"صفقة بولس" بين البرغماتية الأميركية والحكم العائلي في ليبياhttps://www.majalla.com/node/331845/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%B5%D9%81%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%B3-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%BA%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7
طالما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه على أنه سيد الصفقات. بل إنه وضع اسمه على كتاب كامل يقوم على هذه الفكرة نفسها "فن الصفقة".
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أخذت غريزة عقد الصفقات هذه تعمل بطاقة لافتة في أنحاء مختلفة من العالم: من الكونغو إلى إيران، ومن لبنان إلى فنزويلا، ومن غزة إلى كشمير، والآن، على ما يبدو، إلى ليبيا. ففي 29 يونيو/حزيران، التقى وزير الخارجية في إدارة ترمب، ماركو روبيو، مع صدام حفتر، نائب قائد "القوات المسلحة العربية الليبية" والوريث المرجح لخليفة حفتر، وهي ميليشيا متمردة تسيطر على الشرق والجنوب الليبيين، الغنيين بالنفط والموقع الاستراتيجي. ويمثل هذا اللقاء الرسمي بين أرفع دبلوماسي في العالم وزعيم الميليشيا الأدنى سمعة في ليبيا تتويجاً لمسارٍ ظَل مستشار ترمب الرفيع، مسعد بولس، يعمل عليه منذ أكثر من عام.
وتنذر الصفقة الآخذة في التشكل بإعادة إنتاج أبرز سمات صفقات ترمب السابقة: كما في الكونغو، تتحول الموارد الطبيعية إلى عملة لوقف إطلاق النار. وكما في غزة، يُقرَّر مصير شعب على أيدي قوى أجنبية ذات مصالح. وكما في لبنان، يُقسَّم البلد بين حكومة معترف بها دولياً وأقوى ميليشيا فيه. وكما في إيران، تُؤجَّل المشكلات الكبرى وتُطلَق للمستقبل وتحتاج إلى قدر كبير من تعليق الشك كي تعبر خط النهاية. ومع ذلك، لا تزال الصفقة بعيدة عن الاكتمال، ولا يزال نجاحها أكثر غموضاً.
صفقة بولس تقوم على تقاسم السلطة بين عائلتين استحوذتا على النفوذ منذ وقف إطلاق النار: الدبيبة وحفتر
"صفقة بولس"
تبدو عناصر ما يسمى محليا "صفقة بولس" واضحة نسبياً. فالاقتراح يسعى إلى بناء سلام دائم في ليبيا عبر ترتيب لتقاسم السلطة بين عائلتين استحوذتا على النفوذ في أعقاب وقف إطلاق النار عام 2020: عائلة الدبيبة، التي يقال إنها شقت طريقها بالرشاوى عبر مسار أممي لتأمين السيطرة التنفيذية على الحكومة الانتقالية في طرابلس، وعائلة حفتر، التي حمتها وأعادت تشكيلها أطراف دولية بعد خسارتها الحرب الأهلية، بما أتاح لها بناء كيان خاص بها له حكومة موالية. رسمياً، ستتخذ الصفقة شكل حكومة وحدة جديدة تضم العائلتين أو من يمثلونهما. أما في الواقع غير المعلن، فستستخدم الأرباح المحتملة من تطوير حقول الغاز البحرية الليبية الواسعة حافزاً للحفاظ على السلام.
ولم تولد "صفقة بولس" في واشنطن، بل هي أحدث مرحلة في مسار بدأ مع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، قبل أن تتبناه إدارة أميركية تسعى إلى إنهاء "الحروب الأبدية" عبر الإغراءات التجارية.
صورة نُشرت على صفحة فيسبوك تابعة للمكتب الإعلامي لقائد الجيش الليبي في شرق ليبيا، خليفة حفتر، لابنه صدام حفتر وهو يحضر عرضا عسكريا في بنغازي
جرى بناء البيئة الاقتصادية التي تجعل الصفقة ممكنة تدريجياً منذ "صفقة نفط أبوظبي" عام 2022 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، قريب رئيس الوزراء ومستشاره الخاص. وافق حفتر على رفع الحصار النفطي مقابل إقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط وحصول كيانه على حصة مضمونة من العائدات. أدى ذلك إلى فتح المؤسسة الوطنية للنفط أمام العائلتين، وتمكينهما من السيطرة على شركات تابعة لها وإعادة توجيه عائدات النفط الليبي. وكان التعبير النهائي عن هذا الترتيب إنشاء شركة "أركينو"، التي كسرت احتكار المؤسسة الوطنية للنفط لبيع النفط الليبي وسيطرت على نحو نصف الصادرات النفطية، ثم قسّمت العائدات بين العائلتين عبر رعاتهما الدوليين.
تولت تركيا، خلال السنوات الماضية، تهيئة البيئة السياسية لمكونات الصفقة بعناية، عبر نوع من "الدبلوماسية الاقتصادية"، انخرطت خلاله أنقرة مع العائلتين ومناطقهما في مشاريع في الطاقة والبناء ومجالات تجارية أخرى، و"دبلوماسية عسكرية" مارستها تركيا عبر قواعدها في غرب ليبيا وبرامج تدريب وتسليح لبعض أبرز القوات المتحالفة مع الحكومة. في الآونة الأخيرة، ظهر حفتر ضيفاً في معارض السلاح التركية، وامتدت السياسة التركية عبر برامج مشابهة إلى "القوات المسلحة العربية الليبية"، بما فيها بيع طائرات مسيّرة. وتستخدم أنقرة الآن نفوذها لتكريس وضع قائم أثبت أنه بالغ الربحية لها، وتسعى في الوقت ذاته إلى إنجاز اتفاق للحدود البحرية يشكل ركنا محوريا في استراتيجيتها المتوسطية.
وأدخلت تركيا، خلال الأعوام القليلة الماضية، تدريجياً كلاً من إيطاليا والولايات المتحدة في هذا المسار، مستفيدة من مصالحهما في ملفي الهجرة والطاقة لضمان دعمهما لترتيب تقاسم السلطة.
كشفت اجتماعات واشنطن أن بولس تعرّض للتضليل طوال العام والنصف الماضيين، وهو يلاحق مسارات جانبية لا تمسّ ترتيباً حقيقياً لتقاسم السلطة
بدأ المسار العام الماضي، عندما انتقل بولس من دبلوماسية مكوكية بين طرابلس وعاصمة حفتر في بنغازي إلى اجتماع في روما، تلاه اجتماع آخر في باريس مطلع عام 2026، حيث طرحت، بحسب ما يقال، فكرة تعيين صدام رئيسا لليبيا للمرة الأولى. وقّعت شركات طاقة أميركية، بينها "هيل إنترناشيونال" و"كونوكو فيليبس" و"إكسون موبيل"، مذكرات تفاهم أو عقوداً تشير إلى استعدادها لمنح أي اتفاق سياسي امتدادا اقتصاديا، وقطف عوائد الاستقرار التي تتوقع أن ينتجها.
أتاح الرصيد السياسي الأميركي تحقيق خطوات رسمية عجز آخرون عن إنجازها، من بينها أول اتفاق رسمي على الموازنة في ليبيا منذ سنوات، خصص رسميا أموال "التنمية" للحكومتين، ومناورة عسكرية مشتركة شاركت فيها قوات من الفصيلين المتنافسين.
رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة يتحدث بعد تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في مقر مفوضية الانتخابات بطرابلس، ليبيا، 21 نوفمبر 2021
وعلى الرغم من كل هذا الاستثمار السياسي واستعراض القوة الناعمة في واشنطن، لا تبدو الصفقة أقرب كثيراً إلى الاتفاق مما كانت عليه بعد اجتماع روما العام الماضي. ففي تلك المرحلة، قيل إن صفقة كانت جاهزة ، تقوم على حكومة لتقاسم السلطة وآلية لتقاسم عائدات الغاز، قبل أن ينسحب صدام في اللحظة الأخيرة مقتنعاً بأنه يستحق حصة أكبر. أما هذه المرة فجاءت العقبة من طرابلس: لم يسافر إبراهيم الدبيبة إلى واشنطن، وأبلغ القائد العسكري الذي حضر بدلاً من بولس أن دعوة صدام إلى طرابلس غير ممكنة. وبدلاً من أن تُدشِّن اجتماعات واشنطن تتويجَ صفقة جديدة، كشفت أن بولس تعرّض للتضليل طوال العام والنصف الماضيين، وهو يلاحق مسارات جانبية مثل التعاون العسكري واتفاقات الموازنة، وهي مسارات لا تمسّ الأسئلة الجوهرية لأي ترتيب حقيقي لتقاسم السلطة.
تبدو الصفقة الليبية في صيغتها الحالية غير قابلة للحياة، فالطرفان الليبيان يسعيان إلى الغلبة لا إلى التعايش، فيما يواصل البلد تآكله
تفكيك صفقة معطوبة
تبدو الصفقة الليبية، في صيغتها الحالية، غير قابلة للحياة من أساسها. فعلى الرغم من العمل التحضيري الدقيق الذي اضطلعت به دول عدة، يسعى الطرفان الليبيان إلى الغلبة لا إلى التعايش. كما أن البيئة السياسية الأوسع في ليبيا لا تبدو مهيأة لترتيب يحصر السلطة والمكاسب الاقتصادية في أيدي دائرة ضيقة، فيما يواصل البلد تآكله. وحتى إذا استطاع بولس أن يستحضر ثقل القوة الأميركية ويدفع هذه الصفقة القسرية إلى الأمام، فالأرجح أنه سيزيد تصدع البلاد، لا أن ينتج سلاما راسخا ومربحا.
تتمثل إحدى العقبات الكبرى في طموح عائلة حفتر، التي كان هدفها الدائم حكم ليبيا كلها. فمنذ أطلق المشير خليفة حفتر حملته العسكرية الأولى عام 2014، توالت مبادرات عدة سعت إلى إدخاله في ترتيبات وطنية لتقاسم السلطة. كانت أولى هذه المبادرات مؤتمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، الذي أراد تأمين السلام مع رئيس الوزراء آنذاك فايز السراج، ووضع ليبيا على طريق الانتخابات. غير أن النتيجة جاءت حصارا نفطيا وحملة عسكرية للسيطرة على جنوب ليبيا.
ميناء البريقة النفطي في مصرا البريقة، على بُعد حوالي 270 كيلومترًا غرب مدينة بنغازي شرقي ليبيا، في 24 سبتمبر 2020
ثم جاء مسار المؤتمر الوطني الذي رعته الأمم المتحدة عام 2019، وكان الهدف منه، مرة أخرى، البدء بتقاسم السلطة وصولا إلى الانتخابات. غير أن ذلك الجهد انهار عندما حاصر حفتر طرابلس، في الوقت الذي كان فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في العاصمة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق. وأخيرا، جاءت مشاركة حفتر غير المباشرة في المسار الأممي بعد الحرب، وكان المقصود منها، من جديد، إنتاج حكومة وحدة وانتخابات. وانتهى الأمر بمقاطعة حفتر حكومة الدبيبة وفرض حصار نفطي جديد.
وتشير التجربة القريبة إلى أن كل تنازل يقدم إلى حفتر يتحول إلى منصة لمحاولته التالية لانتزاع مزيد من السيطرة. وإذا عيّن صدام، نجل المشير ووريثه المرجح، رئيسا لليبيا، وبالتالي قائدا أعلى للبلاد، فمن المرجح أن يستخدم المنصب نقطة انطلاق لتحرك عسكري ضد عائلة الدبيبة، لا إطارا للحكم إلى جانبها.
يساعد هذا التاريخ، وما ينذر به من مستقبل، على تفسير الجمود الأخير في واشنطن. وتقول أوساط مطلعة إن إبراهيم الدبيبة كان متحمسا للحضور، إذ رأى في الاجتماع فرصة لضمان دعم أميركي، وكان مقتنعا بأنه قادر على إدارة العلاقة مع آل حفتر. غير أن رئيس الوزراء، بحسب ما تردد، أبدى تحفظا، خشية أن تؤدي صفقة كهذه إلى تفتيت قاعدة دعمه بدل ترسيخ سلطته.
والمنطق نفسه يفسر لماذا لم يكن من الممكن دعوة صدام إلى طرابلس بأمان. فكثير من الليبيين يبغضونه. ولم تحدث أي مساءلة عن حروب عائلته المتكررة، فيما ترى جماعات مسلحة كثيرة وشخصيات نافذة في تقدمه تهديدا وجوديا. ولهذا السبب، ترافقت التحضيرات للصفقة مع احتجاجات علنية ومعارضة سياسية في مختلف المعسكرات الليبية المتنافسة.
وينعكس هذا التفكك السياسي والعسكري نفسه في شرق ليبيا. فمع أن آل حفتر يقدمون حكمهم على أنه حكم متماسك، وإن كان سلطويا، فإن الشقوق لا تزال قائمة بين أبناء حفتر، فيما تبقى "القوات المسلحة العربية الليبية" منشغلة بتمردات تشنها جماعات مسلحة تزعم السيطرة عليها، أو بفرض قبضة مشددة على أراض تدعي أنها تابعة لها.
وكما جرى التحذير في واشنطن، فإن الإعلان الرسمي عن صفقة كهذه قد يكون شرارة انفجار كبير، وليس مدخلا إلى الاستقرار. وقد يتحول إلى لحظة صدق نادرة، حين يتأكد لشعب أنهكته الانتهاكات وأفقره التدهور المتواصل، ولشبكة مسلحة ممزقة، متوجسة، ومنكفئة على مصالحها المحلية، أنه لا عملية سياسية حقيقية تجري، ولا أفق فعليا للتغيير، وأن حكما عائليا كليبتوقراطيا يعاد فرضه عليه، بعد خمسة عشر عاما من حرب خاضها لإسقاط حكم القذافي.
مكاسب لم تُحصَد بعد
قد تكون "صفقة بولس" معطوبة من أساسها، لكن ذلك لا يعني أن اتفاقا بشأن ليبيا مدعوما من الولايات المتحدة لا يستطيع أن يصبح أول نجاح في السياسة الخارجية لولاية ترمب الثانية. وربما لا يحتاج بولس إلا إلى الإصغاء لنصيحة "فن الصفقة": أن "يعظم المكاسب الممكنة" وأن يبقى متجاوبا مع الديناميكيات المتغيرة. فإذا أعاد النظر في بنية الحوافز المرتبطة بالطاقة، وعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط سلطةً مستقلة، وإذا حصّن عائداتها وخصصها للموازنات الوطنية بدل الأرباح الخاصة، فقد يستطيع إعادة توصيل الأسلاك الداخلية للسياسة الليبية كلها.
وهذه نقطة حاسمة، لأن الولايات المتحدة، في ضوء رقابة وزارة الخزانة الأميركية على مصرف ليبيا المركزي، هي الدولة الوحيدة القادرة على ذلك. وإذا اختار بولس بعد ذلك دعم المشروع الانتخابي للأمم المتحدة بدلاً من تقويضه، فقد يساعد في إنشاء حكومة وطنية شرعية تستطيع الأطراف الدولية التعامل من خلالها، بدل إسناد وضع سياسي قائم ومتفكك تحاول قوى عدة اليوم إبقاءه متماسكا بالقوة.
إن الفن في عقد أي صفقة يكمن في قدرتها على توقع الكوارث غير المتوقعة وتجنبها. ولا يزال في وسع بولس أن يغيّر المسار نحو صيغة جديدة، تجسد البرغماتية التجارية الأميركية وتفتح، في الوقت نفسه، أفقا ذا منفعة متبادلة. أما البديل، فهو الإشراف على حدث يرجح أن يشعل حربا جديدة ومعقدة، لا تملك المنطقة ولا الولايات المتحدة ترف تحملها.