"داعش" يطارد الصين في أدغال أفريقيا

مواجهة حتمية ومفتوحة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي من الجبهة الوطنية لتحرير أزواد يسير بالقرب من بنية تحتية متضررة في ثكنات الفيلق الأفريقي السابقة في المعسكر رقم 2 بمدينة كيدال، 11 مايو 2026

"داعش" يطارد الصين في أدغال أفريقيا

أصبحت المواجهة حتمية بين الصين كقوة دولية، تسعى إلى ترسيخ حضورها في أفريقيا وتنظيم "داعش"، الذي وسّع دائرة استهداف مصالحها الاقتصادية وطاردها في الأدغال، واعتبر حصارها هدفا رئيسا له، مستفيدا من التوتر والفوضى، وهذا ما أجبرها على خيارات أمنية وعسكرية أكثر تعقيداً وتكلفة

على المستوى الدعائي، أصدر "داعش" في مناسبات مختلفة مواد إعلامية تضمنت تهديدات للصين، وربط ذلك بمعاملة المسلمين الإيغور في إقليم شينغيانغ. كما استخدمت بعض فروعه هذا الخطاب لتبرير استهداف المصالح الصينية أو الدعوة إلى مهاجمتها، إلا أن الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ كان أكثر حضورا في أفريقيا، وبنسب متفاوتة حسب الفروع الخمسة لـ"التنظيم" بالقارة.

ركّز "داعش" عمليا على استهداف المصالح الاقتصادية الصينية، مثل ضرب مناطق التعدين، ومشاريع البنية التحتية، ومنشآت النفط والغاز التي تستثمر فيها بكين بمليارات الدولارات. وركز أيضا على خطف الرعايا مثل استهداف المهندسين، والعمال الصينيين في القارة (كما حدث في مالي ونيجيريا)، بهدف الضغط المالي أو السياسي على بكين.

يقول الباحث الجزائري حكيم غريب في تصريح خاص لـ"المجلة": "تُظهر المؤشرات الأمنية تفاقماً حادا في حجم التهديدات الإرهابية التي تواجهها الاستثمارات والمصالح الصينية في نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ومع تراجع الصادرات العسكرية الروسية وانشغال الغرب، أعادت بكين صياغة استراتيجيتها الأمنية لتدخل كفاعل تسليحي أول في القارة الأفريقية لمواجهة هذه التنظيمات".

وعلى وقع الانسحاب الجزئي للنفوذ الغربي من بعض الدول الأفريقية، وصعود النفوذ الروسي-الصيني، استغل "التنظيم" الفراغ الناشئ، ورأى في الوجود الصيني فرصة للتمويل والدعاية والسيطرة في مناطق الموارد والمناجم والبحيرات. وقام باستهداف المناجم والعمال الصينيين في مجال تعدين الذهب والماس، كما جرى في جمهورية أفريقيا الوسطى، وهذا ما وصفته الخارجية الصينية في مارس/آذار 2023 بأنها إشارات خطر "حمراء" أو مرتفعة للغاية. بعد أن لقي تسعة صينيين حتفهم، إثر اقتحام مسلحين لمنجم ذهب تابع لشركة صينية، كما تعرض عمال مناجم آخرون للخطف والقتل، على يد جماعات مسلحة في عدة دول أخرى، مثل الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا، ومالي.

سارت بعض الجماعات على خطى "داعش" في استهداف الصين، وشهد إقليم كابو ديلغادو هجمات متكررة أثرت على مشاريع الغاز والبنية التحتية

كما حاصر "داعش" أيضا الصين في بعض القواعد العسكرية في سوندوغو ببوركينا فاسو على قرابة عشرة كيلومترات من ولاية السافانا التوغولية، وفي توغو التي أصبحت في مرمى خطر الجماعات المسلحة بمنطقة بندجاري المشتركة مع دولة بنين. كما دخلت غانا على الخط نفسه، وذهبت بعض الأوساط الأمنية إلى اعتبار أن شمال غانا، صار القاعدة الخلفية للجماعات المسلحة التي تستهدف بوركينا فاسو، وأيضا في مالي، حيث مشروع "التنظيم" يستهدف تفكيك الدولة المركزية وتقسيم البلاد.

في السياق نفسه، سارت بعض الجماعات على خطى "داعش" في استهداف الصين، وشهد إقليم كابو ديلغادو هجمات متكررة أثرت على مشاريع الغاز والبنية التحتية، وأعلنت حركة "الجبهة الوطنية للتحرير" (FPL) ثم الحركة المنشقة عنها "الحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة" (MPLJ) مسؤوليتها عن هجمات وتهديدات استهدفت مشروع النفط العملاق في أغاديم شرقي النيجر، مطالبة الشركات الصينية بوقف تعاونها مع السلطات العسكرية في نيامي، ومغادرة بعض المواقع النفطية.

وتركزت الهجمات والتهديدات حول مصالح الشركة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) وشركات مرتبطة بها، إضافة إلى خط الأنابيب العملاق الممتد من حقل أغاديم إلى ميناء سيمي في بنين بطول يقارب ألفي كيلومتر، والذي يعد أطول خط نفطي في أفريقيا، وأكبر مشروع اقتصادي في تاريخ النيجر الحديث.

رويترز
ممتلكات محترقة ومتضررة بعد مقتل عدد من الأشخاص واختطاف عدد من النساء والأطفال إثر هجوم شنّه مسلحون في قرية دوتسين دان أجيا، منطقة أنكا المحلية، ولاية زامفارا، نيجيريا، في 21 فبراير 2026

كانت "الجبهة الوطنية للتحرير قد تبنت في يونيو/حزيران 2024 هجوماً على جزء من خط الأنابيب الممول من الصين، مهددة بـ"شل جميع الأصول النفطية" إذا استمر اتفاق تصدير النفط الموقع بين المجلس العسكري وشركة النفط الصينية بقيمة 400 مليون دولار.

وبسبب ضخامة الاستهداف "الداعشي" أشار تقرير لصحيفة "التايمز" إلى أن بعض شركات التعدين الصينية في نيجيريا (زمفرة وكاتسينا) دفعت أموالاً/ رشاوي لـ"التنظيم" لضمان أمنها، مما أدى إلى تمويل غير مباشر للإرهاب.

حماية خطوط التجارة والملاحة البحرية الدولية هدف للصين، إذ تشرف أفريقيا على عدد من أهم الممرات البحرية في العالم

ويرى مراقبون أن ما يجري يعكس اتجاهاً جديداً في الساحل، حيث لم تعد الحركات المسلحة تركز فقط على استهداف الجيوش والقواعد العسكرية، بل باتت تتجه نحو ضرب المشاريع الاقتصادية الكبرى والشركات الأجنبية، خصوصاً الصينية، باعتبارها شرياناً مالياً للأنظمة الحاكمة، ومصدراً متزايد الأهمية للنفوذ الخارجي في المنطقة. يقول الكاتب والباحث عمر الأنصاري، في حديث خاص لـ"المجلة": "الصين حاليا محاصرة في النيجر من قبل الحركات المسلحة، مثل حركة (FBL) والحركة المنشقة عنها (MPLJ) فيما (داعش) ينشط أكثر في منطقة ليبتاكوغورما الحدودية بين دول الساحل الثلاث، ولا يصل إلى عمق مالي مثل (القاعدة) التي تضايق الوجود الصيني من خلال الإتاوات على الذهب، بينما (داعش) على الحدود يطل من نيجيريا ويحاول من هناك صناعة مجال متصل، ليس لإجبار الصين على الرحيل بقدر ما هو استغلال لهذا الوجود لدفع الأموال".

المجابهة المقبلة

تخوض الصين مواجهة معقدة وغير معلنة في القارة الأفريقية مع تنظيم "داعش" والجماعات المرتبطة به، حيث تحولت الاستثمارات الصينية الضخمة إلى أهداف استراتيجية لهذه التنظيمات. ويتداخل في هذا الصراع البعد المالي والاقتصادي مع الدوافع الأيديولوجية والجيوسياسية، مما يفرض شكلاً جديداً من المواجهة المستقبلية. وفق الباحث حكيم غريب، تتعدد دوافع تنظيم "داعش" في استهداف مصالح الصين في أفريقيا، بين رغبة واضحة في الابتزاز المالي، وتحقيق مكاسب أيديولوجية وسياسية. فمن الناحية المالية، تمثل الشركات الصينية العاملة في مجالات البنية التحتية والتعدين، هدفاً ثرياً لعمليات الخطف، واحتجاز الرهائن، لطلب فديات ضخمة تمول أنشطة التنظيمات، بالإضافة إلى السعي لفرض إتاوات وضرائب إجبارية على هذه الشركات لتأمين ممراتها التجارية أو حماية منشآتها. وتتداخل مناطق نفوذ جماعات مثل تنظيم "داعش" في غرب أفريقيا (ISWAP) مع مناطق غنية بالثروات ومشاريع الطاقة التي تديرها بكين، مما يجعل طرد الصينيين خطوة للسيطرة على هذه الموارد وعوائدها. وأما من الناحية الأيديولوجية والسياسية، فيستخدم تنظيم "داعش" ملف أزمة الإيغور في إقليم شينغيانغ كمحرك أساسي لشحن عناصره، وتبرير استهداف الصين بوصفها "عدواً للإسلام" في أدبياته. كما يطرح "التنظيم" نفسه كحامٍ للمجتمعات المحلية ضد ما يسميه "الاستعمار الجديد" والإمبريالية الصينية التي تنهب ثروات أفريقيا، مستغلاً النبرة الشعبوية المعادية لبعض المشاريع الأجنبية لكسب الحواضن الشعبية. وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في أمثلة حية، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتكرر الهجمات الدموية وحالات الخطف ضد مناجم الذهب الصينية من قبل "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF) التابعة لـ"داعش"، وكذلك في نيجيريا ومنطقة الساحل حيث تواجه العمالة الصينية في قطاعات البناء والتعدين استهدافاً متتالياً لتأمين السيولة المالية للتنظيم.

وقد تسببت العمليات الإرهابية في خسائر مشاريع صينية بقيمة 20 مليار دولار أميركي في عام 2025، وفق المجلة الأكاديمية "Journal of Religion & Society" (JR&S) في المجلد 4، العدد الثاني (2025). ومن المحتمل أن تتزايد هذه الخسائر في نهاية عام 2026 مع استمرار تعرُّض العمال الصينيين للكثير من عمليات الخطف والابتزاز ودفع الفدية، على نحو ما حدث مؤخرا في نيجيريا، وعلى سبيل المثال، عمليات القرصنة البحرية في بحيرة تشاد وخليج غينيا، من قبل جماعة "بوكو حرام". وهذا سيدفع بكين لحماية الرعايا والعاملين والمستثمرين الصينيين على خلفية تنامي هذه التهديدات ضد الرعايا والشركات الصينية في المنطقة؛ حيث هناك حوالي عشرة آلاف شركة وحوالي مليون مواطن صيني بأفريقيا.

أ.ف.ب
أعلام تابعة لتنظيم "داعش" في غرب أفريقيا، في باغا، في 2 أغسطس 2019

وتصبح حماية المصالح الاقتصادية للصين في المنطقة هدفا رئيسا، لا سيما الوصول إلى الموارد الطبيعية؛ حيث تستورد من النفط والمعادن حوالي 83 في المئة من جميع وارداتها الأفريقية. وتعتمد الصناعة العسكرية الصينية على المعادن الأفريقية، لذلك عملت بكين على تعزيز علاقاتها مع دول مثل نيجيريا، وغابون، وجنوب السودان، وتشاد، وأنغولا التي تستورد منها النفط، وغينيا، غانا، الكونغو، مالي، موريتانيا، التي تستورد منها اليورانيوم، الألماس، النحاس، الكوبالت، الليثيوم، الحديد.

كما أن حماية خطوط التجارة والملاحة البحرية الدولية هدف للصين، إذ تشرف أفريقيا على عدد من أهم الممرات البحرية في العالم (المحيط الهندي، المحيط الأطلنطي، البحر الأحمر، البحر المتوسط، مضيق باب المندب، مضيق جبل طارق، مضيق موزمبيق، قناة السويس، خليج غينيا، رأس الرجاء الصالح).

ركزت بكين على الاستثمارات في شركات الأمن الخاصة الصينية التي تعمل في القارة الأفريقية في 14 دولة أفريقية على الأقل. وتحمي أصولا تقدر بـ700 مليار دولار، وتوظّف آلافاً من المتقاعدين العسكريين

من أجل ما سبق تقوم الصين بعدد من الوسائل والاستراتيجيات لمجابهة "داعش" والتنظيمات الأخرى الإرهابية، أولها زيادة المبيعات العسكرية لدول مثل نيجيريا، غانا، الكاميرون، تشاد، وغانا. كما وسعت من صادرات السلاح إلى دول الساحل وغرب أفريقيا عن طريق شركات مثل "نورينكو" التي فتحت مكاتب مبيعات في نيجيريا والسنغال، لخدمة أسواق السلاح في المنطقة، واكتساب مناطق نفوذ جيوسياسية جديدة باستغلال موجة انحسار النفوذ الفرنسي في أفريقيا، وكذلك العقوبات المتعددة على روسيا. كما أنشأت بكين مراكز أبحاث استراتيجية متقدمة للعمل على تنظيمات الإسلام السياسي. ومنها "المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب" (ACSRT) في الجزائر. وتقيم الصين الكثير من المناورات العسكرية، على سبيل المثال مُناورات "Peace Unity-2024"، وتقوم بتعزيز وتفعيل وجودها العسكري في شرق أفريقيا؛ تمهيداً لتوسيع دورها ونفوذها العسكري في باقي أقاليم القارة.

ومن أجل تأمين الحصول على الموارد الطبيعية، تُسيطر شركة "البترول الوطنية الصينية" (CNPC) على سبيل المثال، على إنتاج وإدارة النفط في تشاد منذ عام 2003. كما تقوم بكين باستثمارات كبيرة في النيجر، إذ أقامت مشروع خط أنابيب النفط (أجاديم Agadem-كوتونو)، المدعوم من الشركة الصينية (بتروتشاينا)، والتي تبلغ تكلفته 4 مليارات دولار، والغرض الرئيس منه الحد من المخاطر الأمنية واللوجستية للنقل في المنطقة.

أ.ف.ب
صورة للمدمرة الصينية تانغشان (الهيكل 122) المزودة بصواريخ موجهة، راسية في ميناء سيمونز تاون، بالقرب من كيب تاون، في 10 يناير 2026

وتدعم الصين أنشطة مكافحة الإرهاب، حيث قدمت مساعدات بقيمة 45.56 مليون دولار لعمليات القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس (تشاد، والنيجر، ومالي، وبوركينافاسو، وموريتانيا) عام 2022.

كما ركزت بكين على الاستثمارات في شركات الأمن الخاصة الصينية (PSCs) التي تعمل في القارة الأفريقية في 14 دولة أفريقية على الأقل. وتحمي أصولا تقدر بـ700 مليار دولار، وتوظّف آلافاً من المتقاعدين العسكريين. وهي ليست في الواقع شركات خاصة، بل شركات تؤول ملكيتها للدولة، وتخضع للحكومة الصينية، وتتمركز في دول شرق وجنوب أفريقيا. كما تنتشر شركات أخرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا ومالي. وأبرزها شركة "Hua Xin Zhong An" (HXZA)، وهي مملوكة للقطاع الخاص، وقد تأسست في عام 2004 من قبل قدامى المحاربين في جيش التحرير الشعبي، وهي تعمل في مناطق شديدة الخطورة مثل خليج عدن وخليج غينيا. وتعد (HXZA) واحدة من عدد قليل من الشركات الأمنية الخاصة الصينية التي يُسمح لها بنقل الأسلحة إلى الخارج. وأيضا مجموعة خدمات الحدود (FSG) وهي شركة أمنية خاصة، مدرجة في هونغ كونغ، وتركز بشكل خاص على العمليات في أفريقيا (ولها مكاتب في نيروبي وجوهانسبرغ). كانت الشركة توفر في المقام الأول "الأمن الشخصي" دون استخدام الأسلحة، غير أن نطاق عملها تطور لاحقًا، ليشمل الحماية لصناعات مختلفة كالنفط والغاز والتعدين والتمويل والمنظمات الدولية والطاقة والبنية التحتية. هناك أيضا مجموعة "حراس الأمن في الخارج" (OSG)، وهي أول من حصل على إذن من الحكومة الصينية، لتوفير مرافقة بحرية مسلحة للأساطيل الصينية. وهي موكلة بمهام بحرية في مومباسا (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) وديربان (جنوب أفريقيا) وتواماسينا (مدغشقر).

وأيضا شركة "DeWe" التي تأسست عام 2011 من قبل ضباط سابقين في جيش التحرير الصيني، والشرطة المسلحة الشعبية. قامت الشركة بعمليات في أفريقيا منذ عام 2013، بما في ذلك، إثيوبيا ونيجيريا– بالتعاون مع الشرطة الأفريقية والجيش وشركات الأمن المحلية.

العلاقة بين بكين والتنظيمات المتطرفة تتجه في أفريقيا نحو مواجهة حتمية ومفتوحة، حيث ستعتمد الصين على آليات أمنية واقتصادية مبتكرة، لحماية أصولها ومواطنيها دون تورط عسكري مباشر

ويشير مراقبون إلى أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه الصين في مجابهتها للجماعات الإرهابية بأفريقيا؛ فرغم أن قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015، يسمح لها بنشر قوات عسكرية لمكافحة الإرهاب في الخارج، فإن القدرات الصينية لا تزال محدودة نتيجة التحديات المتعلقة بالأعباء المالية لتمويل مثل هذه العمليات، والخوف من أن يؤدي الوجود العسكري إلى توتير العلاقات الدبلوماسية لبكين مع دول المنطقة. كما أن هناك تحديات بسبب الوجود العسكري الغربي الكثيف في المنطقة، وتواضع مساهمة الصين في بناء القدرات العسكرية لدول المنطقة مقارنة بالأوروبيين. وهناك أيضا التحديات المرتبطة بجودة الأسلحة الصينية، فالأسلحة الأميركية والغربية والروسية تتمتع بشهرة وكفاءة كبيرة اكتسبتها من خبرات متراكمة من حروبها وعملياتها العسكرية المتعاقبة، في حين تفتقر الأسلحة الصينية لتلك الخبرات الميدانية.

خلاصة المشهد أن العلاقة بين بكين والتنظيمات المتطرفة تتجه في أفريقيا نحو مواجهة حتمية ومفتوحة، حيث ستعتمد الصين على آليات أمنية واقتصادية مبتكرة، لحماية أصولها ومواطنيها دون تورط عسكري مباشر. ويتمثل المحور الأول للمواجهة في "خصخصة الأمن"، حيث ستتوسع بكين بشكل مكثف في استخدام الشركات الأمنية الصينية الخاصة (PSCs) لحماية منشآتها ومناجمها، مستعينة بخبرات عسكرية سابقة وتقنيات مراقبة متطورة مثل الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي بالتنسيق مع القوات المحلية الأفريقية لصد هجمات "داعش" المباغتة. والمحور الثاني يعتمد على استراتيجية "الأمن عبر التنمية"، انطلاقاً من إيمان بكين بأن الفقر والبطالة هما الوقود الأساسي لتجنيد الشباب الأفريقي؛ لذا ستتضمن المواجهة ضخ استثمارات صينية موجهة لتنمية المجتمعات المحيطة بالمشاريع الكبرى لسحب البساط من تحت أقدام التنظيمات الإرهابية. وأخيراً، ستنتقل الصين إلى دور الشريك الأمني الاستراتيجي عبر "الدبلوماسية الأمنية"، والتي ستشهد زيادة ضخمة في مبيعات الأسلحة الصينية، وتكثيف برامج التدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومات الدول الأفريقية لتمكين الجيوش المحلية من خوض حرب بالوكالة ضد تنظيم "داعش" وحماية المصالح المشتركة في أدغال أفريقيا.

font change