انتهجت إدارة الرئيس دونالد ترمب، في ولايتها الثانية، سلسلة من المبادرات الخارجية غير المحسوبة، من "ريفييرا غزة" إلى الوعد بضم غرينلاند، ومن تنفير الهند إلى الحياد في أوكرانيا، إلى أمثلة أخرى في قائمة أطول. وفي هذا السجل الآخذ في الاتساع من السياسات الإشكالية، تبرز محاولته الأخيرة الدفع بالجيش السوري إلى لبنان لمحاربة "حزب الله" المدعوم من إيران، بوصفها واحدة من أخطر تلك المقترحات. وإذا نُفذت هذه الخطة، فمن شبه المؤكد أنها ستزيد زعزعة الاستقرار الإقليمي وتلحق ضررا إضافيا بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
في 16 يونيو/حزيران، قال الرئيس ترمب إن المقاربة الأفضل للتعامل مع "حزب الله"، في رأيه، هي أن تنتشر القوات العسكرية التابعة للرئيس السوري أحمد الشرع داخل لبنان لمواجهة "الحزب". واعتبر الرئيس أنه، بعدما عجزت إسرائيل عن نزع سلاح الميليشيا، تستطيع سوريا أن "تنجز المهمة على نحو أفضل". وكان ذلك أول إقرار علني من الإدارة بالخطة الأميركية التي ترددت حولها الأنباء فترة طويلة، وظلت واشنطن تنفيها حتى ذلك الحين، وكان آخر نفي في مارس/آذار، حين كتب المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أن هذه الأنباء "كاذبة وغير دقيقة".
ولذلك، بعد أشهر من التقارير المتواترة، لم تأت دعوة الرئيس إلى تدخل عسكري سوري مفاجئة تماما. ومع ذلك فقد كانت صادمة، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من عواقب خطيرة يمكن توقعها. وحتى بالنسبة إلى إدارة تتباهى بميلها إلى قلب المعادلات، بدا هذا الطرح تجاوزا لخط لا ينبغي الاقتراب منه.
فأصدقاء واشنطن في لبنان، حتى أولئك الذين يؤيدون نزع سلاح "حزب الله"، يرفضون أي دور عسكري لسوريا في ذلك. ولا ينسى أحد أن العلاقة بين البلدين مثقلة بتاريخ معقد لا تزال أصداؤه حاضرة إلى اليوم. في ظل نظام حافظ الأسد ونجله بشار، الذي حكم سوريا منذ عام 1970 حتى إطاحته عام 2024، لم تعترف دمشق قط بالسيادة اللبنانية. وبالنسبة إلى عائلة الأسد، كان لبنان جزءا من سوريا. ولم يبق هذا التصور في حدود الخطاب السياسي، فقد دخلت القوات السورية إلى لبنان فعليا في العام 1976 في سياق الحرب الأهلية التي اندلعت قبل عام، ثم بين عامي 1991 و2005، فرضت دمشق هيمنة سياسية شبه مطلقة على لبنان غيّبت خلالها آلاف المعارضين السياسيين اللبنانيين.

