آنا ليبر لويس والتجريد الذي يلهم الجسد نضارته

فنانة تتجنب الأشكال الجاهزة

Saatchi Gallery
Saatchi Gallery
آنا ليبر لويس

آنا ليبر لويس والتجريد الذي يلهم الجسد نضارته

في السنوات الأخيرة استعاد الفن التجريدي مكانته التي فقدها بتأثير مباشر من الشعبية التي اكتسبها فن الـ"بوب" الذي غالبا ما يراهن فنانوه على ما يقدمه من صور تبدو للوهلة الأولى قابلة للاستهلاك البصري المباشر، كونها تنقل وقائع معيشة ينتشي المتلقي حين يراها وقد انتقلت من الحياة المباشرة إلى قاعات العرض والمتاحف. كان هناك دائما نوع من التواطؤ بين الفنان والمتلقي من أجل أن تكون الصورة أكثر قبولا من خلال ما تنطوي عليه من سطحية في التعبير.

وفي الوقت نفسه، أشيع بتأثير عدد من النقاد أن التجريد وصل إلى طريق مسدود وأن لغته الصعبة لم تعد صالحة للاستهلاك في زمن الجمل القصيرة والخاطفة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي. في الحالين، فإن الموقف المعادي للتجريد لم يراع حقيقة أن ما فعله كاندينسكي وموندريان وماليفيتش، مرورا بجاكسون بولوك ووليم دي كوننغ ومارك روثكو، وصولا إلى إيف كلاين وفونتانا وبيار مانزوني وكارل آبل وغيرهارد رشتر، لم يكن مجرد نزهة لونية عبثية، بل كان تعبيرا عن شعور عميق وقوي بأن في إمكان الرسم أن يقدم حلولا جمالية للحياة من غير أن يعزز وجوده بمرجعياتها.

وضعنا التجريد أمام حقيقة استقلال الرسم وهو يستخرج المادة الخام لوجوده من داخله. ذلك ما جعل من العودة إلى التجريد فعلا ممكنا على الرغم من أن الفهم الخاطئ أدى عبر العقود الماضية إلى ظهور سلالات من الفنانين ممن توهموا أن التجريد فن سهل. مجرد تلطيخ أصباغ. في معرض آنا ليبر لويس، "التداخل الطيفي"، الذي تقيمه "قاعة ساتشي" بلندن يمكننا أن نستعيد ثقتنا بالتجريد، كونه يمثل ارتجالا يشتبك فيه الذهني بالبصري في محاولة لخلق صورة جديدة عن عالمنا وعن إنسانيتنا في الوقت نفسه.

خفة الحركة الذهنية والجسدية

ولدت الفنانة البريطانية آنا ليبر لويس عام 1977. تعيش وتعمل في لندن. أقيم أول معرض فردي لها في "غاليري إيليفانت ويست" عام 2019 بتكليف من مجلة "إيليفانت"، ركزت فيه على العلاقة التفاعلية بين الموسيقى والرسم، وهو الموضوع الذي تطور إلى حوار بين الصوت والصورة، تجسد لاحقا في مشروع "ذاكرة العضلات". في غير نشاط فني جماعي كانت ليبر حاضرة: "بورتريه المناظر الطبيعية: الآن والماضي"، "إعادة التوازن: فنانات من مجموعة إنغرام"، و"قيد الإنجاز" في "مركز كامدن للفنون".

أصبح الرسم أسهل عليّ، ليس لأنه وصل إلى مرحلة الاكتمال، بل لأنني أكثر استعدادا للتخلي عن السيطرة

على المستوى الأوروبي شاركت ليبر في "أشكال" بباريس و"فرز الأشكال" و"حقائق مجزأة" بأمستردام (2022) وفي السنة نفسها "هل تسمعها؟" بلندن و"الحياة هي الحياة الساكنة" في "مجموعة فنون المرأة" بكمبريدج. في السنة نفسها شاركت في معرض ثنائي بعنوان "بين السطور" مع دومينيك بيتي" في أوكسفورد. عام 2023 أقامت معرضها الشخصي، "التمويه المبهر". قد لا ينفع ذلك السرد الممل في شيء، غير أنه يقدم فكرة عن البيئة الثقافية التي شكلت حاضنة لاستقبال تجارب الفنانين الذي شقوا الطريق لولادة تجريدية جديدة. تجريدية ليست مستلهمة من الطبيعة، كما هي لدى نيكولا دو ستايل، ولا متماهية مع حركية بولوك أو تأملية روثكو.

Saatchi Gallery
من أعمال آنا ليبر لويس

تصف آنا ليبر لويس تطور علاقتها بالتجريد بقولها "ينبع العمل الفني من دافع المخاطرة والمراجعة المستمرة. أصبح الرسم أسهل عليّ، ليس لأنه وصل إلى مرحلة الاكتمال، بل لأنني أكثر استعدادا للتخلي عن السيطرة. يثير اهتمامي كيف يتفاعل الرسم مع الجسد . كيف يتغير ويقاوم ويحمل الذكريات عبر الزمن. تعتمد هذه العملية على القدرة على التحكم وفقدان السيطرة في آن واحد. إنها نتاج التكرار وخفة الحركة الذهنية والجسدية. البقاء مرنا، دافئا، ومستعدا لكل شيء".

لا تتشابه اللوحات، لكنها تشير إلى رسامتها

في الفن التجريدي تحدد التقنية التي يستعملها الفنان طابعه الأسلوبي في عالم تغيب عنه الأشكال المحددة بوضوح. وفي حالة آنا ليبر لويس فإن الحضور الشبحي للأشكال يمثل جزءا مهما لإنعاش ذاكرتها بما يكون أشبه بنظام توليدي تتحرك السطوح بموجبه بين مستويات مختلفة تبعا لدرجات الإضافة والحذف حين تلجأ الفنانة إلى فعلي التراكم والكشط باعتبارهما عنصرين متكافلين في عملية البحث عن الأشكال أو اخفائها. لذلك فإن المشاهد لا بد أن ينتبه إلى أن الرسامة لم ترفع يدها عن اللوحة إلا بعد عناء خالطه شعور عميق بعدم السيطرة، وقد يكون مريحا للرسامة إذا سمعت رأيا يقول إن لوحتها لم تكتمل بعد. في ذلك القول ما يبعث في يديها حيوية كامنة لممارسة مزيد من اللعب مع أشكالها في عالم طيفي تتلذذ وحدها في تأمله.

لا أحد في إمكانه أن يكتشف الأسرار التي تكتنف عملية الاختيار التي تقوم بها الرسامة من أجل الإعداد لمعرضها، لكنني على يقين من أن آنا ليبر لويس كانت أحجمت عن عرض الكثير من لوحاتها ولم يكن دافعها في ذلك سوى الخوف من الوقوع في التشابه، تشابه اللوحات. وهو أمر طبيعي لا يخيف الكثيرين، غير أنه بالنسبة اليها يشكل فعلا سيئا يضر بمفهومها الذي ينأى بالتجريد عن كونه ممارسة لارتجال خطي ولوني لحظوي.

Saatchi Gallery
لوحة لآنا ليبر لويس

الرسم بغزارة وتنوع لا يعني القبول بكل النتائج. في معرض "التداخل الطيفي"، لا تتشابه اللوحات، غير أن سلوك اليد التي رسمتها يشير إليها. الرسامة التي فكرت وتخيلت وتأملت وتألمت وفرحت وحلمت وأحبطت واستسلمت لليأس واستيقظت على فكرة منتصرة هي نفسها التي تنقلت بين مساحات، ظل الكثير منها مركونا في محترفها. لا تنتمي آنا ليبر لويس إلى فئة رسامي اللوحة الواحدة. كل لوحة منها عالم قائم بذاته.

الجسد باعتباره قوة ضاغطة

من الطبيعي في الأعمال التجريدية أن ترى شيئا، فيما تفوتك رؤية أشياء كثيرة. ذلك لأن الأشكال تتغير وتتحرك تتفاعل في ما بينها على مسرح ليس مستقرا. ما هو واضح أن الرسامة لا تكتفي بالرسم بالفرشاة على سطح صامت. إنها تعيد التفاعل مع ذلك السطح بطريقة تسمح لجسدها بالتحول إلى قوة ضاغطة بحضورها. فهي ترسم أولا ثم تلجأ إلى أن تحدث اضطرابا مقصودا بالأشكال التي رسمتها من خلال الضغط عليها بـ"قميص قديم أو غلاف بلاستيكي أو حافة كرتون" حسب قولها. ستكون النتيجة مختلفة. دخول وسيط طارئ وجديد إلى عملية الرسم هو بمثابة محاولة لاكتشاف المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأشكال في تجلياتها.

لو قررت المضي معي بصريا، عليك ألا تنسى حاجتك إلى الرقص وأنت تنصت إلى الموسيقى

طقس تمارسه الرسامة من أجل التذكير بالعلاقة بين الجسد والعقل، حيث يتم التعبير عن الصدمات النفسية التي تموسق أحوالها من خلال إيقاع يتكرر ليكون مرشدا كأنه جملة موسيقية فاخرة. ولأن آنا ليبر لويس تدرك جيدا أن في إمكان لغتها التجريدية أن تفتك بأصول إلهامها، فإنها لا تستخف بالرقص والموسيقى عنصرين أساسين في تعلم فن الرسم تجريديا كأنها تقول "لو قررت المضي معي بصريا عليك ألا تنسى حاجتك إلى الرقص وأنت تنصت إلى الموسيقى".

Saatchi Gallery
آنا ليبر لويس مع أحد أعمالها

تذكرنا الرسامة بحقيقة أن التجريد يهب متلقيه بعد رسمه حرية الإندفاع اللارادي في اتجاه تحرير الأشكال من حدودها المرسومة بعد أن تنغمس في عملية استدراك ما يرتكبه النظر إلى الطبيعة من أخطاء حين يضعها في قالب صوري جاهز. وهو ما يعلي شأن الخيال الذي لا يخلق طرق رؤية جديدة فحسب بل يضفي أيضا نضارة منعشة على الأشياء التي تفلت بمعونة الرسم من الوقوع في مصيدة شكلها الجاهز.  

font change