كأس العالم والسياسة... عندما يتحول الملعب إلى ساحة حرب

الكرة لا تعرف الحياد

غريغوري سافيدرا/المجلة
غريغوري سافيدرا/المجلة
غريغوري سافيدرا

كأس العالم والسياسة... عندما يتحول الملعب إلى ساحة حرب

صيف عام 1938 في فرنسا، لم يكن عادياً للحارس المجري أنتال سابو وهو يخوض مع منتخب بلاده كأس العالم للمرة الثانية. الوقت الذي أمضاه دون عمل واقفاً تحت عارضة المرمى وبين قائميه، بينما يتكفل مهاجمو فريقه بتسجيل الهدف تلو الآخر في شباك المنافسين متقدمين به نحو المباراة النهائية، هذا الوقت بدا أنه منحه مساحة للتفكير فيما ستبدو عليه حياته عندما يعود مع منتخب بلاده إلى بودابست مقدماً كأس "جول ريميه" الذهبي للمحتشدين على ضفتي نهر الدانوب.

السهولة التي انتصر بها الفريق في مبارياته منحته ورفاقه الثقة في أن حتى حامل اللقب لن يكون قادراً على خطف حلم اليقظة ذلك منه في المشهد الأخير، لكن النهائي ضرب بكل تلك الأحلام عرض الحائط. والحارس الذي استقبل هدفاً واحداً فقط في مشوار المجر نحو نهائي المونديال كان عليه أن يستخرج الكرة من شباكه أربع مرات بعد أهداف احتفظت للإيطاليين باللقب الثاني على التوالي. لكن سابو ضمن لنفسه دخول التاريخ على أي حال عندما صرح قائلاً بعد المباراة: "تلقيت أربعة أهداف، لكنني أنقذت حياة 11 رجلاً".

أ ف ب
يحاول حارس المرمى المجري أنتال سابو التصدي لتسديدة من المهاجم الإيطالي جيوفاني فيراري (في الوسط، جهة اليسار) خلال المباراة النهائية لكأس العالم بين إيطاليا والمجر في 19 يونيو 1938 في كولومب، بضواحي باريس

الأحد عشر رجلاً كانوا لاعبي بطل العالم، المنتخب الإيطالي، الذين لم تشفع لهم انتصاراتهم في البطولة السابقة على أرضهم عام 1934، ومسيرتهم المظفرة بذهبية الألعاب الأولمبية بعد ذلك التاريخ بسنتين، في أن يتفادوا برقية حملت كلمات "الفوز أو الموت" من زعيم إيطاليا في ذلك الوقت بينيتو موسوليني قبل النهائي الذي جمعهم بالمجر.

كانت تلك البرقية بداية لعلاقة لم تنقطع بين السياسة وكأس العالم إلى يومنا هذا، قبل أيام قليلة من الوصول للحظة التي تدخل فيها البطولة نسختها الثالثة والعشرين بينما تتفاوض إحدى الدول الثلاث المضيفة مع إحدى الدول المشاركة على تمديد لوقف إطلاق النار بينهما.

هناك أنظمة وجدت في الاصطفاف غير المصطنع للمشاعر الوطنية خلف قمصان المنتخبات كلما أقيمت "كأس العالم" لحظة مواتية لتحقيق أقصى استفادة


إيطاليا تحت الحكم الفاشي كانت فقط أول من أدرك كيف يمكن لكأس العالم أن يقدم للأنظمة السياسية اللحظة التي تؤصل فيها لهيمنتها أحياناً وقبلة الحياة في أحيان أخرى. كانت كرة القدم واجهة قدم من خلالها موسوليني رؤيته للنجاح، مستعيناً بنجاح المنتخب في مونديال 1934 كأداة للترويج للقومية اليمينية، ولا تزال آثارها حاضرة في بعض مجموعات "الألتراس" الجماهيرية بين مشجعي بعض الأندية الإيطالية حتى يومنا هذا. تماماً مثلما استعرض هتلر في أولمبياد 1936 أمام العالم ألمانيا النازية كما لم يسبق لأحد أن رآها من قبل، قبل أن يغيِّب النمسا عن كأس العالم 1938 بعد أن سبق دخول القوات النازية إلى فيينا سفر منتخبها إلى كأس العالم، ليجد بعض لاعبيها أنفسهم مشاركين في البطولة بالقميص الألماني دون أن يحققوا النجاح المأمول. وتبعتهما في ذلك أنظمة عدة وجدت في الاصطفاف غير المصطنع للمشاعر الوطنية خلف قمصان المنتخبات كلما أقيمت "كأس العالم" كل أربع سنوات، اللحظة المواتية للعب خارج المستطيل الأخضر لتحقيق أقصى استفادة من الزخم الذي يصاحب بطولة لم يوقفها شيء على مدار القرن الأخير سوى الحرب العالمية الثانية.

المونديال الذي اكتسب بعداً آخر بعد الحرب وتطور التغطية الإعلامية، من برقيات عابرة للقارات تحمل النتيجة النهائية وأسماء الهدافين إلى بث تلفزيوني حي التقط أخيراً ألوان الملاعب الزاهية في مونديال المكسيك عام 1970، أصبح مرآة لكيف تشكل العالم بعد تلك الحرب. ألمانيا التي انقسمت إلى بلدين تمتع نصفها الغربي الغني بالنصيب الأوفر من النجاح في كرة القدم ليحقق اللقب عام 1954 بعد أقل من عقد على انهيار النازية، لكن النصف الشرقي عاد بصفعة كبرى على وجه الجيران عندما حقق فوزاً تاريخياً على أرض ألمانيا الغربية، الدولة المضيفة لمونديال 1974، تاركاً الندبة الأكبر على تتويج فريق "الماكينات" بالبطولة.

كانت موقعة سانتياغو حلقة في علاقة ممتدة بين ديكتاتوريات أميركا الجنوبية والكرة التي أدركت كم يمكن لانتصارات يصنعها لاعبوها السحرة أن تطغى بعناوينها على تداعيات حكمها بالحديد والنار


الصراع على الاستضافة زاد احتداماً بين القوى الأوروبية الطامحة لإظهار تعافيها السريع من الحرب، ودول أميركا الجنوبية التي لطالما اعتبرت كرة القدم وكأس العالم خاصة صيحتها الخاصة في وجه الغرور الأوروبي، خاصة وهي التي احتضنته أول مرة على أرض أوروغواي عام 1930. وسط هذا الصراع بدأت دول ما يعرف بـ"العالم الثالث" في البحث لكياناتها المستقلة حديثاً عن موقع على رقعة اللعبة الشعبية. دول أفريقيا لم تقبل بأن تتنافس مع دول آسيا على مقعد واحد في مونديال 1966، مقررة مقاطعة التصفيات بالكامل، تاركة بطاقة السفر إلى إنجلترا بين يدي منتخب كوريا الشمالية، الفريق الذي لبى تطلعات زعيمه كيم إيل سونغ الذي طالبه بالتصدي للهيمنة الأوروبية والأميركية على اللعبة. فإذا بالفريق الكوري يحقق المعجزة، متأهلاً لربع النهائي على حساب المنتخب الإيطالي في لحظة سرق فيها الكوريون انبهار العالم الغربي في ذروة الحرب الباردة، ذات الحرب التي منحت كأس العالم "مباراة الأشباح" التي أهلت منتخب تشيلي إلى مونديال 1974.

أ ف ب
يحتفل لاعبو منتخب كوريا الشمالية لكرة القدم بفوزهم المفاجئ (1-0) على إيطاليا في 19 يوليو 1966 في ميدلزبره، وذلك في ختام مباراتهم ضمن الجولة الأولى من بطولة كأس العالم

 

المنافس الذي تحول إلى شبح كان منتخب الاتحاد السوفياتي، الذي رفض السفر إلى عاصمة تشيلي سانتياغو لخوض مباراة التصفيات الحاسمة، احتجاجاً على عدم استجابة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) لطلب نقل المباراة من الاستاد الوطني في العاصمة، ذلك الملعب الذي قال السوفيات إن جيش الجنرال أوغستو بينوشيه حوله إلى معسكر اعتقال جماعي في الأسابيع التي سبقت المباراة خلال انقلاب عسكري أطاح فيه برئيس البلاد الاشتراكي سلفادور الليندي، ليدخل لاعبو تشيلي إلى الملعب ذاته ويسجلوا هدفاً في مرمى لا أحد، في مشهد اختلطت فيه المهزلة بالمأساة.

كانت موقعة سانتياغو حلقة في علاقة ممتدة بين ديكتاتوريات أميركا الجنوبية والكرة التي أدركت كم يمكن لانتصارات يصنعها لاعبوها السحرة أن تطغى بعناوينها على تداعيات حكمها بالحديد والنار. البرازيل التي رسخت تحت الحكم العسكري خلال ذروة هيمنتها على كأس العالم، قدمت في أول مونديال يبث بالألوان النسخة الأكثر خلوداً بين أبطال المونديال عام 1970 بقيادة بيليه، النجم الذي عاد من الاعتزال الدولي تحت إلحاح من حاكم البلاد العسكري وقتها الجنرال إميليو غاراستازو ميديتشي، الرجل الشغوف بكرة القدم والذي لم ترق له فكرة أن يتولى صحافي يساري كثير الكلام اسمه جواو سالدانيا تدريب المنتخب الذي كان يستعد لتلك البطولة، ليجد سالدانيا نفسه مضطراً لتغطية البطولة من مقصورة الإعلاميين، بينما رفع الفريق الذي جهزه لقب البطولة بعروض كروية توجت بيليه ملكاً على عرش اللعبة، ومنحت الجنرال ميديتشي صورة النصر التي يريدها بينما يحتفظ منتخب البلاد بالنسخة الأولى لكأس العالم إلى الأبد، كما منحته أسباباً وجيهة للترويج لشعاره الأثير: "إما أن تحب البرازيل وإما أن تتركها".

السياسة التي حرمت جنوب أفريقيا طويلاً من المنافسة الكروية على المستوى الدولي تحت سياسة الفصل العنصري، كانت ذاتها التي وضعت كأس العالم بين يدي نيلسون مانديلا


المنتخب الذهبي الذي تختبئ خلفه مساوئ حكم الجنرالات كان ملهماً لجنرال آخر في الأرجنتين هو خورخي فيديلا، الذي وجد في استضافة بلاده لمونديال 1978 فرصة لكي تطغى صيحات المشجعين ومشهد إلقائهم لفافات الورق باتجاه أرضية ملعب "مونومنتال" على تساؤلات أهالي الآلاف من المعتقلين السياسيين والمختفين قسرياً بشأن مصير ذويهم. العرض الذي أراده نظام فيديلا أن يستمر حتى النهاية السعيدة بحمل الأرجنتين للكأس على أرضها اصطدم بصعوبات واجهها الفريق على أرض الملعب للتأهل إلى المباراة النهائية، تم حلها جميعها عندما فازت الأرجنتين على بيرو بستة أهداف دون مقابل، في لقاء ربما استأثر بالكم الأكبر من النظريات غير الكروية في تاريخ كأس العالم، التي تحاول تفسير كيف حصلت الأرجنتين على فارق الأهداف الذي احتاجت إليه للتأهل في مباراة كان الجنرال فيديلا ووزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر بين آخر زوار غرفة ملابس فريق بيرو قبل انطلاقها.

أ ف ب
يحتفل لاعب خط الوسط الأرجنتيني ماريو كيمبس (يساراً) -الذي كان قد سجل للتو هدفه الثاني- أمام المهاجم دانييل بيرتوني والمدافعين الهولنديين ويم سوربير (الموجود على الأرض) ويان بورتفليت (المواجه للكاميرا)، في 25 يونيو 1978 في بوينس أيرس

لغز تلك المباراة كما غيرها توارى خلف إبداعات نجم الأرجنتين الرشيق صاحب الشعر الطويل ماريو كيمبس، الذي تألق في المباراة النهائية مانحاً بلاده النصر على هولندا، ومقدماً لفيديلا التتويج الذي أخرج الملايين إلى الشوارع احتفالاً بأول لقب أرجنتيني في كأس العالم، رغم لحظة قاتمة عاشتها البلاد على المستوى السياسي.

كأس العالم الذي منح فيديلا وميديتشي صلاحية إضافية لبدلاتهما العسكرية كان ذاته الذي منح فلاديمير بوتين في روسيا اللحظة التي انتظرها طويلاً في 2018 ليقدم نفسه وريثاً نجيباً نجح فيما فشل فيه الاتحاد السوفياتي بجلب المونديال إلى أرض القياصرة، مستعرضاً كيف يمكن لإمبراطوريته الجديدة المدعومة بأموال أوليغاركية النفط والغاز أن تنتزع حقوق استضافة البطولة بعد منافسة مع مهد الكرة إنجلترا، ومقدماً لملايين مشجعي الكرة الذين توافدوا على روسيا في شهر المونديال نسخة ودودة من البلد الذي كان قد تحدى العالم سياسياً بضمه لشبه جزيرة القرم في 2014، ذات العام الذي شهد استضافة روسيا للألعاب الأولمبية الشتوية التي لا تزال تداعياتها تطارد الرياضيين الروس بعدما كُشف عن برنامج للمنشطات رعته الدولة الروسية لرياضييها المشاركين في تلك الدورة.

يلوح الرئيس الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا بيده -مرتدياً قميص وقبعة فريق "سبرينغبوك"- لدى وصوله إلى ملعب "إليس بارك" في جوهانسبرغ لحضور المباراة النهائية لكأس العالم للرجبي في 24 يونيو 1995 بين الدولة المضيفة، جنوب أفريقيا ونيوزلندا

السياسة التي حرمت جنوب أفريقيا طويلاً من المنافسة الكروية على المستوى الدولي تحت سياسة الفصل العنصري، كانت ذاتها التي وضعت كأس العالم بين يدي نيلسون مانديلا، مانحة بلاده حق تنظيم المونديال الأول والأخير في قارة أفريقيا، ومتوجة لعقود من استخدام مانديلا للرياضة في قلب أجندته التصالحية، والتي وصلت إلى ذروتها عندما ارتدى الزعيم الأسود قميص منتخب بلاده للراغبي– الذي ارتبط لسنوات بالأقلية البيضاء المؤيدة للأبارتهايد– ليسلم قائد الفريق الأشقر فرانسوا بينار كأس العالم للعبة في جوهانسبرغ عام 1995، في مشهد تحولت كواليسه إلى فيلم هوليوودي لاحقاً، ومثل لحظة انفصال لذلك البلد عن إرث مأساوي لم يكن ليحدث بتلك السرعة لولا ما تجمعه الرياضة تحت علم واحد.

كل تلك التقاطعات بين كأس العالم والسياسة وقفت عند حدود الحرب، وإن أشعلت مباراة بين السلفادور وهندوراس في تصفيات البطولة حرباً قصيرة بين البلدين في مطلع الثمانينات.

تعيد أسعار التذاكر والتحديات الأمنية تعريف العلاقة بين المشجع وبطولة كأس العالم التي لم تعد للجميع، على الأقل فيما يتعلق بمن يمكنهم حضور مبارياتها


لكن اللحظة التي يقدمها مونديال 2026 قد تكون الأكثر كثافة على مستوى حجم التداخل بين الخطين السياسي والكروي في تلك الظاهرة الكونية التي تتكرر مرة كل أربع سنوات.

أميركا ترمب تلعب دور الدولة المستضيفة بمفهومها هي، الذي لا يعني بالضرورة التراجع عن فرض قيود على تأشيرات مواطني بعض الدول المشاركة. ورئيس "الفيفا" جياني إنفانتينو يجد نفسه هذه المرة مضطراً للتحرك لسد الفجوات بين حكومات ولايات مختلفة تحتضن المباريات والحكومة الفيدرالية، فضلاً عن حكومتي كندا والمكسيك، في واقع متشتت يبتعد تماماً عن التدليل الذي حظي به الاتحاد الدولي في قطر قبل أربع سنوات.

أ ف ب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتلقى "جائزة الفيفا للسلام" من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، وذلك خلال مراسم سحب قرعة كأس العالم لكرة القدم في مركز كينيدي بالعاصمة واشنطن، في 5 ديسمبر 2025

كل هذا يجري بينما تعيد أسعار التذاكر والتحديات الأمنية تعريف العلاقة بين المشجع وبطولة كأس العالم التي لم تعد للجميع، على الأقل فيما يتعلق بمن يمكنهم حضور مبارياتها، حتى وإن اتسعت دائرة الفرق المشاركة لتشمل المزيد من المنتخبات بحثاً عن دخل إضافي من حقوق البث.

فوق كل هذا يبقى الهامش السياسي الأبرز متمحوراً حول حقيقة أنها النسخة الأولى التي تقام في ظل حرب لا تزال جارية بين بلد مستضيف ينظر للبطولة كإحدى فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين بعد المئتين لتأسيسه، ودولة سيكون عليها أن تخوض مبارياتها على أرض من تلقبه قيادتها بـ"الشيطان الأكبر"، مضيفة للتوأمة الملتصقة بين المونديال والسياسة لحظة جديدة قد لا تكون مرشحة للصمود طويلاً في صدارة العناوين، عندما يعود الشغف بكرة القدم والسحر الذي يصنعه نجومها على أرض الملعب، ليضع تصريحات الساسة على هوامش وسائل الإعلام خلال شهر البطولة على الأقل.

font change

مقالات ذات صلة