المنطق الغريب لأسعار تذاكر كأس العالم

نجوم متقدمون في السن وجماهير محلية مهيمنة... بينما يبقى الأوروبيون في ديارهم

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
مشجع يحمل العلم المكسيكي خلال مباراة البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026، يوم 17 يونيو 2026

المنطق الغريب لأسعار تذاكر كأس العالم

لعل الجانب الأكثر إثارة للجدل في بطولة كأس العالم للرجال هذا العام هو سياسة تسعير التذاكر التي ينتهجها الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). فقد عبر المشجعون عن استيائهم من الأسعار المرتفعة، وتعقيد آليات طرح التذاكر، ونظام إعادة البيع الذي يبدو وكأنه صُمم لاستخلاص أكبر قدر ممكن من المال من شغفهم بكرة القدم.

لكن وسط هذه الممارسات جميعها، تنتج السوق الثانوية شيئا لا يخلو من القيمة: المعلومات. إذ تكشف أسعار إعادة البيع عما يثير حماس مشجعي كرة القدم، سواء كانوا محليين أو قادمين من الخارج، أو على الأقل عما يعتقد البائعون أن الجمهور مستعد لأن يدفع من أجله بشدة.

قد تكون المقاربة الأبسط مقارنة متوسط أسعار التذاكر للمباريات التي تشارك فيها فرق مختلفة، لكن هذه المقاربة قد تكون مضللة في بطولة تمتد عبر مناطق جغرافية واسعة. فقد تبدو الأرجنتين ذات أسعار أعلى جزئياً لأنها تلعب في مدن أكثر جاذبية، كما قد تُسعّر مباراة في ميامي بسعر مرتفع فقط لوجود منتخب يتمتع بشعبية جماهيرية كبيرة.

(أ.ف.ب)
مشجع أرجنتيني يحمل علما يجمع بين دييغو مارادونا وليونيل ميسي بعد مباراة الأرجنتين والنمسا في كأس العالم 2026، يوم 22 يونيو 2026

ولعزل هذه العوامل عن بعضها، قمنا بتحليل أدنى أسعار إعادة البيع للتذاكر الفردية في جميع مباريات دور المجموعات البالغ عددها 72 مباراة، مع تقدير التأثير المستقل لكل منتخب ولكل مدينة مستضيفة على حدة. واعتمدنا على أسعار ما قبل انطلاق البطولة لضمان أن التفضيلات الأساسية هي التي تقود النتائج، وليس ما قد تكشفه نتائج المباريات لاحقاً. كما استخدمنا بيانات السوق الثانوية من منصة "ستاب هاب" (StubHub) لقياس ديناميكيات الطلب الفعلية، بدلا من الاعتماد على تقديرات "الفيفا" لحجم الطلب.

وتقدم نتائج هذا التحليل لمحة واضحة عن أنماط الولاء وتركيبة جمهور كرة القدم في أميركا الشمالية.

تكشف أسعار إعادة البيع عما يثير حماس مشجعي كرة القدم، سواء كانوا محليين أو قادمين من الخارج

في المقام الأول، يظهر أن الجماهير المحلية شديدة الاهتمام بمنتخباتها الوطنية. فبعد احتساب قوة الخصوم ومواقع المباريات، يضيف منتخب المكسيك نحو 623 دولاراً إلى سعر إعادة بيع أرخص تذكرة، بينما تضيف الولايات المتحدة 571 دولاراً، وتضيف كندا 231 دولارا. وتمثل هذه الأرقام علاوة كبيرة لمنتخبات الدول المستضيفة الثلاث رغم أن سجلها الدولي في السنوات الأخيرة لم يكن استثنائيا. ومع مرور عشرة أيام فقط على انطلاق البطولة، ساهمت نتائج المنتخبات الوطنية حتى الآن في رفع هذه القيم بشكل إضافي.

ويرتبط ذلك جزئيا بالشعور الوطني. فاستضافة كأس العالم على أرض الوطن تجربة نادرة، وكثير من المشجعين الذين لا تتاح لهم عادة فرصة السفر لمتابعة منتخباتهم في الخارج يجدون أنفسهم فجأة قادرين على حضور المباريات من المدرجات. كما تستفيد المكسيك أيضا من قاعدة جماهيرية ممتدة على جانبي الحدود، إذ ينظر ملايين الأميركيين من أصول مكسيكية إلى البطولة بوصفها فرصة مزدوجة، فهي من جهة بطولة كأس عالم تُقام على أرض "الوطن". ومن جهة أخرى مناسبة لمساندة منتخب يعكس امتداد هويتهم العائلية.

أما عامل الجذب الرئيس الآخر، فلا يتمثل في دول بعينها، بل في نجمين كبيرين في السن نسبيا، إذ لا يزال كل من ليونيل ميسي، الذي سيبلغ التاسعة والثلاثين خلال البطولة، وكريستيانو رونالدو، البالغ 41 عاما، يشكلان أبرز عناصر الجذب في كرة القدم العالمية، بما يضمن إقبالا جماهيريا واسعا، وإن كانت جاذبية رونالدو تراجعت قليلا مقارنة بما كانت عليه قبل انطلاق البطولة. وأسهم حضور المنتخبين اللذين ينتميان إليهما، الأرجنتين والبرتغال، في رفع أسعار التذاكر المقدرة، بحيث ارتفعت أسعار تذاكر مباريات الأرجنتين بنحو 312 دولارا وتذاكر مباريات منتخب البرتغال بنحو 442 دولارا.

(أ.ف.ب)
ليونيل ميسي يحتفل بتسجيل الهدف الثاني للأرجنتين في مرمى النمسا ضمن كأس العالم 2026، يوم 22 يونيو 2026

الطلب على مباريات هذين النجمين ينتمي إلى فئة مختلفة تماما مقارنة بمباريات تضم لاعبين أصغر سنا مثل لامين يامال من إسبانيا، وكيليان مبابي من فرنسا، وإيرلينغ هالاند من النرويج. ويزداد هذا التباين وضوحا عند مقارنته بكأس العالم الأخيرة التي استضافتها الولايات المتحدة. ففي نسخة عام 1994، كان روبرتو باجيو من إيطاليا وروماريو من البرازيل يبلغان 27 و28 عاما، بينما كان دييغو مارادونا، رغم اقترابه من نهاية مسيرته، لا يزال في الثالثة والثلاثين. أما اليوم، فإن أبرز عاملَي جذب في البطولة هما لاعبان بدآ مسيرتهما الاحترافية قبل أن يولد جزء كبير من الجمهور الذي يتابعهما حاليا.

ينظر ملايين الأميركيين من أصول مكسيكية إلى البطولة بوصفها فرصة لمساندة منتخب يعكس امتداد هويتهم العائلية

ويعود هذا جزئيا إلى أن ميسي ورونالدو ليسا مجرد لاعبين عظيمين فقط، بل نجمان عالميان في عصر غيّر فيه البث التلفزيوني، ووسائل التواصل الاجتماعي، وبناء العلامات التجارية الشخصية، حدود انتشار كرة القدم. ويرى الكثير من المشجعين في رؤية أحدهما على أرض الواقع فرصة أخيرة لالتقاط لحظة من التاريخ قبل أن تُطوى صفحته.

على الجانب الآخر، تواصل البرازيل الحفاظ على سحرها الخاص حتى في غياب نجم عالمي يوازي الأساطير الآخرين، مع كامل الاحترام لفينيسيوس جونيور ونيمار، رغم غياب الأخير عن أول مواجهتين كما كان متوقعا، وبالرغم من النتائج المتواضعة نسبيا في البطولات الأخيرة. فقد أسهمت مشاركة المنتخب البرازيلي في أي مباراة في رفع أدنى سعر لإعادة البيع بنحو 299 دولارا، ما يضع حامل اللقب العالمي خمس مرات في مستوى الأرجنتين نفسه، وبفارق واضح عن معظم القوى الأوروبية التقليدية. ولا تزال عناصر الجذب المرتبطة به حاضرة بقوة، من "الكناري" أو القميص الأصفر، إلى الهالة شبه الأسطورية لمنتخب "السيليساو"، وصولاً إلى التوقع الدائم لمشاهدة كرة قدم هجومية ممتعة، حتى وإن اختلط هذا التوقع ببعض خيبة الأمل أحيانا.

كما يعكس الإقبال القوي على منتخبات أميركا اللاتينية أيضا البنية السكانية للدول المستضيفة. فالولايات المتحدة وكندا تحتضنان جاليات واسعة تنحدر من أميركا الوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي. وبالنسبة لكثير من هذه العائلات، لا يمثل تشجيع الأرجنتين أو البرازيل أو كولومبيا وغيرها تفضيلا ظرفيا، بل امتدادا لهوية متوارثة عبر الأجيال.

وهذا بدوره يفسر لماذا لا ينسجم سوق التذاكر في البطولة ببساطة مع تصنيفات "الفيفا" الحالية. فالأثمان المعروضة تعكس في جوهرها حجم الجمهور القادر فعليا على الوصول إلى الملاعب، ودرجة حماسه، أكثر مما تعكس ترتيب المنتخبات أو تاريخها الكروي. ومن هنا، يكشف الضعف النسبي للقوى الأوروبية التقليدية في سوق إعادة البيع عن دلالات لافتة.

(أ.ف.ب)
كريستيانو رونالدو يغادر أرض الملعب بعد تعادل البرتغال مع جمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026، يوم 17 يونيو 2026

فقد جاءت تقديرات تأثير منتخبات إنجلترا وألمانيا وفرنسا وهولندا في تحليلنا دون الصفر. وهذا لا يعني أن مبارياتها ستفتقر إلى الحضور أو أن جماهيرها غير مبالية، بل يشير إلى أن هذه المنتخبات، بعد ضبط عوامل قوة الخصوم ومواقع المباريات، لا تولد علاوة سعرية واضحة في إعادة البيع كما قد يُتوقع انطلاقا من مكانتها التاريخية.

البنية السكانية للولايات المتحدة وكندا تعكس الإقبال على منتخبات أميركا اللاتينية بسبب احتضان البلدين جاليات واسعة تنحدر من أميركا الوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي

وهناك وجهة نظر تعلل ذلك بنفور الجماهير الأوروبية من الوجود في نسخة كأس العالم الحالية. فبصرف النظر عن القلق الممكن حدوثه تجاه سياسات الهجرة وإجراءات الحدود أو حتى عدم الرضا عن الإدارة الأميركية، فإن قطع المحيط الأطلسي، والترحال بين المدن المستضيفة التي تفصل بينها مسافات شاسعة، ونفقات السكن، عند دمجها مع الأثمان الباهظة للتذاكر أساسا، تحول هذه التجربة إلى عبء مالي ضخم. ففي الحالات الطبيعية، يستطيع المشجع الموجود في إنجلترا أو ألمانيا بلوغ كافة مواجهات بطولة أمم أوروبا، أو حتى منافسات كأس العالم القادمة في إسبانيا والمغرب والبرتغال، بواسطة رحلة جوية وجيزة أو قطار، غير أن هذه البطولة التي تدور أحداثها عبر أرجاء أميركا الشمالية، تفرض واقعا مغايرا بكل المقاييس.

إلى جانب ذلك، تفتقر المنتخبات الأوروبية لوجود جاليات ضخمة وموازية لها تدعمها داخل الولايات المتحدة، فمن المؤكد وجود أعداد هائلة من الأميركيين الذين ينحدرون من أصول إنجليزية أو ألمانية أو هولندية، غير أن هذه الروابط القومية قلما تتحول إلى ذلك النمط من التآزر المتين والتشجيع الحار لمنتخب الأجداد، على عكس ما نشهده بوضوح وبكثرة بين تجمعات المهاجرين الأحدث عهدا.

كما يبرز الموقع الجغرافي كعنصر حاسم يضاهي ثقل المنتخبات ذاتها، إذ تتصدر مدينة ميامي قائمة المدن من حيث "العلاوة السعرية" المقدرة، بفارق كبير، حيث تضيف في المتوسط أكثر من 1000 دولار إلى أدنى سعر لإعادة البيع مقارنة بمدينة كانساس سيتي. وتأتي غوادالاخارا ومكسيكو سيتي في المرتبة التالية بعلاوات تتجاوز 800 دولار، بينما تسجل نيويورك ونيوجيرسي زيادات تفوق 500 دولار.

تتسق هذه النتائج إلى حد كبير مع المنطق العام، إذ تُعد مدينة ميامي وجهة عالمية ومحورا رئيسا للحياة والثقافة الأميركية اللاتينية داخل الولايات المتحدة، بينما تتميز نيويورك بكتلة سكانية محلية ضخمة، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، إلى جانب تجمعات كبيرة من المهاجرين. وفي المقابل، تجمع المدن المستضيفة في المكسيك بين طلب محلي مرتفع وجاذبية خاصة تنبع من استضافة مباريات كأس العالم في قلب واحدة من أكثر ثقافات كرة القدم رسوخا في العالم.

(أ.ف.ب)
كريستيانو رونالدو يتفاعل خلال مباراة البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026، يوم 17 يونيو 2026

على الطرف الآخر من المشهد، يبدو أداء مدن الساحل الغربي أقل مما قد يُتوقع. إذ يقدّر "تأثير المدينة" في سان فرانسيسكو بقيمة سالبة تبلغ 346- دولاراً، في حين تتأخر فانكوفر وسياتل ولوس أنجلوس عن ركب المدن المتصدرة.

تفتقر المنتخبات الأوروبية لوجود جاليات ضخمة وموازية لها تدعمها داخل الولايات المتحدة

ولا يعني ذلك بالضرورة ضعف اهتمام سكان الساحل الغربي بكرة القدم، بل قد تكون الجغرافيا العامل الحاسم هنا. فبالنسبة للمشجعين القادمين من أوروبا أو من أجزاء واسعة من أميركا اللاتينية، تبقى مدن الساحل الشرقي والمدن المكسيكية أسهل في الوصول. كما أن المسافات الشاسعة داخل أميركا الشمالية تجعل من متابعة فريق واحد عبر عدة مدن أمرا مرهقا ومرتفع التكلفة. وهكذا، تبدو البطولة التي تُنظم في ثلاث دول وكأنها في الواقع موزعة على قارة كاملة.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بحذر. فبيانات إعادة البيع لا تعكس بالضرورة صفقات مكتملة، كما أن نشاط السوق الثانوية أكثر انتشارا وحرية في الولايات المتحدة مقارنة بكندا والمكسيك، ما يمكن أن يخلق انحيازا في العرض. كذلك قد يخطئ البائعون في توقع الطلب المستقبلي، بينما ستتغير الأسعار مع تقدم المنتخبات، وظهور الإصابات، وطرح "الفيفا" لمزيد من التذاكر. رغم ذلك، تظل هذه الأسعار ذات دلالة، لأنها تعكس توقعات جماعية حول ما قد يكون مئات الآلاف من المشجعين مستعدين لدفعه فعليا.

(أ.ف.ب)
مشجعون أرجنتينيون يعرضون لافتات لبيع تذاكر مباراة الأرجنتين والنمسا في مدينة كانساس سيتي، يوم 15 يونيو 2026

ورغم الجدل الذي يحيط بسياسات تسعير التذاكر لدى الفيفا، فإن أحد جوانبها اللافتة أنها تكشف بوضوح ما يثير اهتمام الجماهير. فهي ترسم خريطة لشغف كرة القدم في أميركا الشمالية، حيث تتداخل الوطنية مع الهجرة والجغرافيا. فالمشجعون في الدول المستضيفة يندفعون بقوة لدعم منتخباتهم، بينما تحتفظ فرق أميركا اللاتينية بقاعدة جماهيرية راسخة، أما ميسي ورونالدو، فيواصلان، ربما للمرة الأخيرة، التفوق على الجيل الجديد من النجوم.

font change

مقالات ذات صلة