كيف يتأثر الحمض النووي للإنسان عند التعرض للإشعاع النووي؟

بين التعرض والتلوث...

Olga Aleksandrova
Olga Aleksandrova

كيف يتأثر الحمض النووي للإنسان عند التعرض للإشعاع النووي؟

في أغسطس/آب 1945، كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها بعد إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي. لكن في مختبر لوس ألاموس الوطني، حيث ولد مشروع مانهاتن، كان العلماء لا يزالون يجرون تجارب شديدة الخطورة على قلب من البلوتونيوم، كان مخصصا لاستخدام نووي آخر إذا استمرت الحرب.

لم يكن الخطر في الانفجار وحده، بل في لحظة الاقتراب من "الحالة الحرجة" حين يصبح التفاعل المتسلسل على وشك الانطلاق، وتتحول المادة النووية إلى مصدر مفاجئ لجرعة قاتلة من الإشعاع.

كانت تلك التجارب تجرى في بدايتها بطريقة يدوية مباشرة، قبل أن تفرض الحوادث اللاحقة معايير أمان أكثر صرامة. في 21 أغسطس/آب 1945، أسقط الفيزيائي هاري داغليان من غير قصد، قطعة من كربيد التنجستن فوق قلب البلوتونيوم، فاقترب النظام من الحالة الحرجة.

حاول داغليان إيقاف التفاعل بيديه، فتلقى جرعة عالية من الإشعاع وتوفى بعد أقل من شهر. وفي مايو/أيار 1946، تعرض الفيزيائي لويس سلوتن لحادث مشابه أثناء تجربة على القلب نفسه، حين انزلقت مفكة كان يستخدمها للفصل بين نصفَي عاكس نيوتروني، فحدثت ومضة إشعاعية قوية. توفى سلوتن بعد تسعة أيام. ومنذ ذلك الوقت عرف القلب باسم "قلب الشيطان".

لم تكن تلك الحوادث مجرد وقائع مأسوية في تاريخ الفيزياء النووية، بل كانت درسا مبكرا في ما يمكن أن يفعله الإشعاع المؤين بجسم الإنسان خلال ثوانٍ.

وبعد أربعة عقود تقريبا، جاءت كارثة تشيرنوبيل لتكشف وجها آخر للتعرض الإشعاعي، ليس في مختبر عسكري، بل في محطة نووية مخصصة لتوليد الطاقة. ففي الساعات الأولى من 26 أبريل/نيسان 1986، انفجر المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل، واندفع رجال الإطفاء إلى الموقع من دون إدراك كامل لطبيعة الخطر غير المرئي.

يتعرض الحمض النووي يوميا لتلف محدود بسبب عمليات طبيعية داخل الجسم، مثل الأكسدة والأخطاء التي تحدث أثناء نسخ المادة الوراثية عند انقسام الخلايا

كان من بين رجال الأطفاء فاسيلي إجناتنكو، وهو رجل إطفاء سوفياتي في الخامسة والعشرين من عمره، شارك في إخماد النيران الأولى وتعرض لجرعة عالية من الإشعاع وأصيب بمتلازمة الإشعاع الحادة، وتوفى في 13 مايو/أيار من العام نفسه، وروت زوجته ليودميلا تفاصيل أيامه الأخيرة في شهادات وثقتها الكاتبة البيلاروسية الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 سفيتلانا أليكسييفيتش في كتاب "صلاة تشيرنوبيل".

جوهر الخطر

كان القاسم المشترك بين داغليان وسلوتن وإجناتنكو هو التعرض لجرعات كبيرة من الإشعاع المؤين... فما هو ذلك الإشعاع ومم يتكون وكيف يؤثر على جسم الإنسان؟

ينقسم الإشعاع عموما نوعين رئيسين، إشعاع غير مؤين، مثل موجات الراديو والضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، وهو لا يملك عادة طاقة كافية لنزع الإلكترونات من الذرات، وإشعاع مؤين، مثل أشعة غاما وجسيمات ألفا وبيتا والنيوترونات وبعض الأشعة السينية، وهو قادر على فصل الإلكترونات عن الذرات وتحويلها إلى أيونات.

هذه القدرة هي جوهر الخطر، لأنها تسمح للإشعاع بتغيير البنية الكيميائية للجزيئات الحية، وفي مقدمتها الحمض النووي الذي يعتبر الجزيء الذي يحمل التعليمات الوراثية داخل خلايا الإنسان.

REUTERS
طبيبة من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر تفحص الغدة الدرقية لفتاة، والأطفال الآخرون ينتظرون دورهم في مدرسة قرية ميلوسلافيتشي، على بعد حوالي 330 كيلومترًا إلى الشرق من مينسك

وقد كشف جيمس واتسون وفرنسيس كريك عن بنيته اللولبية المزدوجة عام 1953. ويتكون هذا الجزيء من سلسلتين ملتفتين الواحدة حول الثانية، وكل سلسلة مكونة من وحدات صغيرة تسمى النيوكليوتيدات.

تحمل هذه الوحدات أربع قواعد نيتروجينية هي الأدينين، والثايمين، والجوانين، والسايتوسين. ويرتبط الأدينين بالثايمين، والجوانين بالسايتوسين، في ترتيب دقيق يشبه درجات السلم. ومن ترتيب هذه القواعد تتكون الجينات التي توجه الخلية لصناعة البروتينات وتنظيم وظائف الجسم.

تتراوح أضرار الحمض النووي بين تغييرات صغيرة في القواعد الكيميائية وكسور في أحد الشريطين وكسور مزدوجة في الشريطين معا

على الرغم من أن هذا النظام شديد الدقة، لكنه ليس هشا تماما. فالحمض النووي يتعرض يوميا لتلف محدود بسبب عمليات طبيعية داخل الجسم، مثل الأكسدة والأخطاء التي تحدث أثناء نسخ المادة الوراثية عند انقسام الخلايا. لذلك تمتلك الخلايا منظومة واسعة من آليات الإصلاح، منها إصلاح القواعد التالفة، وإصلاح عدم التطابق أثناء النسخ، وإصلاح الكسور في أحد شريطي الحمض النووي أو في الشريطين معا، لكن فعالية هذه الآليات ليست مطلقة. فإذا كان التلف كبيرا أو معقدا أو حدث في وقت قصير، فقد تفشل الخلية في إصلاحه بدقة.

عند التعرض للإشعاع المؤين، يمكن أن يصاب الحمض النووي بطريقتين. الأولى مباشرة، حين تضرب طاقة الإشعاع جزيء الحمض النووي نفسه وتكسر روابطه الكيميائية. والثانية غير مباشرة، وهي مهمة جدا في الخلايا البشرية، لأن معظم الخلية ماء. عندما يؤين الإشعاع جزيئات الماء، تتكون جذور حرة شديدة التفاعل، تستطيع مهاجمة الحمض النووي والبروتينات والدهون داخل الخلية. وبهذه الطريقة قد لا يحتاج الإشعاع إلى إصابة الحمض النووي مباشرة حتى يسبب تلفا وراثيا خطيرا.

إصلاح الضرر

تتراوح أضرار الحمض النووي بين تغييرات صغيرة في القواعد الكيميائية وكسور في أحد الشريطين وكسور مزدوجة في الشريطين معا. وتعد الكسور المزدوجة من أخطر أنواع الضرر، لأن الخلية تكون مضطرة إلى إعادة وصل طرفين مقطوعين في جزيء يحمل معلومات مرتبة بدقة. وإذا أعيد الوصل بطريقة خاطئة، فقد تحدث طفرات أو حذف أجزاء من الحمض النووي أو اندماج غير طبيعي بين جينات أو إعادة ترتيب في الكروموسومات.

بعد ذلك، تقف الخلية أمام احتمالات عدة. قد تنجح في إصلاح الضرر وتعود إلى عملها الطبيعي. وقد تفشل في الإصلاح وتموت، وهو ما قد يكون وسيلة حماية إذا كان التلف شديدا. وقد تبقى الخلية حية لكنها تحمل طفرة أو خللا في الكروموسومات. في هذه الحالة لا تظهر النتيجة دائما على الفور، لكن الخطر قد يمتد لسنوات أو عقود، خصوصا إذا أصابت الطفرات جينات تتحكم في انقسام الخلية أو إصلاح الحمض النووي أو كبح الأورام. هنا تبدأ الصلة بين الإشعاع والسرطان.

تعتمد شدة التأثير على الجرعة ونوع الإشعاع ومعدل التعرض وطريقة دخوله إلى الجسم. جرعة عالية خلال دقائق، أخطر من جرعة صغيرة موزعة على فترة طويلة، لأن الخلايا لا تحصل على وقت كاف للإصلاح. كما تختلف أنواع الإشعاع في قدرتها على الاختراق. فجسيمات ألفا لا تخترق الجلد غالبا، لكنها تصبح شديدة الخطورة إذا دخلت الجسم من طريق الاستنشاق أو البلع. أما أشعة غاما والنيوترونات فتستطيع اختراق أنسجة أعمق، لذلك تمثل خطرا كبيرا في التعرض الخارجي.

التعرض للإشعاع ارتبط بأنماط من تلف الحمض النووي تقوم أساسا على الكسور المزدوجة وإعادة ترتيب الجينات، أكثر من كونه زيادة بسيطة في عدد الطفرات النقطية

وتختلف الأنسجة في حساسيتها، فالخلايا التي تنقسم بسرعة، مثل خلايا نخاع العظم وبطانة الأمعاء وخلايا الأجنة والأطفال، أكثر تأثرا بالإشعاع من الخلايا الأبطأ انقساما. ولهذا تظهر في الجرعات العالية مشكلات حادة في الدم والمناعة والجهاز الهضمي. ففي متلازمة الإشعاع الحادة، قد تبدأ الأعراض بغثيان وقيء وإرهاق، ثم تأتي فترة كمون تبدو فيها الحالة أهدأ، قبل أن تظهر مضاعفات خطيرة في نخاع العظم أو الأمعاء أو الجهاز العصبي حسب الجرعة. ما جرى في حوادث مثل "قلب الشيطان" وتشيرنوبيل ينتمي إلى هذا النمط من التعرض العالي، حيث لا يكون الضرر مجرد احتمال بعيد للسرطان، بل يكون تدميرا مباشرا لقدرة الجسم على تجديد أنسجته.

AFP
صورة جوية، مؤرخة في 31 ديسمبر 1986، لمحطة تشيرنوبيل النووية في أوكرانيا

ومع ذلك، ليست كل آثار الإشعاع فورية. في تشيرنوبيل مثلا، لعب اليود-131 دورا مركزيا في زيادة حالات سرطان الغدة الدرقية، خصوصا بين من كانوا أطفالا أو أجنة وقت الحادث. فالغدة الدرقية تمتص اليود من الدم لاستخدامه في إنتاج هرموناتها. وعندما يدخل اليود المشع إلى الجسم، يمكن أن يتركز في الغدة ويطلق إشعاعا موضعيا داخل خلاياها. هذا الإشعاع قد يسبب كسورا في الحمض النووي، وإذا أصلحت الكسور بطريقة خاطئة قد تنشأ تغيرات كبيرة، مثل اندماج جينات أو حذف أجزاء من المادة الوراثية، وهو ما قد يدفع بعض الخلايا إلى الانقسام غير المنضبط.

التلوث الإشعاعي

وقد حللت دراسة منشورة في دورية "ساينس" عام 2021 جينات مئات من حالات سرطان الغدة الدرقية في أوكرانيا، بينها حالات لأشخاص تعرضوا لإشعاعات تشيرنوبيل في الطفولة أو أثناء الحياة الجنينية. أظهرت النتائج أن التعرض للإشعاع ارتبط بأنماط من تلف الحمض النووي تقوم أساسا على الكسور المزدوجة وإعادة ترتيب الجينات، أكثر من كونه زيادة بسيطة في عدد الطفرات النقطية. وهذا يوضح أن الإشعاع لا يترك دائما "توقيعا" واحدا، بل قد يسبب أنماطا مختلفة من الاضطراب الوراثي بحسب النسيج والجرعة والعمر وقت التعرض.

هناك أيضا فرق مهم بين التعرض الإشعاعي والتلوث الإشعاعي. قد يتعرض شخص لإشعاع خارجي ثم يغادر المكان من دون أن يصبح جسمه مشعا. أما التلوث الإشعاعي فيحدث عندما تلتصق مواد مشعة بالجلد أو الملابس أو تدخل الجسم عبر التنفس أو الطعام أو الماء. في هذه الحالة قد يستمر التعرض من داخل الجسم، وقد تتراكم المادة المشعة في عضو معين، مثل اليود-131 في الغدة الدرقية، أو السترونتيوم في العظام، أو السيزيوم-137 في أنسجة مختلفة من الجسم.

يستقر الرأي العلمي على أن الحمض النووي لا يتحول إلى مادة مشعة عند التعرض للإشعاع النووي، لكنه قد يتعرض لندوب جزيئية تتلف بسببه القواعد النيتروجينية، وتتكسر جراءه الروابط، وتعيد الكروموسومات ترتيب نفسها بطريقة خاطئة عند التعرض له

يبقى السؤال الأكثر حساسية، فهل يمكن أن تنتقل الطفرات الناتجة من الإشعاع إلى الأبناء؟ من الناحية البيولوجية، يمكن الإشعاع أن يسبب تلفا في الخلايا الجنسية، أي البويضات والحيوانات المنوية. وإذا نجا هذا التلف ودخل في تكوين جنين، فقد يتحول إلى طفرة موروثة. لكن الأدلة البشرية المباشرة على حدوث زيادة واضحة في الطفرات الوراثية العابرة للأجيال بعد الكوارث النووية لا تزال محدودة ومحل نقاش.

في التسعينيات، أشارت دراسة منشورة في "نيتشر" إلى زيادة في طفرات بمناطق من الحمض النووي تسمى "الميني ساتلايت" لدى أطفال ولدوا في مناطق ملوثة بعد تشيرنوبيل، وربطت الدراسة ذلك بالتعرض للسيزيوم-137. لكنها أثارت جدلا واسعا لأنها ركزت على مؤشرات محددة لا على الجينوم الكامل.

وفي المقابل، جاءت دراسة أوسع منشورة في "ساينس" عام 2021، فحصت الجينوم الكامل لأطفال ولدوا بعد الحادث لآباء وأمهات تعرضوا لإشعاعات تشيرنوبيل، ولم تجد زيادة واضحة في الطفرات الجديدة مقارنة بالمعدلات الطبيعية. لذلك يتعامل العلماء اليوم مع انتقال الطفرات الإشعاعية عبر الأجيال في البشر باعتباره ممكنا من حيث المبدأ، لكنه غير مثبت على نطاق واضح في البيانات البشرية المتاحة.

والآن، يستقر الرأي العلمي على أن الحمض النووي لا يتحول إلى مادة مشعة عند التعرض للإشعاع النووي، لكنه قد يتعرض لندوب جزيئية تتلف بسببه القواعد النيتروجينية، وتتكسر جراءه الروابط، وتعيد الكروموسومات ترتيب نفسها بطريقة خاطئة عند التعرض له.

font change

مقالات ذات صلة