ما بعد خامنئي... الدولة الأمنية التي بناها والتي يرثها الابن

رُتبت الجنازة كاستفتاء بصري على الاستمرارية

غيتي
غيتي
رجل يمرّ أمام صورة المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي في ساحة آزادي، غرب طهران، إيران، في 7 يوليو 2026، في اليوم التالي لجنازته

ما بعد خامنئي... الدولة الأمنية التي بناها والتي يرثها الابن

كان الرجل الأهم في جنازة علي خامنئي هو الرجل الذي غاب عنها.

حضر أقارب آخرون. وتحدث المسؤولون عن الولاء و"البيعة"، أي قسم الطاعة. وطُلب من الحشود أن تهتف للثأر. غير أن مجتبى خامنئي، وريث والده، لم يظهر على المنصة في المراسم الوحيدة التي صُممت لتسليم الإرث.

ربما كان الغياب ضربا من الحذر، أو إحاطة مقصودة بهالة رجال الدين، أو إخراجا مسرحيا محسوبا. لكنه، سياسيا، كشف المشكلة التي سعى الحدث كله إلى حجبها. يحتاج مجتبى إلى إرث أبيه، غير أنه لا يستطيع أن يرث سلطته كما يرث المنصب. يمكن نقل الموقع في ظهيرة واحدة. أما الهيبة فلا تنتقل بهذه السهولة. حاولت الجنازة أن تصنع من الحزن شرعية، لكن المقعد الخالي حيث كان يُفترض أن يجلس الوريث جعل الصفقة مكشوفة وغير مكتملة.

هذا هو الموضوع الحقيقي لهذه المقالة: محاولة دفن حالة من اللايقين مع الرجل الراحل. ومن هنا يتضح ما سيبقى من سيرة علي خامنئي حين تخفت المراثي. فقد أبقى ثورة آية الله الخميني حية، ثم حوّلها إلى جهاز أمني يُفترض أن يكون قادرا على العمل من دونه. أما قدرته الفعلية على ذلك، فهو السؤال الذي كان على الجنازة أن تجيب عنه، وقد عجزت عن الإجابة الكاملة.

جنازة أخرجت على هيئة استفتاء

حين تُقام الجنازة الرسمية في لحظة انكشاف قصوى، فإنها تحمل دائما معنى يتجاوز الحداد. كانت لهذه الجنازة وظيفة محددة: أن تثبت أن الدولة نجت من فقدان قائدها. المؤسسات تعمل. الجهاز الأمني متماسك. الحشود ما زالت قابلة للاستدعاء. والوفود الأجنبية لا تزال تصل لتقديم العزاء. رُتبت الجنازة كاستفتاء بصري على الاستمرارية، وبذل النظام جهدا كبيرا كي يربحه.

كانت الرسائل موزعة على جماهير عدة، وطهران تعرف كل جمهور منها. للإيرانيين، قيل إن المسار محسوم: النظام قائم، والولاء الذي كان مستحقا للقائد الراحل ينتقل الآن إلى من يأتي بعده. وللنخبة الحاكمة، حمل المشهد تحذيرا من التردد: هذه لحظة انضباط، لا وقت مناورة. ولواشنطن والقدس، كان المعنى ردعيا: قتل خامنئي لم يكسر النظام. أما الشركاء الإقليميون، فكان المطلوب طمأنتهم إلى أن الشبكات ستصمد. وإلى موسكو وبكين وعواصم الخليج، وجِّه تذكير بأن إيران ما زالت قابلة للحكم، خطرة، وطرفا لا يمكن تجاوزه.

أصبحت ثورة 1979 رصيدا سياسيا آخذا في التآكل. معظم الإيرانيين الأحياء اليوم ولدوا بعدها، ويتناقص كل عام عدد من يحتفظون بأي ذكرى عن الخميني

لكن الجهد نفسه فضح اللعبة. فالدولة الواثقة من ترتيبات الخلافة لا تحتاج إلى جنازة تؤدي وظيفة استفتاء جماهيري واسع. وكان الحجم سلاحا ذا حدين. أظهر قوة فعلية: إغلاق الطرق، وتحريك الحشود، وإطعام المشاركين، واحتكار التغطية التلفزيونية، والسيطرة على صور اليوم. غير أن المشهد نفسه بدا، في وجهه الآخر، ممارسة للإكراه والإنفاق: مال عام يُصرف على مسرح حداد، بينما يواجه الإيرانيون العاديون تضخما قياسيا، وأضرار الحرب، والنقص، والمشقة اليومية لاقتصاد لم يعد يعمل لصالح معظمهم.

أنصت إلى ما ظل التعليق الرسمي يردده في الأيام التالية: الاستقرار، السيادة، الردع، الاستمرارية. ثم أنصت إلى ما تراجع حضوره: اللغة الإسلامية الثورية التي طبعت عقود الجمهورية الأولى. في هذا الاستبدال تكمن القصة. كانت الجنازة تودع خامنئي، وتتمرن في الوقت نفسه على الطريقة التي تعتزم بها الدولة أن تحكم من دونه، مع تغيير هادئ في الشروط التي تطلب على أساسها الطاعة.

النظام يعيد كتابة مؤسسه

في غضون أسابيع من وفاته، بدأ السرد الرسمي لحياة خامنئي يتبدل. فعلى مدى سنوات، قُدم حارسا لثورة الخميني عام 1979، وأمينا عليها أكثر منه صانعا لها. أما الآن، فقد أخذ يوصف بمقام أرفع: القائد الذي عالج إيران من "نفسية الهزيمة" الطويلة، والرجل الذي أنهى سلسلة من الإهانات امتدت من خسائر القرن التاسع عشر أمام روسيا الإمبراطورية، مرورا بتنازلات العهد القاجاري، وصولا إلى الاحتلالات الأجنبية في القرن العشرين.

رويترز
عضو مجلس الخبراء محسن قمي، ومستشار المرشد الأعلى محسن رضائي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس المحكمة العليا غلام إجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، في جنازة خامنئي، في 3 يوليو 2026

والرواية التي تُصاغ اليوم تقول إن خامنئي أثبت قدرة إيران على تلقي ضربة مباشرة من أقوى تحالف عسكري في العالم من دون أن تنهار. ولا تكمن المسألة هنا في مدى صمود هذه الرواية أمام الفحص، بل في ما يفعله النظام من خلال تثبيتها: إنه ينقل شرعيته إلى مصدر جديد.

لقد أصبحت ثورة 1979 رصيدا سياسيا آخذا في التآكل. معظم الإيرانيين الأحياء اليوم ولدوا بعدها، ويتناقص كل عام عدد من يحتفظون بأي ذكرى عن الخميني. كانت الدولة تبرر وجودها ذات يوم بوعد التحول، ثم أخذت تبرره بحقيقة البقاء. ولم تعد تقيس نفسها بحركات ثورية أخرى، وإنما بفصول أقدم من التاريخ الإيراني، حين كانت القوى الأجنبية تملي على البلاد مصيرها. انتقلت الرسالة بهدوء، من "سنعيد تشكيل العالم" إلى "نحن وحدنا منعنا إملاء الإرادة على إيران". هذه المقايضة، أي استبدال الغاية الثورية بالصمود الوطني، قد تكون الأثر السياسي الأطول عمرا لخامنئي. وهي أيضا علامة كاشفة: حين تكف الثورة عن الإقناع، يصبح اللجوء إلى القومية ملاذا بديهيا.

الخميني صنع الثورة... خامنئي بنى الجهاز

يرى الافتراض السهل أن خامنئي ورث نظام الخميني واكتفى بإبقائه عاملا. غير أنه فعل ما هو أبعد أثرا، لأنه لم يكن يملك خيارا آخر. حكم الخميني بالكاريزما والمكانة الدينية، وكانت المؤسسات امتدادا لإرادته. أما خامنئي فلم يملك أيا منهما. وحين تولى المنصب عام 1989 لم يكن "مرجعا"، وهي المرتبة الدينية العليا التي كان يُفترض أن يتطلبها الموقع. وقد احتاج صعوده إلى تعديل الدستور كي يستوعبه، فيما تابع قسم واسع من رجال الدين الأمر بتشكك معلن.

طوال عشرين عاما، كان مجتبى خامنئي واحدا من أقل رجال الجمهورية الإسلامية ظهورا وأكثرهم نفوذا. عمل داخل "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، ومكتب والده، وحرص على إبقاء اسمه بعيدا عن كل شيء تقريبا

لذلك أمضى الأعوام السبعة والثلاثين التالية في بناء بديل عن السلطة المعنوية التي افتقر إليها. تضخم مكتب "المرشد الأعلى" من ديوان محدود إلى حكومة موازية. وحرص على تحويل "الحرس الثوري" من ميليشيا حرب إلى المؤسسة السياسية والاقتصادية والاستخباراتية المهيمنة في البلاد، وإلى قوة مسلحة في خدمته ضد خصومه السياسيين. وشدد "مجلس صيانة الدستور" قبضته على من يُسمح لهم بالترشح للمناصب. وغدا المجلس الأعلى للأمن القومي الغرفة التي تُنسق فيها استراتيجية الدولة. وتكاثرت أجهزة الاستخبارات الموازية، تراقب المجتمع وتراقب بعضها بعضا. وامتدت التكتلات الاقتصادية المرتبطة بالأمن إلى كل زاوية استراتيجية من الاقتصاد: النفط، والبناء، والاتصالات، والموانئ.

كل عنصر من هذه العناصر مألوف بمفرده. لكنها، مجتمعة، ترسم التحول الهادئ من نظام ثوري إلى دولة أمنية. كان هذا عملا إداريا أكثر منه أيديولوجيا. ابتكار خامنئي الحقيقي كان بيروقراطيا. حكم عبر اللجان والمجالس والتعيينات، لا عبر المنبر وحده كما فعل الخميني. ونادرا ما خاض مواجهات مفتوحة مع مراكز القوة المنافسة. زرع الموالين في أنحاء النظام، وحرص على أن لا تستقل أي مؤسسة بما يكفي لتهديد مكتبه. لم ينتقص ذلك من مركزية "المرشد الأعلى"، لكنه غيّر معنى الوقوف في المركز: لم يعد الأمر صورة "نبي" يصدر الأوامر، بل رئيس مجلس إدارة يمسك أطراف المجلس ويمنع تفككه.

أ.ف.ب
جدارية تظهر نعش المرشد الايراني وإلى جانبه عدد من القادة الذين قتلوا، منهم إبراهيم رئيسي، قاسم سليماني، وحسن نصر الله في ساحة فاناك في طهران في 29 يونيو 2026

هنا يقوم التمييز الذي تدور عليه مسألة الخلافة كلها، ويستحق الأمر دقة خاصة، لأنه يفسر لماذا يبدو استبدال "المرشد الأعلى" أصعب مما يظن. كان خامنئي يملك القوة والسلطة المعنوية، وهما ليستا شيئا واحدا. القوة هي المنصب: التعيينات، وقيادة القوات المسلحة، والسيطرة على الاستخبارات، والهيمنة على المجال السياسي. أما السلطة المعنوية فهي كل ما لا يستطيع المنصب أن يمنحه: أربعة عقود من الخبرة، والنجاة من أزمة بعد أزمة، وخيط شخصي يصل إلى كل مؤسسة وكل شخصية رفيعة في النظام، وامتثال نخبة كاملة لم تعرف قائدا غيره. يمكن للقوة أن تنتقل بين ليلة وضحاها. أما السلطة المعنوية فتكتسب مع الزمن ولا تُسلَّم بالقرار. من يخلف خامنئي يرث الأولى، ولا يكاد يرث شيئا من الثانية. ومن هنا تعود الصورة إلى المنصة الخالية.

إرث مجتبى

طوال عشرين عاما، كان مجتبى خامنئي واحدا من أقل رجال الجمهورية الإسلامية ظهورا وأكثرهم نفوذا. عمل داخل "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، ومكتب والده، وحرص على إبقاء اسمه بعيدا عن كل شيء تقريبا. كان ذلك مصدر قوة ما دام والده حيا: نفوذ بلا محاسبة، ويد حاضرة في النتائج من دون توقيع عليها. غير أن القيادة تقلب هذه المعادلة رأسا على عقب. فهو لا يستطيع استحضار كاريزما الخميني، ولا افتعال سلطة والده المعنوية، التي احتاج بناؤها إلى عمر كامل من الأزمات.

لن تدور المعركة الحاسمة في إيران ما بعد خامنئي بين النظام ومعارضيه. فهذه المواجهة محسومة، في الوقت الراهن على الأقل. المعارضة مشتتة، ضعيفة على الأرض داخل البلاد، وتفتقر إلى التنظيم اللازم لتحدي الدولة

وهناك أيضا ما لن يقوله النظام جهرا: ابن يخلف أباه، أي خلافة وراثية في جمهورية قامت على رفض الملكية. فقد صُممت الجمهورية الإسلامية، في جانب منها، لمنع انتقال السلطة بالدم. وكانت عقيدة "ولاية الفقيه"، أي حكم الفقيه المؤهل، جواب الخميني على قرن من زعماء المنطقة الأقوياء الذين سلموا بلدانهم إلى أبنائهم. والآن، يُطلب من الآلة التي بناها خامنئي لتجسيد تلك العقيدة أن تغسل أكثر تناقضاتها فجاجة. وربما كان الغياب عن الجنازة، ضمن ما كان، محاولة كي لا يظهر التتويج مكشوفا أكثر مما ينبغي.

لذلك يرجح أن يحكم مجتبى عبر المؤسسات لا فوقها. وهذه هي الوجهة التي كان مشروع والده يمضي إليها منذ البداية. فالقائد الذي لا يستطيع الاتكاء على سلطة شخصية يضطر إلى الاتكاء على الجهاز، والجهاز هو ما أمضى خامنئي سبعة وثلاثين عاما في تقويته حتى يصبح صالحا لهذا الدور. لم يكن السؤال الحقيقي يوما هل يمكن تنصيب مجتبى "مرشدا أعلى"، فآليات ذلك هي الجزء الأسهل. السؤال هو هل نضجت الآلة بما يكفي لتعويض السلطة المعنوية التي لا يملكها؟

وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها قد تفعل. ففكرة أن موت "المرشد الأعلى" يترك فراغا كانت أصح عام 1989 مما هي عليه الآن. حين مات الخميني، كانت المؤسسات فتية، ولم يكن "الحرس الثوري" قد صار إمبراطورية سياسية واقتصادية، وكان مكتب "المرشد" محدودا، ولم يكن للمجلس الأعلى للأمن القومي وزن يذكر. أما مجتبى فيرث بنية أكثف وأشد استعصاء على التحريك. لا يزال مكتب "المرشد" في القمة، لكنه لم يعد يحكم وحده. يمسك "الحرس الثوري" بالأمن، والبرنامج الصاروخي، والصناعة الاستراتيجية، ومساحات واسعة من الاقتصاد. ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي التنسيق. أما البرلمان، ومجلسا "صيانة الدستور" و"تشخيص مصلحة النظام"، والقضاء، والأجهزة الاستخباراتية، فتدير كلها بيروقراطيات فعلية تملك هامشا للحركة. لا توجد مؤسسة مستقلة تماما، ولا تستطيع أي منها ابتلاع الأخريات، و"المرشد" يميل أكثر فأكثر إلى التحكيم بينها بدلا من إصدار الأوامر لكل منها.

أ.ف.ب
حشود من المعزين تحيط بالموكب الذي يحمل نعوش المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي وأفراد عائلته خلال موكب جنازة بالقرب من ساحة آزادي في طهران في 6 يوليو 2026

وكان هذا الأسلوب باديا بالفعل بعد حرب عام 2026 مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فالقرارات الكبرى بدت أقرب إلى مخرجات لجنة منها إلى قرار يد واحدة: الرئيس مسعود بيزشكيان يتولى التعافي الاقتصادي، ووزير الخارجية عباس عراقجي يتصدر المحادثات مع واشنطن، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يدير إعادة الإعمار، والمجلس الأعلى للأمن القومي ينسق الكل. لم يسحب أي من ذلك السلطة من مكتب "المرشد الأعلى"، وإنما وزع العمل. وهذا يناسب قائدا ورث القوة، لكنه ما زال يحتاج إلى اكتساب المكانة. حين تنجح اللجنة، يحصد النظام الفضل. وحين تفشل، تتحمل مؤسسة أدنى المسؤولية. وبالنسبة إلى رجل في موقع مجتبى، فذلك ليس خللا في النموذج، وإنما غايته.

والمنطق نفسه بات يشكل سلوك إيران الخارجي أكثر من أي نزعة ثورية تلقائية. فالجدل داخل طهران حول التعامل مع واشنطن يدور حول الشروط أكثر مما يدور حول صراع بين معتدلين ومتشددين. لا يكاد أحد يريد تطبيعا غير مشروط، كما لا يكاد أحد يريد حربا أخرى. الخلاف يدور حول مقدار تخفيف العقوبات، وبأي شروط، وبأي كلفة على النظام. لذلك يُنفذ أي اتفاق ببطء، وعلى مراحل، وبطرق قابلة للتراجع. لا يحدث ذلك بسبب الضعف، بل لأن التوازن الذي بناه خامنئي يكافئ الحذر ويعاقب الخطوات الجريئة. فخلفاؤه لا يرثون سياسة خارجية وحدها، بل يرثون آلة لصنع القرار صُممت لتقليل المخاطر الوجودية إلى الحد الأدنى، وللتحرك جانبيا لا أكثر.

المعركة الآتية والعفن الكامن تحتها

لن تدور المعركة الحاسمة في إيران ما بعد خامنئي بين النظام ومعارضيه. فهذه المواجهة محسومة، في الوقت الراهن على الأقل. المعارضة مشتتة، ضعيفة على الأرض داخل البلاد، وتفتقر إلى التنظيم اللازم لتحدي الدولة. أما الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، مهما خلفت من دم وركام، فقد خرجت منها آلة القسر أقوى مما كانت. أُخرجت الجنازة لتقول هذه النقطة تحديدا، وفي هذا الإطار الضيق كانت تقول الحقيقة.

المسار الأرجح هو الاستمرارية الحذرة. يحكم مجتبى عبر مؤسسات أبيه، بدلا من محاولة إخضاعها لشخصه. يتولى مكتب "المرشد" التحكيم بين الفصائل

المعركة الفعلية تدور داخل النظام، وحول الصورة التي سيستقر عليها. فللمرة الأولى منذ عام 1979، لم يعد السؤال المركزي في طهران ثوريا، وإنما إداريا: كم من القوة يبقى في يد "المرشد"؟ وكم يذهب إلى "الحرس الثوري"؟ وكم إلى الهيئات المنتخبة؟ وكم إلى البيروقراطية الأمنية التي تواصل التمدد تحتها كلها؟

أربعة معسكرات ستقرر الوجهة، وهي تتداخل أكثر مما تتصادم. مكتب "المرشد الأعلى"، وهو المجال الطبيعي لمجتبى، يريد الحفاظ على تفوق "المرشد" وتجنب أي صدمات مفاجئة. أما "الحرس الثوري" فقد صار اليوم، أكثر من أي وقت مضى، حزبا سياسيا، وجهاز استخبارات، وإمبراطورية أعمال، ونخبة اجتماعية في آن واحد. سيدعم مجتبى ما دام يحمي أمواله وامتداده الإقليمي ومكانته، ولن يمضي في دعمه يوما واحدا بعد ذلك. فولاؤه صفقة لا تبعية، وقد يكون هذا الفارق أعمق من أي فارق آخر في السنوات المقبلة. أما التكنوقراط، وقاليباف نموذجهم، فيستمدون شرعيتهم من القدرة على البناء والإنجاز لا من النقاء الأيديولوجي. والبرغماتيون المحيطون ببيزشكيان لا يسعون إلى تفكيك الجمهورية، أيا كان ما يقوله خصومهم، بل يرون أن بقاءها يمر عبر التعافي، وتخفيف العقوبات، وتقليل المعارك. إنها خلافات حول الوسيلة، لا حول البقاء. وهذه الأرضية المشتركة هي ما يجعل النظام أصلب مما توقع معظم المراقبين في الخارج، وهي أيضا ما يجعل تصور تغيير حقيقي من داخله أمرا بالغ الصعوبة.

غير أن الصلابة المؤسسية لا تعالج ما يتركه خامنئي خلفه. هنا يصطدم الانتصار الجنائزي بالبلد الذي يحكمه النظام في الواقع. لقد بنى دولة قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وحتى موت مهندسها نفسه. لكنه لم يعالج، طوال سبعة وثلاثين عاما، العفن الذي تراكم في عهده، وكثير منه نتاج مباشر لاختياراته. سوء إدارة اقتصادية يتراكم سنة بعد سنة. فساد حيثما نظرت. مؤسسة أمنية ابتلعت قسما واسعا من الاقتصاد، ولا تخضع لمحاسبة أي جهة يمكن إخراجها عبر صندوق الاقتراع. عقوبات استدعتها سياسته الخارجية. أنهار جفت وخزانات فرغت. وجيل من المتعلمين والطموحين يقف في طابور الرحيل عن البلاد.

رويترز
رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، ورئيس أركان القوات المسلحة الباكستانية، المشير عاصم منير، في طهران، إيران، في 23 مايو 2026

لا يختفي أي من ذلك لأن عملية التسليم مضت بسلاسة. وقد يصبح أثره أشد إيلاما الآن، بعدما لم يعد هناك خزان من السلطة الشخصية يمتص الغضب حين يأتي. أثبتت الجنازة أن الدولة ما زالت قادرة على ملء الشوارع واحتكار الشاشات. لكنها لم تفعل شيئا للملايين من الإيرانيين الذين يرون مستويات معيشتهم تتراجع، وهي نقطة أقر بها حتى المتعاطفون مع النظام حين أعلنوا- ولم يكن الحداد قد انتهى بعد- أن المهمة الحقيقية للقيادة الجديدة هي الاقتصاد. لا يستطيع الردع ولا الصواريخ تغطية اقتصاد مكسور إلى ما لا نهاية. كان عمل خامنئي أن يبني مؤسسات تبقي الجمهورية حية. أما اختبار مجتبى فهو قدرة هذه المؤسسات نفسها على الحكم فعلا. فالبقاء والعمل ليسا شيئا واحدا، والفجوة بينهما هي المساحة التي ستدور فيها سياسة إيران خلال العقد المقبل.

ما الذي يأتي بعد ذلك؟

لا يسير التاريخ وفق نصوص مرتبة، لكن ثلاثة مسارات تبدو ممكنة، وكلها تندرج ضمن مشروع خامنئي الطويل: بناء الدولة أكثر من بناء الثورة.

المسار الأرجح هو الاستمرارية الحذرة. يحكم مجتبى عبر مؤسسات أبيه، بدلا من محاولة إخضاعها لشخصه. يتولى مكتب "المرشد" التحكيم بين الفصائل. يحتفظ "الحرس الثوري" بامتيازاته من دون الانتقال إلى سيطرة سياسية مكشوفة. يبقى الإصلاح محدودا، وتتقدم الدبلوماسية مع واشنطن ببطء، وتواصل العلاقات مع الخليج دفئها التدريجي. تظل إيران خصما للولايات المتحدة، لكنها تفضل احتكاكا مضبوطا على مواجهة مفتوحة. في هذا السيناريو، يؤدي جهاز خامنئي وظيفته، وتغدو الجمهورية أقل اعتمادا على رجل واحد.

أسس الخميني ثورة، وحولها خامنئي إلى دولة تستطيع أن تدفنه وتمضي. ومن أجل ذلك كانت الجنازة: عرض أول يثبت أن الجهاز يبقى بعد مهندسه

وينفتح المسار الثاني إذا انهارت الدبلوماسية، أو اشتعل الإقليم مرة أخرى. تكتسب المؤسسات الأمنية نفوذا إضافيا، ويوسع "الحرس" قبضته على الاقتصاد والسياسة الخارجية، ويضيق ما تبقى من هامش سياسي، وتشتد المواجهة مع إسرائيل والغرب. وحتى هذا المسار سيبقى استمرارية أكثر منه قطيعة: لا عودة إلى الحماسة الثورية، وإنما نسخة أشد صلابة وأكثر مركزية من الدولة الأمنية نفسها.

أما المسار الثالث، وهو الأقل احتمالا، فهو انزياح تكنوقراطي بطيء. يدفع الألم الاقتصادي المستمر حتى المؤسسة الأمنية إلى الاقتناع بأن التطبيع والاندماج الإقليمي يخدمان بقاء النظام أكثر من المواجهة الدائمة. لن يكون ذلك تحولا ديمقراطيا، ولن ينهي الجمهورية الإسلامية. سيكون دولة تنموية سلطوية: قمعية، وأيديولوجية، لكنها تدار على نحو متزايد بضرورات الاقتصاد لا بطموح الثورة. والمفارقة أن هذا المسار نفسه سيبقى وفيا لمشروع خامنئي، الذي دار دائما حول قوة الدولة قبل نقاء القضية.

يمر خط الصدع نفسه عبر المسارات الثلاثة كلها. جمع خامنئي بين القوة والسلطة المعنوية. أما خلفه فلا يحصل إلا على القوة. تتحرك القوة عبر المناصب والدساتير، أما السلطة المعنوية فتكتسب مع الزمن وعبر إدارة الأزمات، ولا يمكن استحضارها في ليلة واحدة أو توريثها بالدم. قد يجلس مجتبى على رأس أقوى جمهورية إسلامية منذ عام 1979، ومع ذلك لا يملك إلا جزءا يسيرا من مكانة أبيه. هل يكتسب الباقي ببطء، أم يستقر النظام على حكم اللجان مع شخصية رمزية في القمة؟ تلك هي قصة الفصل التالي.

سيتذكر الخارج خامنئي بعداوته للولايات المتحدة، وبامتداده في أنحاء المنطقة، وبرفضه أن ترخي الجمهورية قبضتها. غير أن الحقيقة الأشد بقاء أقل إثارة وأكثر أهمية. أسس الخميني ثورة، وحولها خامنئي إلى دولة تستطيع أن تدفنه وتمضي. ومن أجل ذلك كانت الجنازة: عرض أول يثبت أن الجهاز يبقى بعد مهندسه.

لكن العرض ظل ناقصا، وكان كل من شاهده يعرف ذلك. ملأ النظام الشوارع، وسيطر على الشاشات، وقال بطرق شتى إنه ما زال قائما. غير أن رسالته غير المقصودة كانت أصعب على النسيان. قد يكون ما زال قائما، لكن لم يعد واضحا من الذي يسنده: القائد الجديد، أم ذكرى القائد القديم، أم الآلة الأمنية التي أخرجت اليوم كله وتركت مكان الوريث على المنصة خاليا.

font change

مقالات ذات صلة