بعد ثلاث سنوات من الحرب... جيل لا يعرف سوى الخيمة في غزة

لم تعد الخسارة في غزة قابلة للقياس بالأرقام وحدها

 MOHAMMED ABED / AFP
MOHAMMED ABED / AFP
طفل فلسطيني يقف قرب منزل كان يضم جدارية لبانكسي في شمال قطاع غزة، 2015

بعد ثلاث سنوات من الحرب... جيل لا يعرف سوى الخيمة في غزة

حين يقف الطفل محمد غبون (12 عاما) أمام ركام منزل عائلته في حي الرمال، جنوب وسط مدينة غزة، لا ينتظر معجزة. كل ما يريده أن يعثر رجال الدفاع المدني على جثامين والديه وإخوته وأقاربه، الذين بقوا تحت الأنقاض منذ قصف المنزل في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عشية الإعلان عن وقف إطلاق النار آنذاك بين حركة "حماس" وإسرائيل. وحده محمد خرج حيا من المنزل حينها، بينما ظل نحو أربعين فردا من عائلته تحت الركام، في انتظار توفر الإمكانيات لانتشالهم ودفنهم.

لم يعد محمد يبحث عن ناجين، بل عن نهاية لانتظار طويل بعد فقدهم. وبينما تواصل فرق الدفاع المدني أعمال رفع الأنقاض بإمكانات محدودة، يقف الطفل صامتا، يراقب الركام الذي ابتلع أسرته. يقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن آلاف العائلات لا تزال تعيش المشهد نفسه، مشيراً إلى أن نحو8500 مواطن ما زالوا تحت أنقاض المنازل التي دمرها الجيش الإسرائيلي، وفق تقديرات الجهاز، ومن بينهم عدد كبير من الأطفال.

ليست قصة محمد استثناء، بل واحدة من آلاف القصص التي تعكس التحول العميق الذي أصاب المجتمع في قطاع غزة بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية. فالأرقام التي تصدرها المنظمات الدولية تشرح حجم الكارثة، لكن القصص الفردية تكشف ما هو أبعد من الإحصاءات: كيف تغيّرت الطفولة، وتبدلت الأسرة، وأصبح البقاء في حد ذاته عملا يوميا.

في تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2026، خلصت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل" إلى أن السلطات الإسرائيلية تواصل ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، واعتبرت أن الأطفال تعرضوا لاستهداف ممنهج وأن ما يجري يهدد مستقبل المجتمع الفلسطيني بأسره. ورفضت إسرائيل التقرير ونتائجه. لكن، بعيدا عن الجدل القانوني والسياسي، تفرض الحياة اليومية في غزة سؤالا آخر: ماذا يحدث لمجتمع يعيش عامه الثالث تحت الحرب؟

طفولة خرجت من المدرسة إلى سوق العمل

قبل الحرب، كان محمد عاشور (14 عاما) يذهب إلى المدرسة ثم يقضي عطلته الصيفية مع أصدقائه في الحارة أو مع عائلته على شاطئ البحر المتوسط، لكن بسبب الحرب، فقد مدرسته وتعليمه، ونتيجة لفقد والده مصدر دخله وعمله، أصبح يحمل إبريق قهوة على كتفه ويجول في شوارع مدينة غزة بحثا عن زبائن.

قال لـ"المجلة": "أبيع القهوة لكي أنفق على أسرتي. في الماضي كانت الشمس تحرقني وأنا على شاطئ البحر، واليوم تحرقني وأنا أتجول في الشوارع أبيع القهوة للزبائن".

وفي شارع آخر من شوارع غزة، كان الطفل وسيم عليوة (15 عاما) يبيع قطع الشوكولاتة للمارة، يقول لـ"المجلة": "نفسي أقعد ألعب كورة في الشارع مع صحابي، لكن مين بده يصرف علينا، أهلي كل اعتمادهم في المصروف اليومي على ما أبيعه وما أستطيع توفيره من دخل بسيط جدا لا يتجاوز 15 إلى 20 شيكل في اليوم".

هذه المشاهد لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءا من الاقتصاد اليومي في قطاع فقد فيه معظم أرباب الأسر مصادر دخلهم. فالطفل الذي كان يحمل حقيبته المدرسية أصبح يحمل إبريق القهوة أو صندوق الحلوى، ليس بحثا عن مصروف شخصي أو رفاهية، بل للمساهمة في إعالة أسرته لتلبية الاحتياجات الأساسية باهظة الثمن.

وبحسب تقارير صادرة عن وزارة الصحة بغزة، فقد يتمت الحرب أكثر من 85 ألف طفل وطفلة، بينهم 27 ألفا من الأطفال فقدوا كلا الوالدين، وهو ما خلق واقعا اجتماعيا جديدا، بات فيه آلاف الأطفال يعيشون من دون معيل أو شبكة حماية أسرية نتيجة حرب الإبادة الجماعية.

الأرقام التي تصدرها المنظمات الدولية تشرح حجم الكارثة، لكن القصص الفردية تكشف ما هو أبعد من الإحصاءات

طفل أصبح رب أسرة

في خيمة بمدينة دير البلح وسط القطاع، لا يحتاج إياد جربوع (12 عاما) إلى ساعة منبه صباحا، حيث ينام الطفل، قرب والده الذي يعاني من شلل في نصفه السفلي، حتى يستيقظ عندما يحتاج إليه ليلا. ومع أول ضوء للصباح، يبدأ يومه الطويل في مساعدة والده لقضاء حاجته، ثم والدته التي بُترت ساقاها خلال وقت سابق، وتساعده شقيقته الكبرى رهف (14 عاما) في المهام الخاصة بوالدتها داخل خيمتهم.

يحمل إياد غالونات المياه، لتعبئتها في الصباح الباكر، ثم يقف في طوابير "التكية" للحصول على وجبة طعام مجانية، قبل أن يعود إلى الخيمة ليواصل رعاية والديه هو وشقيقته. يقول لـ"المجلة": "حرمت نفسي من الطفولة ومن أصحابي ومن تعليمي من أجل مساعدة أمي وأبي".

في الحرب، فقدوا منزلهم، ونزحوا في خيمة، لم يعد يتوفر لهم مصدر دخل بعد توقف صرف المساعدات المالية من وزارة التنمية الاجتماعية، وأصبح يقضي يومه في إعالة والديه والبحث عن مياه وطعام مجاني، لا وقت للتعليم أو الدراسة، فالوقت كله مخصص للعائلة واحتياجاتها، وقليلا ما يتمكن من مجالسة أقرانه المحيطين بخيمتهم للتّسامُر أو اللعب.

(أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يصطفون للحصول على الطعام في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، 1 أبريل 2026

قصة إياد، تروي أثر الحرب على عدد من الأسر الفلسطينية، ليس في الفقد فقط، بل في كيفية إعادة توزيع الأدوار داخل الأسر الغزية. أطفال أصبحوا معيلين، ومراهقون تحولوا إلى مقدمي رعاية، بينما تحملت نساء وكبار سن مسؤوليات لم تكن ضمن حياتهم قبل الإبادة، ولم تعد الطفولة تُقاس بالعمر، بل بحجم المسؤولية.

المفقودون... غياب لا ينتهي

في الوضع الطبيعي، يترك الموت قبرا، يمكن لذويه ومحبيه زيارته، وربما ذلك يعني أنهم على يقين أين يرقد في مثواه الأخير، لكن الفقد المجهول يترك سؤالا مفتوحا: هل هو ميت أم على قيد الحياة؟ أين جثمانه؟ هل دفن وتحلل أم أكلته الكلاب والطيور؟

أحمد أبو عواد (15 عاما) خرج في أغسطس/آب 2025 إلى منطقة توزيع المساعدات في محور موراغ جنوب شرقي خانيونس جنوب القطاع، بحثا عن طعام لأسرته، ولم يعد.

حتى اليوم، لا تعرف والدته إن كان حيا، أو أسيرا، أو قتيلا، لا تعرف ما حل بجسده النحيل، كما وصفته. تقول لـ"المجلة": "أحيانا أتمنى أن أعرف أنه استشهد، فقط لأتوقف عن الانتظار، الانتظار قاتل ولا معلومات حول مصيره".

ولا تختلف حكاية وفاء بلور (21 عاما) كثيرا عن سابقتها، فقد خرج شقيقها أشرف (14 عاما) خلال الأشهر الأولى من حرب الإبادة عام 2023 ولم يعد، ثم خرج شقيقها الأكبر عدنان (23 عاما) للبحث عن شقيقهم المختفي، فاختفى هو الآخر، كما تقول.

وتشير إلى أنه في بداية الحرب، ومع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر الإخلاء لمناطق واسعة من المخيمات والمدن في القطاع، وتحت القصف الجوي والمدفعي المكثف، فقدت شقيقها الأول ولم تعلم عنه شيء، ثم بعد أكثر من عام، وبعدما أبلغهم أحد الأصدقاء أنه شاهده في منطقة جنوب القطاع، ذهب شقيقهم الأكبر للبحث عنه ولم يعد كذلك، ولا تعلم إن كان أحدهما أو كلاهما قد تعرضا للأسر من الجيش الإسرائيلي أم قتلا وتاه جثماناهما بين المجهولين أو من تُركت أجسادهم طعاما للكلاب الضالة والطيور.

وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، هناك طفلان ما زالا ضمن قوائم المفقودين ممن لم يعرف مصيرهم، ولا يعتقد أنهم تحت الأنقاض، في حين تواصل عائلاتهم البحث عن أي معلومة تنهي سنوات الانتظار الطويلة، ففي الحروب، لا يقتصر الألم على الموت، بل يمتد إلى الغياب الذي لا يترك يقينا.

في الحروب، لا يقتصر الألم على الموت، بل يمتد إلى الغياب الذي لا يترك يقينا

حين تصبح الخيمة وطنا

في الأشهر الأولى للحرب، اعتقد الغزيون أن النزوح مؤقت، لكن بعد ثلاث سنوات، أصبحت الخيمة بيتا دائما لآلاف العائلات، هناك أطفال ولدوا في مراكز الإيواء، وآخرون في الخيام لم يعرفوا شكل المنزل منذ يومهم الأول على الحياة، بينما أسرهم أعادت ترتيب حياتها بالكامل داخل مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار. داخل الخيام، تستمر الحياة رغم كل شيء، يولد أطفال، وتقام زيجات متواضعة، وتحاول العائلات خلق روتين يومي يمنح أبناءها شعورا، ولو مؤقتا، بالاستقرار.

Eyad Baba / AFP
متطوعون فلسطينيون يوزعون مساعدات على عائلات محتاجة في مخيم البريج للنازحين وسط قطاع غزة خلال شهر رمضان، 23 فبراير 2026

خلال السنوات الثلاث من الإبادة، نشأ جيل كامل سمع عن المنزل والحارة من حكايات أبويه أو أشقائه، ولم يكن الفقد فقط في السكن، بل ما رافقه من فقدان لمعنى غرفة النوم، النوافذ، الأبواب، مساحات صغيرة آمنة تحيط بها الألعاب والأسرّة، وتبدلت في خيمة ورمال وبعض الأغطية والفراش. الطفل يزن أبو عابد، ولد في مارس/آذار 2024، في خيمة بأحد المستشفيات الميدانية، وفي يومه التالي غادر مع والدته "نورة" إلى الخيمة التي تنزح فيها العائلة في منطقة المواصي غرب خانيونس.

وكانت العائلة قد اضطرت إلى النزوح من المنزل في منطقة الزنّة شرق المدينة، بعد أوامر إخلاء تبعها قصف مكثف أدى إلى مسح المنطقة بالكامل وتحويلها إلى كومة من ركام. كبر الطفل وترعرع في الخيمة بكل تفاصيلها، من رمال وأقمشة وما أُطلق عليه "حمام". أما المطبخ فهو عبارة عن وعاء بجوار الخيمة يستخدم للجلي، ويجاوره موقد لإشعال النار للطهي. تقول والدته لـ"المجلة": "يزن لا يعرف سوى الخيمة والجوع، عندما سُمح بدخول الفواكه مؤخرا، استغربها وخاف أن يقترب منها لأنه لم يعتد عليها منذ طفولته، كثير من الأشياء بحسه بستغربها لما نحكي عنها، ومش عارفة بس يكبر كيف بده يتكيف إذا طال حالنا في الخيام".

ونتيجة الإبادة الجماعية والتدمير، بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة في القطاع، نحو 510 آلاف وحدة سكنية، فيما دمر 335 ألف مبنى ووحدة سكنية تدميرا كليا، إضافة إلى 75 ألف مبنى ووحدة سكنية تعرضت لدمار جعلها غير صالحة للسكن، بحسب ما أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في بياناته المنشورة في يونيو/حزيران الماضي. كما تشير البيانات إلى أن أكثر من 350 ألف أسرة فلسطينية أصبحت بحاجة إلى مأوى في الوقت الذي تحولت فيه الخيام إلى خيار وحيد لآلاف العائلات الغزية.

نتيجة الإبادة الجماعية والتدمير، بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة في القطاع، نحو 510 آلاف وحدة سكنية، فيما دمر 335 ألف مبنى ووحدة سكنية تدميرا كليا، إضافة إلى 75 ألف مبنى ووحدة سكنية تعرضت لدمار جعلها غير صالحة للسكن

التعليم... خسارة تتجاوز المدارس

ربما أكثر الخسائر صعوبة في حياة الإنسان، تلك التي لا ترى بالعين، فالمدارس التي تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي يمكن إعادة بنائها حتى لو احتاجت لسنوات، أما سنوات الدراسة والتعليم التي ضاعت من أعمار الطلبة فلا يمكن استعادتها.

Omar AL-QATTAA / AFP
نازحون فلسطينيون يجمعون كتبا من أنقاض الجامعة الإسلامية في غزة لاستخدامها وقودا للطهي، 21 مارس 2025

تحكي سارة سعدة (15 عاما) أنها وجدت في الرسم بديلا عن المدرسة التي توقفت بسبب الحرب. وخصصت داخل خيمة النزوح ركنا صغيرا للرسم، وحولت لوحاتها إلى وسيلة لتوثيق ما عاشته وتعيشه، حيث ترسم البيوت المهدمة، وطوابير المياه، والنازحين، وحتى الطفل الذي أصيب بحروق بعدما سقط عليه الطعام الساخن في إحدى نقاط توزيع المساعدات قبل عدّة أشهر، وثقته في رسوماتها.

تقول لـ"المجلة": "أحاول أن أوصل صوت أبناء شعبي إلى العالم"، وبالنسبة لسارة، لم يعد الرسم مجرد هواية، بل وسيلة لحفظ الذاكرة، وللتعبير عن تجربة جيل حُرم من الدراسة والاستقرار.

يكتسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على توصيف الانتهاكات خلال الحرب، بل يلفت الانتباه إلى آثارها الممتدة على الأطفال والأسر والبنية الاجتماعية

تمكنت قبل أشهر بسيطة من الانتساب لمبادرة تعليمية تقوم عليها مجموعة شبابية داخل خيام، حيث تحصل على دروس فيما فاتها من سنوات تعليمية لتتمكن من استدراك ما فاتها وتنتظم في التعليم الإلكتروني، لكن "الموضوع مش سهل، بنحتاج إنترنت وكهرباء ومش دايما متوفر، لكن بنحاول".

مع استمرار الحرب على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار قبل قرابة 10 أشهر، لم تعد الآثار المترتبة عليها تقتصر على الجسد، بل على الصحة النفسية أيضا. وتشير تقارير ميدانية، إلى تزايد الإقبال على خدمات الدعم النفسي في قطاع غزة، مع انتشار أعراض مثل الكوابيس، والخوف من الأصوات المفاجئة، وصعوبات التركيز، والتبول اللاإرادي بين الأطفال.

ووصف مختصون- ضمن التقارير- هذا الارتفاع بأنه نتيجة طبيعية لتراكم الصدمات، مؤكدين أن الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية أصبحت أكبر من قدرة المؤسسات العاملة على تلبيتها. وفي مايو/أيار 2026، حذرت الأمم المتحدة- في تقرير لها- من أن الأطفال في غزة يواجهون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والنفسية في العالم، في ظل استمرار النزوح، وتعطل التعليم، وتراجع الخدمات الأساسية، مؤكدة أن الآثار النفسية للحرب قد تستمر سنوات طويلة حتى بعد توقف القتال.

ما قبل الحرب وبعدها

قد تقاس الحروب في العادة بعدد الضحايا أو حجم المباني التي تعرضت للتدمير، لكن بسبب الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ ثلاث سنوات، تبدو الخسارة أعمق من ذلك، لأن محمود ووسيم اللذين خرجا إلى سوق العمل لن يستعيدا بسهولة سنوات طفولتهما، كما أن الشقيقين إياد ورهف اللذين أصبحا مسؤولين عن والديهما لن يعودا إلى مقاعد الدراسة كما لو أن شيئا لم يحدث، وأم أحمد وكافة الأمهات اللواتي ينتظرن خبرا عن مفقوديهم، يعشن زمنا مختلفا عن بقية العالم، زمنا توقف عند لحظة الغياب. لهذا، لا تبدو إعادة الإعمار المنتظرة مجرد عملية لإزالة الركام وبناء المنازل، بل محاولة لإعادة بناء مجتمع تعرض نسيجه الإنساني لضغط غير مسبوق.

Eyad Baba / AFP
طفل فلسطيني يحمل كتابا ويجلس بين أنقاض منزل في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة بعد غارات إسرائيلية، 29 أبريل 2025

هنا، يكتسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على توصيف الانتهاكات خلال الحرب، بل يلفت الانتباه إلى آثارها الممتدة على الأطفال والأسر والبنية الاجتماعية. غير أن ما تكشفه القصص اليومية في غزة يذهب أبعد من التقارير والبيانات المجردة، فهو يظهر كيف أصبحت الحرب إطارا تبنى داخله الحياة نفسها، وكيف تحولت المسؤوليات والأحلام والعلاقات الأسرية تحت وطأة الفقد والنزوح.

أما محمد عبون، وكافة من ينتظرون انتشار أفراد أسرهم من تحت الأنقاض، فقد يجدون ما تبقى من أجسادهم وعظامهم، غدا أو بعد أسابيع وربما بعد أشهر، لكن لن يعيد ذلك حياتهم التي انقسمت إلى زمنين مختلفين: ما قبل الحرب، وما بعدها. وبين الزمنين، لم يتغير شكل وتركيبة المكان وحده، بل تغير الإنسان أيضا.

font change

مقالات ذات صلة