"لقد استعادوا بلدهم. وهذا أمر جيد." كانت هذه كلمات المرشح الرئاسي الأميركي، دونالد ترمب، في شهر يونيو/حزيران 2016 تعليقاً على تصويت البريطانيين، في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، المعروف بـ"بريكست". كان دعم ترمب للتصويت بـ"نعم" سابقاً لإجراء الاستفتاء، بأشهر، ففي لقاء له مع قناة تلفزيونية بريطانية في شهر مارس/آذار في ذلك العام، حاجج ترمب بأن من الأفضل لبريطانيا أن تغادر الاتحاد الأوروبي. ورغم أن موقف ترمب هذا يخرق الأعراف السياسية الأميركية المتعلقة بتجنب إعلان المرشحين الرئاسيين مواقف بخصوص قضايا داخلية وخلافية في بلدان حليفة، فإنه كان لافتاً لجهة تدشينه عهداً أميركياً تصدره الرجل، وما يزال فاعلاً فيه، سمته الأوضح خطاب رسمي عابر للحدود لا يهتم للصوابية السياسية، في إطار سعيه المعلن بترسيخ كتلة سياسية عالمية محافظة تستثمر كثيراً في الانعزالية والأحادية والروح القومية "النقية". يقوم هذا الخطاب على تمجيد "استعادة الوطن" من هيمنة المؤسسات فوق-الوطنية، سواء الإقليمية أو الدولية وإعادة تعريف السيادة الوطنية بوصفها خصومة مستمرة مع هذه المؤسسات التي تقدم مصالح "الأجانب" والدول الأخرى على مصالح "أهل البلاد" بالتواطؤ مع ساسة محليين "مشبوهين" يفتقدون للروح الوطنية الحقيقية ويستفيدون من سياسات تضر بالصالح العام الوطني. مَثّل هذا الخطاب جوهرَ الحملة الانتخابية التي قادها ترمب حينها ضد منافسته الديمقراطية حينها، هيلاري كلينتون. سبقت بعض مضامين هذا الخطاب الحملة الانتخابية الأميركية، إذ ظهرت بقوة لافتة في الجدل البريطاني المحتدم وقتها بخصوص "البريكست"، ومعنى بريطانيا إزاء أوروبا.
ترسيخ سردية اليمين الشعبوي
قد يكون الحدث غير الأميركي الأكثر تأثيراً في الانتخابات الأميركية التي فاز فيها ترمب في 2016 هي التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي: تحمست القاعدة الانتخابية المحافظة لترمب لهذا التصويت واحتفت بنتيجته واعتبرته تأكيداً لصحة معتقداتها السياسية، فضلاً عن الترويج له بوصفه استشرافاً لمستقبلها. فبخلاف التوقعات السائدة حينها أن البريطانيين سيصوتون لصالح البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، جاءت النتيجة معاكسةً لهذه التوقعات واستطلاعات رأي كثيرة على نحو شبيه بما حصل تالياً مع ترشيح ترمب إذ فاز الرجل على نحو فاجأ الجميع تقريباً بخلاف التوقعات السائدة، المدعومة باستطلاعات رأي كثيرة. ساعد هذان الفوزان في سياقيهما المختلفين، الأميركي والبريطاني، في ترسيخ سردية اليمين الشعبوي القائلة بانفصال النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية عن فهم المزاج الشعبي والهموم الحقيقية للناس العاديين، وأن استطلاعات الرأي وحجج "الخبراء" منقطعة، هي الأخرى، عن الواقع الحقيقي، وبالتالي فهي عاجزة عن تمثيل الرأي العام أو التنبؤ باتجاهاته.

