقريباً بخلاف التوقعات السائدة، المدعومة باستطلاعات رأي كثيرة. ساعد هذان الفوزان في سياقيهما المختلفين، الأميركي والبريطاني، في ترسيخ سردية اليمين الشعبوي القائلة بانفصال النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية عن فهم المزاج الشعبي والهموم الحقيقية للناس العاديين، وأن استطلاعات الرأي وحجج "الخبراء" منقطعة، هي الأخرى، عن الواقع الحقيقي، وبالتالي فهي عاجزة عن تمثيل الرأي العام أو التنبؤ باتجاهاته.

يمثل "العداء للمؤسسة" (anti-Establishment) جوهر الخطاب الشعبوي لليمين المتطرف في الغرب والسياسات التي يتبعها هذا اليمين، خصوصاً عند توليه الحكم

يمكن المحاججة بأن الجانب الأكثر أهمية، لكن الأقل إثارة للانتباه العام، في الصعود المتوازي لتيارين يمينيين في أهم وأقدم ديمقراطيتين غربيتين، بريطانيا وأميركا، هو التخادم الذي ربطهما بطرق مباشرة وغير مباشرة وساهم في صعودهما في بلديهما وإبراز الآثار العالمية لهذا الصعود. فرغم غياب الأدلة الرصينة على وجود تأثير متبادل لحركتي اليمين البريطاني الداعم لـ"البريكست" واليمين الأميركي الداعم لترشيح ترمب، على تصويت الناخبين في البلدين في عام 2016، فإن الحقيقة المشتركة هي أن التصويتين حينها ارتبطا أساساً بأوضاع اقتصادية داخلية سيئة والتفسيرات المُضللة التي قُدمت لشرح هذه الأوضاع وكيفية علاجها. فضلاً عن ذلك، ليس ثمة شك في أن التأثير المعنوي والسياسي المتبادل للتصويتين كان مُلهماً في صعود تيار يميني في الغرب. فبعد هذين الانتصارين الانتخابيين، شهد العالم نجاحات انتخابية وسياسية لتيارات يمينية في دول غربية أخرى، كما في فرنسا وإيطاليا والنمسا وألمانيا والنمسا وهولندا والسويد. صحيح أن هذه النجاحات لم تكن حاسمة، كما في بريطانيا وأميركا، إذ لم يستطع تيار يميني تولي الحكم في أي من هذه الدول، لكن الدرس الأهم هو زيادة الإغراء السياسي والانتخابي لهذه التيارات عبر تحولها، في الحياة السياسية لهذه البلدان، من الهامش المتطرف الذي تهتم به وتصوت له أقلية أيديولوجية عالية الصوت لكن قليلة التأثير، إلى المركز الذي يثير اهتمام الكثير من الجمهور العام.

تضامن سياسي عابر للحدود

بعد النجاح اليميني الأول في تصويت "البريكست" ومغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، ساهمَ هذا الإغراء السياسي في تشكيل تضامن سياسي عابر للحدود، طابعه انتخابي أساساً، بين حركات اليمين المتشددة هذه. كانت البداية بأميركا. فبعد دعم ترمب القوي والعلني لتصويت "البريكست"، تولى السياسي البريطاني اليميني المعروف بدعواه الانعزالية، نايجل فاراج، الذي يُعد الوجه العلني الأبرز لـ"حركة بريكست"، وتاريخياً المحاجج الأشد شراسة لصالح انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، دعمَ الحملة الانتخابية لترمب، مستفيداً من الزخم السياسي والمعنوي الذي حققته حملته لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فبعد دوره الفعال في إنجاح هذه الحملة، استضافه الحزب الجمهوري لحضور مؤتمره الوطني العام في يوليو/تموز 2016 لإعلان ترمب مرشحاً رئاسياً للحزب.

غيتي
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يستمع إلى نايجل فاراج، خلال تجمع انتخابي في ملعب ميسيسيبي كوليسيوم في 24 أغسطس 2016 في جاكسون، ميسيسيبي

فضلاً عن إعلانات الإعجاب السياسي المتبادل بين الرجلين قبل الانتخابات الأميركية وبعدها، شارك فاراج على نحو فعال، في خطوة غير مألوفة وتخرق الأعراف السياسية والانتخابية الأميركية، في الحملة الانتخابية لترمب عبر ظهوره التلفزيوني المتكرر دعماً لترمب وإلقائه خطبة مشهورة، لسياسي أجنبي، في ولاية ميسيسبي في أغسطس/آب في تجمع انتخابي حضره ترمب. في تلك الخطبة الصادمة التي عكست في لغتها ومحتواها الخطاب اليميني الشرس الذي تصدره ترمب في أميركا، هاجمَ فاراج هيلاري كلينتون، المنافسة الديمقراطية لترمب حينها، بالقول إنه لو كان مواطناً أميركياً فإنه لن يصوت لكلينتون حتى لو دفعوا له المال، مضيفاً: "في الحقيقة، أفضل أن أئتمن حياتي لدى طبيب أسنان على أن أئتمنها لدى هيلاري كلينتون". ودعا الأميركيين إلى أن يفعلوا مثل البريطانيين: "لقد جعلنا 23 يونيو/حزيران [يوم التصويت على "بريكست"] عيد استقلالنا عندما حطمنا المؤسسة التقليدية (The Establishment) ما تحتاجون أن تفعلوه هنا في أميركا هو الشيء نفسه مع المؤسسة التي لديكم".

"العداء للمؤسسة" وإعادة تشكيل المشهد السياسي الغربي

يمثل "العداء للمؤسسة" (anti-Establishment) جوهر الخطاب الشعبوي لليمين المتطرف في الغرب والسياسات التي يتبعها هذا اليمين، خصوصاً عند توليه الحكم. لا يعطي هذا الخطاب تعريفاً واضحاً ومتناسقاً أو دقيقاً لـ"المؤسسة"، بل يكتفي بتعميمات سريعة تشير إلى النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية التي يصنع تحالفها المفترض القرارات والقيم السياسية التي تخدم مصالح هذه النخبة على حساب مصالح غالبية الناس العاديين. عبر هذا الاختزال، الأخلاقي الطابع، للسياسة وخلافاتها، يمنح اليمين المتطرف نفسه دوراً إنقاذياً واستثنائياً في سياق مواجهة ثانوية مفتوحة بين قوى الخير التي يمثلها وقوى الشر التي تمثلها "المؤسسة".

كان الاتحاد الأوروبي التمثل المؤسساتي الأول والناجح للقيم الغربية وتفعيلها في الحيز الدولي العام، مدعوماً بتحالفه التقليدي والعميق مع الولايات المتحدة الأميركية

من خلال هذه التصنيف الصارم، بالتحشيد الأيديولوجي الحاد الذي يرافقه وبالاستفادة من مظالم اقتصادية مشروعة لفئات سكانية همشتها حركة العولمة الاقتصادية التي تسارعت منذ تسعينات القرن الماضي، استطاع هذا اليمين المتطرف، بزعامة أميركية ترمبية، تدشين أخطر وأقوى محاولة، منذ نهاية الحرب العالمية، لإعادة تعريف الغرب، ككتلة اقتصادية وسياسية وثقافية، بعيداً عن- بل أحياناً كثيرة بالضد من- القيم الليبرالية الغربية، بالنموذج الاقتصادي والسياسي الذي شكلته هذه القيم وقام حولها النظام الدولي الجديد على مدى الثمانين عاماً الماضية. استندت هذه القيم على التعاون الدولي في الاستجابة للتحديات المشتركة، مثل العنف والفقر والتغير المناخي، ودعم التنمية المستدامة التي تشمل أيضاً دول الجنوب، أو ما كان يُعرف سابقاً بالدول النامية أو دول العالم الثالث، والترحيب بالهجرة القانونية بوصفها ظاهرة اقتصادية وإنسانية تعزز التنوع وتُطور الاقتصاد وتُبعد المجتمعات عن العنصرية.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل رسالة من ملك بريطانيا تشارلز أثناء لقائه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، الولايات المتحدة، 27 فبراير

كان الاتحاد الأوروبي التمثل المؤسساتي الأول والناجح لهذه القيم وتفعيلها في الحيز الدولي العام، مدعوماً بتحالفه التقليدي والعميق مع الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تُقدم في سياقها الخاص تمثلاً شبيها، بخصوصية أميركية تؤكد أكثر مما هو سائد أوروبياً على التنافس الاقتصادي والإنجاز التكنولوجي والريادة الشخصية. برغم الاختلافات بين التَمثلين التي كانت تصل أحياناً حد الصدام المؤقت، كما في الجدل بخصوص مكانة القانون الدولي ومركزية منظومة الأمم المتحدة في التعاطي مع التحديات العالمية والإقليمية (ظهر هذا بوضوح في الخلاف الأميركي-الأوروبي حول الاجتياح الأميركي للعراق في 2003 وحل القضية الفلسطينية والتعاطي مع إسرائيل)، نجح الاثنان في ترسيخ نموذج غربي، ناجح عموماً ومغرٍ عالمياً، بخصوص السياسة والاقتصاد وإدارة الاختلاف. تعرض هذا النموذج لضربة قاسية ومُرَكزة، في عام 2016، بعد نجاح "حركة بريكست" في بريطانيا وصعود ترمب في أميركا. بعد مرور عشر سنوات على تلك الضربة، ما تزال آثارها حاضرة بقوة اليوم، في سعي القائمين بها، وعبر تفاعلاتها المستمرة، لتشكيل نموذج دولي جديد يؤكد على الهرمية والصراع بدلاً من التعاون والتشابه.

font change