مقام الوحشة في "سيكا" لطلال الطويرقي

عن الحكي حين ينجو من الصمت

مقام الوحشة في "سيكا" لطلال الطويرقي

"لم تنضج حكمتنا بعد، فبعنا ذهب الصمت بفضة هذا الحكي الفارط في بهجته، والفضة لا تصدأ أبدا".

صدر عن "دار رشم للنشر والتوزيع" ديوان "سيكا" للشاعر السعودي طلال الطويرقي بدعم من وزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهو ديوان لا يبدو منشغلا بإضافة كتاب جديد إلى تجربة صاحبه فحسب، بل بمحاولة أعمق: أن يعيد الشاعر اختبار لغته، وأن يخرج بها من مناطقها المألوفة إلى حافة أصفى، وأقل صخبا، وأقرب من النداء الداخلي.

في "سيكا" لا يذهب صاحب "السهرة لم تشرب قهوتها" إلى القصيدة باعتبارها منصة للبلاغة العالية، ولا يتكئ على ذلك اللمعان اللفظي الذي يخطف القارئ لحظة ثم يتركه سريعا. هنا تتجلى لغة تمشي ببطء، كأنها لا تريد أن توقظ الوجع دفعة واحدة. لغة تخفف صوتها، وتترك للصور الصغيرة قول ما لا تقوله الجمل الكبرى: رائحة قرية، نافذة خضراء، نار بعيدة، كلب يرتجف، ثوب أبيض، وشاي موضوع على جمر الروح.

نغمة تخرج من العتمة

منذ القصيدة الأولى، "مقام الوحشة"، يضع الديوان قارئه في نبرته الأساس. الوحشة هنا تتجاوز كونها حالة مزاجية عابرة، أو مجرد حزن شفيف يلون القصائد، فهي الجذر الذي تنبت منه الصور كلها. يقول الشاعر: "الوحشة لم تترك فينا شيئا، أخذت أسرارا خبأناها في الدمعة". هذه الجملة هي مفتاح لعالم الديوان بأكمله. فالوحشة كائن حي، يتحرك، يأخذ، ينهب، ويعيد ترتيب الداخل على صورته.

ومن هذه الوحشة تبدأ القصائد، وإليها تعود، كأن الديوان كله محاولة للقبض على نغمة مكسورة. مما يجعل من عنوان "سيكا" طريقة في القراءة تتكئ على العلامة الموسيقية. نحن أمام مقام يتسلل من بين الأشياء دونما استعراض. مقام خرج من العود، ومن الذاكرة، ومن قرية تركت أبناءها يذهبون إلى الحرب، ثم ظلت تنتظرهم كما تنتظر النار حطبها الأخير.

يتوزع الديوان بين "نوتة شخصية"، و"نوتة القرية"، و"نوتة الذكريات"، لكن هذا التقسيم أقرب إلى انتقالات موسيقية داخل مقام واحد. كل نوتة تجر الأخرى منه إلى فواصل صلبة بين النصوص. فكل صورة تترك ظلها في القصيدة التالية، حتى يبدو العمل نفسا طويلا موزعا على مقاطع.

هنا تظهر روح صوفية خافتة، لا تأتي من المصطلحات ولا من إعلان الانتماء إلى لغة عرفانية، بقدر ما تأتي من الانشغال بما يتبقى بعد زوال الشيء

 ما يمنح "سيكا" خصوصيته، أن الطويرقي يكتب الفقد بوصفه طريقة في الإصغاء. لا يشرح الغياب، ولا يبالغ في تصويره، إنما يترك الأشياء تحمل أثره. وهنا تظهر روح صوفية خافتة، لا تأتي من المصطلحات ولا من إعلان الانتماء إلى لغة عرفانية، بقدر ما تأتي من الانشغال بما يتبقى بعد زوال الشيء.

كل شيء في الديوان قابل لأن يصبح علامة: الدمعة، الفانوس، النافذة، الكلب، الذئب، القهوة، النار، الصورة، والثوب الأبيض. هذه الأشياء تتجاوز حدود معناها اليومي، لتنفتح على ما هو أبعد. الحزن ليس ما يقال مباشرة، إنه يلبس هيئة كلب يشعر بالبرد. الحرب لا تُشرح بخطاب كبير، إنها تحضر في شاي، وسكر، وملامح أحبة يحاول الشاعر إنقاذها من الذبول.

في هذا المعنى، لا يستعيد الديوان ما ضاع، لكنه يمنح الضياع جسدا قابلا للتأمل. القصيدة لا تعيد الغائب إلى مكانه، غير أنها تضع حول غيابه ضوءا رقيقا. كأن الشاعر يعرف أن اللغة، وإن لم تستطع هزيمة الموت، تستطيع منع العتمة من ابتلاع المشهد كاملا.

 REUTERS/Faisal Al Nasser
مبانٍ تراثية في قرية رجال ألمع التاريخية بمنطقة عسير جنوب غرب السعودية، 2016

قرية لا تصلح للحنين السهل

في القسم الثاني من الديوان، لا تظهر القرية كخلفية هادئة أو بطاقة بريدية من زمن الطفولة. إنها كائن كامل يتنفس، يبرد، يخاف، يعوي، ويضيء. يكتبها الطويرقي من داخل تفاصيلها الحسية: السمر، الطلح، المنقل، الهيل، البراد، الأقط، العكة، العرعر، الأثل، رائحة البهم، دفء النار، وخشب النافذة الأخضر.

هذه المفردات هي مادة الذاكرة نفسها. ما يفعله الشاعر هنا أنه يأخذ الأشياء البسيطة من بيئتها الأولى، ثم يمنحها طاقة رمزية من غير أن يقتل عفويتها. لذلك فإن القرية في "سيكا" مفتوحة على سؤال إنساني واسع يتجاوز حدودها الجغرافية: ماذا يبقى من المكان حين يغيب الذين صنعوا دفأه؟ وماذا تفعل البيوت حين تتحول إلى شهود لا يملكون سوى الصمت؟

في نص "كلب القرية يشعر بالبرد وحيدا"، يبلغ الديوان واحدة من أكثر لحظاته كثافة. الكلب لا يحرس الغنم فحسب، إنما يحرس آخر ما تبقى من معنى الدفء. والذئب ليس حيوانا مفترسا فحسب، إنما صورة للخوف حين يتعلم الخديعة. هنا يحول الطويرقي القرية إلى مكان يُسمع ويُشم ويُلمس. مكان نحس برده في أطرافنا، ونسمع عواءه كأنه يأتي من داخل الذاكرة لا من أطراف الوادي.

قصائد تمشي بعضها خلف بعض

يقوم "سيكا" على فكرة النص المدور. القصائد هي حلقات في سلسلة شعورية واحدة. "مقام الوحشة" يتردد في "لا نشبه أحدا"، ثم يظهر أثره في "حين كبرنا"، ثم يتخفى في القرية، ويشتعل في الحرب، قبل أن يهدأ في البياض الأخير. كأن الديوان جملة واحدة طويلة، أخذت شكل أنفاس متقطعة.

الحرب في "سيكا" هي تصدع في الداخل. لذلك تقاومها القصائد بالتفاصيل الصغيرة عوضا عن الشعار

هذا البناء يمنح العمل موسيقاه الخاصة. الجملة عند الطويرقي تتقدم على مهل، تلتف، تستعيد صورة، ثم تتركها لتعود بعد صفحات في هيئة أخرى. صحيح أن هذا الأسلوب يغامر أحيانا بالاقتراب من التكرار، لكن التكرار في معظم مواضعه يتحول إلى إيقاع، إلى لازمة داخلية تشبه موالا بعيدا لا يريد أن ينتهي.

لذلك لا يكشف الديوان عن كامل أثره إذا قُرئ على هيئة قصائد معزولة. قوته في التراكم. في انتقال النبرة من ذات الشاعر إلى القرية، ومن القرية إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الحرب، ومن الحرب إلى الموتى. إنه ديوان لا يعطي نفسه بضربة واحدة، بل يطلب من قارئه أن يمشي معه، وأن يقبل بطء الطريق.

حين يصل الديوان إلى الحرب، يبدو صوته خفيضا. لا رايات عالية، ولا بطولة مصنوعة، ولا جمل كبيرة تلتهم الفقد باسم المعنى. يقول الشاعر: "ومضينا للحرب بلا ذاكرة، دون دخان البارود يعطرنا". هذه الجملة وحدها تكفي لتوضيح موقف الديوان من الحرب. فالمعركة لا تمنح الإنسان مجدا، بل تسرق ذاكرته. حتى رائحة البارود، التي كثيرا ما تحضر علامة على البطولة والميدان، تأتي هنا منفية، بلا زينة ولا احتفال.

الحرب في "سيكا" هي تصدع في الداخل. لذلك تقاومها القصائد بالتفاصيل الصغيرة عوضا عن الشعار: الشاي، السكر، رائحة الأهل، أصوات الناس، ملامح الأحبة، دفء البيت. كأن الشاعر يقول إن الإنسان لا ينجو من الخراب بالأفكار الكبيرة وحدها، بل بما يبقى عالقا في يده من حياة عادية.

في نصوص مثل "سأقول إذن"، و"الحرب إذا"، و"لا نعرف للموتى أثرا"، تتحول الحرب إلى اختبار للذاكرة. ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد طريق العودة؟ وما الذي يستطيع أن يحمله معه حين يصبح البيت بعيدا إلى هذا الحد؟ لا يجيب الديوان بخطاب مباشر. يترك الأسئلة تتكاثر داخل الصور.

في نهاية الديوان، يصل الطويرقي إلى نص "بأثواب بيض"، وفيه تخف كثافة اللغة قليلا، كأنها تتهيأ لمنطقة أقل ضجيجا وأكثر شفافية. هنا لا يظهر الموت كعتمة مطلقة، ولا الفرح كنجاة كاملة. الخارجون إلى الفرح يبدون صاعدين إلى غيب لا يقطع صلته بالقرية. يقول الشاعر: "خرجوا نحو فضاء الله بأثواب بيض، وارتفعوا نحو سماوات الغيب وما ضلوا".

فضة الكلام

هذا البياض لا يلغي القحط، ولا يرمم الفقد ترميما عاطفيا سهلا. لكنه يضع الخسارة في ضوء آخر. فالقرية التي بدت في موضع سابق "أشبه بالقحط الضاري خلف غياب ما ألفوه"، لا تستعيد أبناءها كما كانوا، بل تستعيد أثرهم. وما يعجز الجسد عن العودة به، تحفظه الذاكرة في هيئة نغمة أو ثوب أو رائحة.

REUTERS/Mohamed Alhwaity
رجال سعوديون يحتسون الشاي داخل خيمة خلال عاصفة ثلجية في قرية علقان شمال غرب السعودية، 2013

هكذا تبدو الخاتمة طبيعية داخل مسار الديوان: من الوحشة إلى القرية، ومن القرية إلى الحرب، ومن الحرب إلى بياض لا يشرح الموت، لكنه يخفف قسوته. البياض هنا، وإن لم يكن خلاصا، هو طريقة أرهف للنظر إلى الغياب.

شاعر يثق بالبطء، يعرف أن القصيدة لا تحتاج دائما إلى صرخة كي تترك أثرها. أحيانا تكفي نار صغيرة في آخر الليل، أو كلب وحيد في برد القرية

لعل أهمية "سيكا" أنه يكشف طلال الطويرقي في منطقة أنضج. فهو يبني عالما شعريا له مفرداته ونبرته وحرارته الخاصة. اللغة أقل مباشرة، وأكثر التفاتا إلى التفاصيل، وأقدر على مزج المحلي بالوجودي. لقد استطاع أن يجعل القرية مقاما، وأن يحول مفرداتها اليومية إلى إشارات روحية، وأن يكتب الحرب دون أن يسقط في بلاغة جاهزة.

في هذا الديوان شاعر يثق بالبطء، يعرف أن القصيدة لا تحتاج دائما إلى صرخة كي تترك أثرها. أحيانا تكفي نار صغيرة في آخر الليل، أو كلب وحيد في برد القرية، أو أرواح تمضي بأثواب بيض نحو فضاء لا نراه.

"سيكا" ديوان عن الفقد، لكنه ليس ديوان بكاء. إنه عمل عن الحكي حين ينجو من الصمت، وعن الصمت حين يترك في الحكي شيئا من ذهبه. ومن هذه المفارقة تأتي قوته: أن الشاعر باع ذهب الصمت بفضة الكلام، لكنه جعل هذه الفضة تلمع طويلا، لأنها، كما يقول، لا تصدأ أبدا.

font change