كان الرجل الأهم في جنازة علي خامنئي هو الرجل الذي غاب عنها.
حضر أقارب آخرون. وتحدث المسؤولون عن الولاء و"البيعة"، أي قسم الطاعة. وطُلب من الحشود أن تهتف للثأر. غير أن مجتبى خامنئي، وريث والده، لم يظهر على المنصة في المراسم الوحيدة التي صُممت لتسليم الإرث.
ربما كان الغياب ضربا من الحذر، أو إحاطة مقصودة بهالة رجال الدين، أو إخراجا مسرحيا محسوبا. لكنه، سياسيا، كشف المشكلة التي سعى الحدث كله إلى حجبها. يحتاج مجتبى إلى إرث أبيه، غير أنه لا يستطيع أن يرث سلطته كما يرث المنصب. يمكن نقل الموقع في ظهيرة واحدة. أما الهيبة فلا تنتقل بهذه السهولة. حاولت الجنازة أن تصنع من الحزن شرعية، لكن المقعد الخالي حيث كان يُفترض أن يجلس الوريث جعل الصفقة مكشوفة وغير مكتملة.
هذا هو الموضوع الحقيقي لهذه المقالة: محاولة دفن حالة من اللايقين مع الرجل الراحل. ومن هنا يتضح ما سيبقى من سيرة علي خامنئي حين تخفت المراثي. فقد أبقى ثورة آية الله الخميني حية، ثم حوّلها إلى جهاز أمني يُفترض أن يكون قادرا على العمل من دونه. أما قدرته الفعلية على ذلك، فهو السؤال الذي كان على الجنازة أن تجيب عنه، وقد عجزت عن الإجابة الكاملة.
جنازة أخرجت على هيئة استفتاء
حين تُقام الجنازة الرسمية في لحظة انكشاف قصوى، فإنها تحمل دائما معنى يتجاوز الحداد. كانت لهذه الجنازة وظيفة محددة: أن تثبت أن الدولة نجت من فقدان قائدها. المؤسسات تعمل. الجهاز الأمني متماسك. الحشود ما زالت قابلة للاستدعاء. والوفود الأجنبية لا تزال تصل لتقديم العزاء. رُتبت الجنازة كاستفتاء بصري على الاستمرارية، وبذل النظام جهدا كبيرا كي يربحه.
كانت الرسائل موزعة على جماهير عدة، وطهران تعرف كل جمهور منها. للإيرانيين، قيل إن المسار محسوم: النظام قائم، والولاء الذي كان مستحقا للقائد الراحل ينتقل الآن إلى من يأتي بعده. وللنخبة الحاكمة، حمل المشهد تحذيرا من التردد: هذه لحظة انضباط، لا وقت مناورة. ولواشنطن والقدس، كان المعنى ردعيا: قتل خامنئي لم يكسر النظام. أما الشركاء الإقليميون، فكان المطلوب طمأنتهم إلى أن الشبكات ستصمد. وإلى موسكو وبكين وعواصم الخليج، وجِّه تذكير بأن إيران ما زالت قابلة للحكم، خطرة، وطرفا لا يمكن تجاوزه.



