"لم تنضج حكمتنا بعد، فبعنا ذهب الصمت بفضة هذا الحكي الفارط في بهجته، والفضة لا تصدأ أبدا".
صدر عن "دار رشم للنشر والتوزيع" ديوان "سيكا" للشاعر السعودي طلال الطويرقي بدعم من وزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهو ديوان لا يبدو منشغلا بإضافة كتاب جديد إلى تجربة صاحبه فحسب، بل بمحاولة أعمق: أن يعيد الشاعر اختبار لغته، وأن يخرج بها من مناطقها المألوفة إلى حافة أصفى، وأقل صخبا، وأقرب من النداء الداخلي.
في "سيكا" لا يذهب صاحب "السهرة لم تشرب قهوتها" إلى القصيدة باعتبارها منصة للبلاغة العالية، ولا يتكئ على ذلك اللمعان اللفظي الذي يخطف القارئ لحظة ثم يتركه سريعا. هنا تتجلى لغة تمشي ببطء، كأنها لا تريد أن توقظ الوجع دفعة واحدة. لغة تخفف صوتها، وتترك للصور الصغيرة قول ما لا تقوله الجمل الكبرى: رائحة قرية، نافذة خضراء، نار بعيدة، كلب يرتجف، ثوب أبيض، وشاي موضوع على جمر الروح.
نغمة تخرج من العتمة
منذ القصيدة الأولى، "مقام الوحشة"، يضع الديوان قارئه في نبرته الأساس. الوحشة هنا تتجاوز كونها حالة مزاجية عابرة، أو مجرد حزن شفيف يلون القصائد، فهي الجذر الذي تنبت منه الصور كلها. يقول الشاعر: "الوحشة لم تترك فينا شيئا، أخذت أسرارا خبأناها في الدمعة". هذه الجملة هي مفتاح لعالم الديوان بأكمله. فالوحشة كائن حي، يتحرك، يأخذ، ينهب، ويعيد ترتيب الداخل على صورته.
ومن هذه الوحشة تبدأ القصائد، وإليها تعود، كأن الديوان كله محاولة للقبض على نغمة مكسورة. مما يجعل من عنوان "سيكا" طريقة في القراءة تتكئ على العلامة الموسيقية. نحن أمام مقام يتسلل من بين الأشياء دونما استعراض. مقام خرج من العود، ومن الذاكرة، ومن قرية تركت أبناءها يذهبون إلى الحرب، ثم ظلت تنتظرهم كما تنتظر النار حطبها الأخير.
يتوزع الديوان بين "نوتة شخصية"، و"نوتة القرية"، و"نوتة الذكريات"، لكن هذا التقسيم أقرب إلى انتقالات موسيقية داخل مقام واحد. كل نوتة تجر الأخرى منه إلى فواصل صلبة بين النصوص. فكل صورة تترك ظلها في القصيدة التالية، حتى يبدو العمل نفسا طويلا موزعا على مقاطع.

