علماء يبنون خلية من الصفر داخل المختبر

ماذا نسمي كائنا حيا بلا سلف تطوري؟ على ما يبدو "خلية البطاطس"

(مختبر أدامالا)
(مختبر أدامالا)
صورة فائقة الدقة لحويصلات "سبود سيل" الاصطناعية التي تحتوي على مادة وراثية وتظهر نشاطا في إنتاج البروتينات

علماء يبنون خلية من الصفر داخل المختبر

يطلق عليها صانعوها اسم "خلايا البطاطس"، قد لا يبدو الاسم لافتا، لكنه يحمل في طياته شيئا من الإطراء. فالبطاطس صلبة، متماسكة، وذات وظيفة واضحة. أما الخلايا التي ابتكرت في مختبر كيت أدامالا بجامعة مينيسوتا، فهي، كما تصفها، "هشة" و"عاجزة" لا تمتلك هذه الخلايا أي قدرة على الأيض، بل تعيش معتمدة على بيئة صممت خصيصا لتزويدها بكل ما تحتاج إليه تقريبا، ولا تقوم بشيء يذكر سوى تنفيذ برامج النمو والتكاثر المشفرة في حلقاتها السبع من الحمض النووي المصمم.

لكن هذا وحده يكفي لجعلها إنجازا ثوريا، فبخلاف كافة الكائنات الحية التي تطورت وتكاثرت عبر التاريخ تحت توجيه جيني موروث، تأتي "خلايا البطاطس" بلا أي أصول أو أسلاف جينية على الإطلاق، لقد بُنيت هياكلها وجينوماتها بالكامل داخل المختبر ومن نقطة الصفر، مع تصميم كل جزيء فيها بدقة متناهية، ويرى جون غلاس، وهو أحد العلماء البارزين في هذا التخصص بمعهد جاي كريغ فنتر في سان دييغو، أن هذه الخصوصية تجعل من "خلايا البطاطس" "محطة فارقة في تاريخ علم الأحياء والخلايا الاصطناعية"، ومع ذلك، يضيف غلاس منبها: "إن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز يمكن أن تغيب عن إدراك معظم الناس".

وقد لا تحظى هذه الخلايا بالتقدير الذي تستحقه، لأن إنتاج خلايا حية ليس، في حد ذاته، أمرا معقدا، فالخلايا الأخرى تفعل ذلك طوال الوقت، إذ يكفي أن نضع بكتيريا واحدة صباحا، حتى نجدها بحلول المساء وقد تكاثرت إلى مليون بكتيريا، لذلك، لا يزال الإنسان عاجزا حتى الآن عن صنع خلية واحدة من نقطة الصفر، كما لا تزال الآليات التي تبني بها الخلايا نفسها محاطة بقدر كبير من الغموض.

(مختبر أدامالا)
خلية "سبود سيل" الاصطناعية، المُركبة من مكونات كيميائية غير حية، أثناء انقسامها

خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، استند الدكتور غلاس وفريقه إلى دراسات حددت الجينات التي يمكن للبكتيريا أن تعيش من دونها، في محاولة للوصول إلى الجينوم الأدنى: مجموعة من 473 جينا تبين أنها ضرورية على نحو مطلق، بعد ذلك، زرع الباحثون كروموسوما يحتوي على هذه الجينات كاملة داخل بكتيريا أخرى، وورثت بعض سلالات تلك الخلية الكروموسوم الجديد وحده، بينما جرى التخلص من النسل الذي ظل يحمل الحمض النووي القديم وكلما عجزت الخلايا الناتجة عن أداء وظائفها، عدل العلماء التجربة وأعادوا المحاولة.

"خلايا البطاطس" بلا أصول أو أسلاف جينية، بنيت هياكلها وجينوماتها من نقطة الصفر

وفي نهاية المطاف، أسفرت هذه العملية عن خلايا مبسطة للغاية، تحمل جينوما صغيرا واصطناعيا بالكامل، ومع ذلك ظلت قادرة على التكاثر ذاتيا، غير أن هذا النجاح لم يمكن الباحثين من تحديد الكيفية الدقيقة التي حدث بها ذلك، فقد كان واضحا أن جزءا كبيرا من الجينات الـ473 يشارك في عمليات حيوية معروفة، مثل نسخ الحمض النووي، وتصنيع بروتينات جديدة، واستقلاب الغذاء، وغيرها، لكن وظائف ما يقرب من ثلث هذه الجينات بقيت غامضة، وحتى بعد مرور عشر سنوات، لا يزال نحو 60 أو 70 جينا منها لغزا لم يحل.

نصف حياة

أما الدكتورة أدامالا، فسلكت الطريق المعاكس: بدأت من الأسفل إلى الأعلى، لا من الأعلى إلى الأسفل. فبدلا من البحث عن الجينات التي تستطيع خلية حية قائمة بالفعل أن تستغني عنها، شرعت في إضافة جينات معروفة الوظائف إلى فقاعات غير حية مكونة من أغشية دهنية، تعرف باسم "الليبوسومات"، وبذلك، فإن كل ما تفعله الخلايا الناتجة إنما يعود إلى جزيئات وضعها فريق الدكتورة أدامالا، وهو ما لا يترك مجالا يذكر للغموض.

أما أكثر ما يثير الإعجاب في هذه الخلايا فهو قدرتها على التكاثر، فبمجرد أن يلتصق عدد كاف من البروتينات الكبيرة، أقصد أيّ بروتينات كبيرة تقريبا، بالسطح الخارجي لليبوسوم، ينطوي الليبوسوم على نفسه وينقسم إلى ليبوسومين أصغر حجما، وتنتج الجينومات داخل "خلايا البطاطس" بروتينا ينغرس في أغشيتها الخارجية، ويجذب البروتينات الكبيرة من الوسط الذي تنمو فيه الخلايا.

وما إن يتجمع عدد كاف من تلك البروتينات، التي تسميها الدكتورة أدامالا "الحراس"، على السطح الخارجي لليبوسوم، حتى ينطوي وينقسم، وإذا حصلت كل "خلية بطاطس" جديدة على نسخ كاملة من الكروموسومات السبعة الصغيرة، انطلقت العملية نفسها من جديد.

 وفي مسودة بحثية نشرت في 1 يوليو/تموز، تشرح الدكتورة أدامالا كيف نجحت في جعل "خلايا البطاطس" تتكاثر بهذه الطريقة على مدى خمسة أجيال متتالية.

(مختبر أدامالا)
خلية اصطناعية مركبة بالكامل من مكونات كيميائية غير حية، مع غشائها الملون باللون الأحمر بصبغة دهنية

ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الخلايا حية، أو أنها حية تماما على الأقل، فهي لا تستطيع إنتاج سوى بعض الجزيئات اللازمة لنقل المعلومات من جيناتها وتحويلها إلى بروتينات، كما أنها لا تنمو إلا عبر التغذي على جرعات من ليبوسومات "مغذية"، غنية بالعناصر الغذائية وخالية تماما من الحمض النووي، وقادرة على الاندماج معها، ومع ذلك، تمتلك مجموعات "خلايا البطاطس" القدرة على التطور، فإذا بدأنا بمجموعة تضم خلايا تحتوي على "محفزات" جينية تعزز إنتاج البروتين الضروري للاندماج مع الليبوسومات المحملة بطرود الغذاء، فإن هذا المتغير يصبح الشكل السائد بعد بضعة أجيال.

تتجمع البروتينات "الحراس" على سطح الليبوسوم، فينطوي وينقسم، هكذا تتكاثر "خلايا البطاطس"

وتكمن معضلة "خلايا البطاطس" في أنها، لأنها بلا أسلاف، صعبة التصنيع، وتقول الدكتورة أدامالا إن مسودتها البحثية تمثل ثمرة نحو خمس سنوات من العمل البحثي، وقد تعلمت مختبرات أخرى بعض هذه التقنيات، لكن ذلك جرى في الغالب عبر تبادل الباحثين مع مختبر الدكتورة أدامالا، ولهذا السبب، تطلق هي وبعض زملائها أيضا منظمة بحثية غير ربحية باسم "بايوتك".

ويتسم معظم علم الأحياء المختبري بطابع يدوي، أقرب إلى الحرف التقليدية، ولا يمكن توحيد أي تقنية وأتمتتها إلا إذا وُجد طلب واسع عليها، ومن هنا، تضع منظمة "بايوتك"، وهي اختصار لعبارة "علم الأحياء تقنية مفتوحة تلهم الحضارة"، ضمن أهدافها توحيد الأدوات وأتمتتها في مرحلة مبكرة، أملا في أن يسهم ذلك في خلق الطلب وتسريع التقدم، أما الغاية النهائية، فهي أن تصبح أنظمة مثل نظام الدكتورة أدامالا سهلة الاستنساخ والتعديل والتطوير، عبر إضافة وحدات معيارية موحدة على نحو مماثل.

ويوضح درو إندي، عالم الأحياء في جامعة ستانفورد وأحد مؤسسي "بايوتك"، أن الفكرة تقوم على توظيف أموال خيرية لتحويل تقنيات شبيهة بتقنية الدكتورة أدامالا إلى قاعدة هندسية لعلم أحياء اصطناعي يتجاوز قدرات هذا المجال الحالية بأشواط، فكثيرا ما يتحدث الناس عن العلوم البحتة، لكنهم نادرا ما يلتفتون إلى الهندسة البحتة، ولو فعلوا ذلك، لكانت الفلسفة التي تتبناها "بايوتك"، أي "بناء الأشياء من أجل تعلم كيفية بناء هذه الأشياء"، مثالا دقيقا على هذا المفهوم.

 

التخطيط لثورة

ومن المسلم به أن الخلايا الاصطناعية لا تقدم حلا فوريا لأي مشكلة قائمة، غير أن القدرة على تصميم ابتكارات تتجمع ذاتيا وتتكاثر من تلقاء نفسها قد تضع الأساس لتقنية جديدة عامة الاستخدام، قادرة على إحداث تحول واسع، ويرى مؤسسو "بايوتك" أن هذا الاحتمال يستحق أن يستكشف بسرعة، على يد مجتمع بحثي يدرك وعود هذا المجال ومخاطره، ويتحرك حول هدف مشترك، ويلتزم بالشفافية، وإذا بدت هذه الرؤية قريبة من الرؤية التأسيسية الأولى لـ"أوبن إيه آي"، مختبر الذكاء الاصطناعي الكبير الذي بدأ مسيرته منظمة غير ربحية تحمل مبادئ سامية، فذلك لأنها كذلك بالفعل، كما يقول الدكتور إندي. فعدم ارتقاء "أوبن إيه آي" إلى غايتها التأسيسية لا يعني أن تلك الغاية كانت سيئة في الأصل.

جزء من الجينات الـ473 شارك في نسخ الحمض النووي سابقا، وتصنيع بروتينات جديدة، لكن ثلثها يبقى لغزا

ولا يقتصر الدفع نحو تسريع تطوير الخلايا الاصطناعية على مؤسسي "بايوتك" وحدهم، فالباحث الصيني تشنلي ليو يدير معهدا كبيرا لعلم الأحياء الاصطناعي في شنتشن، يرفع شعار "ابنِ لتتعلم، وابنِ لتستخدم"، وفي مايو/أيار، اجتمع الدكتور ليو مع باحثين من أكثر من عشرة معاهد في أنحاء الصين، إلى جانب زملاء من اليابان وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند، تحت مظلة "مبادرة الخلايا الاصطناعية في آسيا"، لنشر إطار عمل لبناء خلية اصطناعية، ويطرح هذا الإطار خططا طموحة لتطوير وحدات أساسية متعددة يمكن دمجها في خلية "ذاتية" حية حقا، داخل "مصنع حيوي يقوده الذكاء الاصطناعي"، ومع ذلك، تبدو فرص أن يكون هذا المشروع منفتحا على غرار "بايوتك" ضئيلة.

(مختبر أدامالا)
خلية "سبود سيل" الاصطناعية تحتوي على مادة وراثية وآلية أيضية لقراءة الجينوم، فيما يظهر غشاؤها باللون الأحمر

وبشكل ما، بدأ اسم "خلايا البطاطس" بوصفه دعابة لا أكثر، فقد اعتاد زملاء الدكتورة أدامالا أن يطلقوا على ابتكاراتهم اسم "خلايا أدامالا"، وهو اسم لم تكن تستسيغه، وتتذكر أنها قالت في أحد الاجتماعات: "سموها كما تشاؤون، سموها بطاطس إن أردتم"، فردّ عليها درو قائلا: "حسنا، إنها بطاطس، إنها خلايا البطاطس"، ومع ذلك، قد يكتسب هذا الاسم الهزلي دلالة شبه جدية، إذ يعقد الدكتور إندي مقارنة بين "خلايا البطاطس (سبادسيلز)" و"سبوتنيك"، أول قمر صناعي أطلقه الاتحاد السوفياتي، فقد كان "سبوتنيك" نفسه صغيرا وعديم الفائدة تقريبا، لكن "لحظة سبوتنيك" أطلقت التنافس بين القوتين العظميين، وهو التنافس الذي دفع عصر الفضاء إلى الانطلاق، وبالمثل، يأمل الدكتور إندي وآخرون في "بايوتك" أن تكون "لحظة خلايا البطاطس" (سبادسيلز) قد حانت.

font change

مقالات ذات صلة