في أغسطس/آب 1945، كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها بعد إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي. لكن في مختبر لوس ألاموس الوطني، حيث ولد مشروع مانهاتن، كان العلماء لا يزالون يجرون تجارب شديدة الخطورة على قلب من البلوتونيوم، كان مخصصا لاستخدام نووي آخر إذا استمرت الحرب.
لم يكن الخطر في الانفجار وحده، بل في لحظة الاقتراب من "الحالة الحرجة" حين يصبح التفاعل المتسلسل على وشك الانطلاق، وتتحول المادة النووية إلى مصدر مفاجئ لجرعة قاتلة من الإشعاع.
كانت تلك التجارب تجرى في بدايتها بطريقة يدوية مباشرة، قبل أن تفرض الحوادث اللاحقة معايير أمان أكثر صرامة. في 21 أغسطس/آب 1945، أسقط الفيزيائي هاري داغليان من غير قصد، قطعة من كربيد التنجستن فوق قلب البلوتونيوم، فاقترب النظام من الحالة الحرجة.
حاول داغليان إيقاف التفاعل بيديه، فتلقى جرعة عالية من الإشعاع وتوفى بعد أقل من شهر. وفي مايو/أيار 1946، تعرض الفيزيائي لويس سلوتن لحادث مشابه أثناء تجربة على القلب نفسه، حين انزلقت مفكة كان يستخدمها للفصل بين نصفَي عاكس نيوتروني، فحدثت ومضة إشعاعية قوية. توفى سلوتن بعد تسعة أيام. ومنذ ذلك الوقت عرف القلب باسم "قلب الشيطان".
لم تكن تلك الحوادث مجرد وقائع مأسوية في تاريخ الفيزياء النووية، بل كانت درسا مبكرا في ما يمكن أن يفعله الإشعاع المؤين بجسم الإنسان خلال ثوانٍ.
وبعد أربعة عقود تقريبا، جاءت كارثة تشيرنوبيل لتكشف وجها آخر للتعرض الإشعاعي، ليس في مختبر عسكري، بل في محطة نووية مخصصة لتوليد الطاقة. ففي الساعات الأولى من 26 أبريل/نيسان 1986، انفجر المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل، واندفع رجال الإطفاء إلى الموقع من دون إدراك كامل لطبيعة الخطر غير المرئي.

