من سدّ النهضة إلى البحر الأحمر... كيف تغيّر الصراع بين مصر وأثيوبيا

ترمب يعيد فتح ملف النيل

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء ثنائي على هامش قمة مجموعة السبع، في مدينة إيفيان، شرق فرنسا، في 17 يونيو 2026

من سدّ النهضة إلى البحر الأحمر... كيف تغيّر الصراع بين مصر وأثيوبيا

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ملف النزاع على النيل بين مصر وإثيوبيا، في لحظة يشهد فيها هذا الصراع تحولا عميقا في طبيعته وحدوده.

فالمعركة الحقيقية بين البلدين لم تعد، كما في السابق، تدور حول سد النهضة الإثيوبي الكبير وحده، بل انتقلت تدريجيا إلى ساحة أكثر اتساعا وخطورة، هي ساحة السيطرة والنفوذ في البحر الأحمر.

وخلال اجتماعه في السابع عشر من يونيو/حزيران مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في إيفيان بفرنسا، على هامش قمة مجموعة السبع، أبدى الرئيس الأميركي انحيازا واضحا إلى الموقف المصري في قضية سد النهضة، معتبرا أنّ "نهر النيل بدأ يجف أكثر مما ينبغي، وهذا ما نحن هنا للحديث عنه." كما أشار إلى أنه كاد ينجح في حل النزاع خلال ولايته الأولى، متعهدا بمحاولة جديدة في ولايته الثانية.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتناول فيها ترمب إلى ملف سد النهضة الإثيوبي. فقد حمّل، في مناسبة سابقة، إدارات أميركية سابقة مسؤولية تمويله، كما تعهد في مناسبة أخرى بالعمل على إنهاء الأزمة التي تسبب بها.

ويكشف هذا الاهتمام المتجدد، في 17 يونيو/حزيران عن رغبة إدارته أن تكون حاضرة في نزاع يعيد تشكيل موازين القوة في القرن الأفريقي.

وقد بذلت مصر، منذ بدء بناء السد عام 2011، جهودا واسعة لدفع إثيوبيا إلى القبول باتفاق ملزم ينظم عملية البناء والتشغيل. ومن المؤكد أن ترحب القاهرة بأي ضغط أميركي يمكن أن يفتح الطريق أمام اتفاق من هذا النوع.

تقدم إثيوبيا سد النهضة باعتباره حلا لنقص الكهرباء والفقر الواسع في البلاد. غير أن ضخامة المشروع، وحجم خزانه الهائل، يكشفان رغبة أديس أبابا في تحويل السد إلى أداة لتحقيق أهداف جيوسياسية أوسع

وبدأت إثيوبيا تشغيل السد فعليا، الأمر الذي وضع مصر أمام تحديات شديدة، بسبب غياب التنسيق في عمليات إطلاق المياه، ولا سيما قبيل موسم الأمطار. وقد أدى إخفاق أديس أبابا في تنسيق هذه العمليات مع القاهرة خلال العام الماضي إلى مشكلات عدة في مصر والسودان.

وفي المقابل تحتاج مصر، إلى تنسيق واضح مع إثيوبيا بشأن كميات المياه التي ينبغي إطلاقها من السد خلال فترات الجفاف، لحماية المصريين من العطش، والحفاظ على المحاصيل الزراعية من التلف. ومن هنا يبرز مجددا السؤال الأوسع: هل يكفي التوصل إلى تسوية بشأن السد لتهدئة التوتر بين البلدين؟

التخلي عن النيل

تعتمد مصر، وهي من أكثر الدول معاناة من شح المياه، على نهر النيل لتلبية نحو 97 في المئة من احتياجاتها المائية. ومن ثم فإن أي تراجع في التدفق الطبيعي للنهر، نتيجة بناد سدّ الواقع في شمال أفريقيا، لا يمكن أن يكون قضية عابرة، بل مصدر قلق يمثل تهديدا وجوديا.

وخلال العقد الماضي، أنفقت مصر مبالغ ضخمة للتكيف مع تداعيات بناء السد وتشغيله. وقد اتخذت في هذا السياق خطوات عدة، شملت تحديث أنظمة الري، وتوسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر، وزيادة الاعتماد على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة ثلاثيا كل عام.

أ.ف.ب
سد النهضة الإثيوبي الكبير في مدينة قوبا، إثيوبيا، في 19 فبراير 2022

غير أن تبدل موازين القوة في القرن الأفريقي، وتصاعد التنافس في البحر الأحمر، يدفعان الصراع بين مصر وإثيوبيا إلى طور جديد. يصبح فيها السد أحد أوجه أزمة أعمق، وواجهة لصراعات أشد تعقيدا وخطورة بين البلدين.

فهذه الصراعات تعيد رسم ديناميكيات القوة في القرن الأفريقي، وتمهد لولادة تحالفات تتجاوز حدود المنطقة. كما ترتبط، على نحو وثيق، بأمن البحر الأحمر، والسيطرة على خليج عدن، ومستقبل قناة السويس.

طموحات إثيوبيا في البحر الأحمر

تقدم إثيوبيا سد النهضة باعتباره حلا لنقص الكهرباء والفقر الواسع في البلاد. غير أن ضخامة المشروع، وحجم خزانه الهائل، يكشفان رغبة أديس أبابا في تحويل السد إلى أداة لتحقيق أهداف جيوسياسية أوسع.

فالسد يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على فرض نفوذها في حوض النيل، ولا سيما في مواجهة مصر والسودان، كما يتيح لها التحكم بالنيل الأزرق، الذي يمد نهر النيل بنحو 60 في المئة من مياهه في المتوسط.

حققت مصر مكاسب مهمة في القرن الأفريقي، بعدما نجحت في بناء تحالفات قوية مع إريتريا والصومال، وهما من أشد خصوم إثيوبيا في هذه المرحلة

ومع بدء تشغيل سد النهضة، تتجه إثيوبيا إلى هدفها الاستراتيجي التالي: الوصول المباشر إلى البحر الأحمر. وإذا نجحت في هذا المسعى، فستحظى بنفوذ على شرياني الحياة الحيويين لمصر: نهر النيل وقناة السويس.

ويغذي فوز "حزب الازدهار"، بزعامة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في الانتخابات العامة الأخيرة، مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر. فقد حقق الحزب أغلبية ساحقة في انتخابات أوائل يونيو/حزيران، وسط أجواء طغت عليها الصراعات، والاتهامات بالقمع، والمشاركة المحدودة لأحزاب المعارضة.

مخاوف مشروعة

تبعد مصر عن القرن الأفريقي أكثر من 2400 كيلومتر. وقد تبدو أسباب غضبها وقلقها، إزاء سعي إثيوبيا إلى تعزيز سيطرتها على النيل والوصول إلى البحر الأحمر، غير واضحة لمن لا يعرف عمق الصراع بين البلدين وطبيعته.

رويترز
رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد يدلي بصوته خلال الانتخابات البرلمانية في مركز اقتراع في جيما، منطقة أوروميا، إثيوبيا، في 1 يونيو 2026

فعندما تجعل إثيوبيا حصول مصر على حصتها السنوية من مياه النيل أكثر صعوبة، فإنها تضغط على استقرار دولة مكتظة بالسكان، وتمس أحد أكثر مواردها الضرورية. ولهذا السبب وصف الدبلوماسيون المصريون، على الدوام، معركة بلادهم لتأمين هذه الحصة السنوية بأنها قضية "وجودية."

وبعيدا عن المنافسات التاريخية بين مصر وإثيوبيا، تركت تجربة سد النهضة لدى المصريين شكوكا عميقة في نوايا أديس أبابا، ولا سيما وهي تسعى إلى تأمين موطئ قدم على البحر الأحمر، حيث تقع قناة السويس، إحدى الركائز الحيوية للاقتصاد المصري.

ومن الخارج، قد تبدو معارضة مصر للوجود الإثيوبي في البحر الأحمر قضية ثنائية بين القاهرة وأديس أبابا. أما في العمق، فهي جزء من سباق دولي على السيطرة على ممر بحري بالغ الحيوية، وستكون نتائجه حاسمة في تحديد قدرة مصر على حماية مصالحها الاستراتيجية أو تعثرها في ذلك.

ولا يعني انتقال تركيز البلدين إلى البحر الأحمر أنهما تخلتا عن القرن الأفريقي ساحة للصراع. فالبحر الأحمر جبهة جديدة في حرب ممتدة ومترابطة، حيث يمكن لأي انتصار في جبهة أن يفتح الطريق إلى انتصار في أخرى، أو أن يدفع اللاعبين الرئيسين إلى نقل صراعهم إلى ميادين جديدة.

هجوم مصر المضاد

حققت مصر مكاسب مهمة في القرن الأفريقي، بعدما نجحت في بناء تحالفات قوية مع إريتريا والصومال، وهما من أشد خصوم إثيوبيا في هذه المرحلة. وإلى جانب منح مصر موطئ قدم عسكريا في القرن الأفريقي، تتيح هذه التحالفات للقاهرة ترسيخ حضورها في موانئ تلك الدول على البحر الأحمر.

ربما كان عرض الرئيس الأميركي قادرا على تحقيق اختراق قبل أن يتبين أن سد النهضة لم يكن سوى الحركة الافتتاحية في لعبة جيوسياسية أوسع، تجتذب إليها لاعبين متعددي المصالح والأهداف

وتسعى القاهرة إلى تحقيق ذلك عبر سلسلة من اتفاقيات تطوير الموانئ والتعاون اللوجستي مع هذه الدول. وهذا الحضور يضيّق الطريق أمام إثيوبيا إلى البحر الأحمر، ولا يترك لها سوى خيارات محدودة، من بينها منطقة أرض الصومال الانفصالية.

وفي المقابل، تدخل إسرائيل إلى قلب هذا الصراع عبر الاعتراف بأرض الصومال ونشر قوات من أصول إثيوبية في المنطقة الانفصالية. وهذا التطور يعقد الحسابات المصرية، ويغري إثيوبيا باتخاذ خطوات مشابهة، كما يكشف حجم التدافع متعدد الأطراف على البحر الأحمر.

أ.ف.ب
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وهو يُلقي كلمة في مؤتمر صحفي مع نظيره الإريتري عثمان صالح محمد ونظيره الصومالي أحمد معلم الفقي، في القاهرة بتاريخ 11 يناير 2025

ويظهر ذلك أن المنافسة المصرية-الإثيوبية على النفوذ في القرن الأفريقي والحضور في البحر الأحمر تتحول اليوم إلى مواجهة متعددة الأطراف، عالية المخاطر، تدور حول السيادة والنفوذ والسيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الوقت نفسه، يزيد الحضور الإيراني المتنامي في السودان المشهد تعقيدا، ولا سيما مع انخراط طهران في الحرب الأهلية الدائرة في الدولة الواقعة على الحدود الجنوبية لمصر. وبهذا يصبح الصراع على البحر الأحمر أكثر تشابكا، وأكثر قابلية للامتداد إلى ساحات جديدة.

كل ذلك يوضح حدود السؤال عما إذا كان عرض الرئيس ترمب لحل نزاع سد النهضة قادرا على جلب السلام إلى المنطقة، أو إنهاء الخلافات بين مصر وإثيوبيا.

ربما كان عرض الرئيس الأميركي قادرا على تحقيق اختراق قبل أن يتبين أن سد النهضة لم يكن سوى الحركة الافتتاحية في لعبة جيوسياسية أوسع، تجتذب إليها لاعبين متعددي المصالح والأهداف.

وما لم تتحرك الولايات المتحدة لمعالجة هذه اللعبة الجيوسياسية الكبرى، فإن أي اتفاق بشأن السد لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة في صراع يتشكل فيه، وبسرعة، مستقبل القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

font change

مقالات ذات صلة