حين يقف الطفل محمد غبون (12 عاما) أمام ركام منزل عائلته في حي الرمال، جنوب وسط مدينة غزة، لا ينتظر معجزة. كل ما يريده أن يعثر رجال الدفاع المدني على جثامين والديه وإخوته وأقاربه، الذين بقوا تحت الأنقاض منذ قصف المنزل في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عشية الإعلان عن وقف إطلاق النار آنذاك بين حركة "حماس" وإسرائيل. وحده محمد خرج حيا من المنزل حينها، بينما ظل نحو أربعين فردا من عائلته تحت الركام، في انتظار توفر الإمكانيات لانتشالهم ودفنهم.
لم يعد محمد يبحث عن ناجين، بل عن نهاية لانتظار طويل بعد فقدهم. وبينما تواصل فرق الدفاع المدني أعمال رفع الأنقاض بإمكانات محدودة، يقف الطفل صامتا، يراقب الركام الذي ابتلع أسرته. يقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن آلاف العائلات لا تزال تعيش المشهد نفسه، مشيراً إلى أن نحو8500 مواطن ما زالوا تحت أنقاض المنازل التي دمرها الجيش الإسرائيلي، وفق تقديرات الجهاز، ومن بينهم عدد كبير من الأطفال.
ليست قصة محمد استثناء، بل واحدة من آلاف القصص التي تعكس التحول العميق الذي أصاب المجتمع في قطاع غزة بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية. فالأرقام التي تصدرها المنظمات الدولية تشرح حجم الكارثة، لكن القصص الفردية تكشف ما هو أبعد من الإحصاءات: كيف تغيّرت الطفولة، وتبدلت الأسرة، وأصبح البقاء في حد ذاته عملا يوميا.
في تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2026، خلصت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل" إلى أن السلطات الإسرائيلية تواصل ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، واعتبرت أن الأطفال تعرضوا لاستهداف ممنهج وأن ما يجري يهدد مستقبل المجتمع الفلسطيني بأسره. ورفضت إسرائيل التقرير ونتائجه. لكن، بعيدا عن الجدل القانوني والسياسي، تفرض الحياة اليومية في غزة سؤالا آخر: ماذا يحدث لمجتمع يعيش عامه الثالث تحت الحرب؟
طفولة خرجت من المدرسة إلى سوق العمل
قبل الحرب، كان محمد عاشور (14 عاما) يذهب إلى المدرسة ثم يقضي عطلته الصيفية مع أصدقائه في الحارة أو مع عائلته على شاطئ البحر المتوسط، لكن بسبب الحرب، فقد مدرسته وتعليمه، ونتيجة لفقد والده مصدر دخله وعمله، أصبح يحمل إبريق قهوة على كتفه ويجول في شوارع مدينة غزة بحثا عن زبائن.
قال لـ"المجلة": "أبيع القهوة لكي أنفق على أسرتي. في الماضي كانت الشمس تحرقني وأنا على شاطئ البحر، واليوم تحرقني وأنا أتجول في الشوارع أبيع القهوة للزبائن".
وفي شارع آخر من شوارع غزة، كان الطفل وسيم عليوة (15 عاما) يبيع قطع الشوكولاتة للمارة، يقول لـ"المجلة": "نفسي أقعد ألعب كورة في الشارع مع صحابي، لكن مين بده يصرف علينا، أهلي كل اعتمادهم في المصروف اليومي على ما أبيعه وما أستطيع توفيره من دخل بسيط جدا لا يتجاوز 15 إلى 20 شيكل في اليوم".
هذه المشاهد لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءا من الاقتصاد اليومي في قطاع فقد فيه معظم أرباب الأسر مصادر دخلهم. فالطفل الذي كان يحمل حقيبته المدرسية أصبح يحمل إبريق القهوة أو صندوق الحلوى، ليس بحثا عن مصروف شخصي أو رفاهية، بل للمساهمة في إعالة أسرته لتلبية الاحتياجات الأساسية باهظة الثمن.
وبحسب تقارير صادرة عن وزارة الصحة بغزة، فقد يتمت الحرب أكثر من 85 ألف طفل وطفلة، بينهم 27 ألفا من الأطفال فقدوا كلا الوالدين، وهو ما خلق واقعا اجتماعيا جديدا، بات فيه آلاف الأطفال يعيشون من دون معيل أو شبكة حماية أسرية نتيجة حرب الإبادة الجماعية.



