خبراء يتحدثون لـ"المجلة" عن التنافس التركي الاسرائيلي وتداعياته

سوريا الساحة الأبرز للمنافسة

المجلة
المجلة

خبراء يتحدثون لـ"المجلة" عن التنافس التركي الاسرائيلي وتداعياته

مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، برز التنافس بين تركيا وإسرائيل كأحد أبرز ملامح إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فمنذ تراجع النفوذ الإيراني، وتداعيات حرب غزة، وصولا إلى المتغيرات التي شهدتها سوريا، اتسعت مساحة التنافس بين أنقرة وتل أبيب لتشمل ملفات الأمن والطاقة والنفوذ والتحالفات الإقليمية. ورغم تباين المقاربات بشأن طبيعة هذا التنافس وحدوده، يجمع الخبراء على أنه بات يشكل أحد أبرز التحديات التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.

من التعاون إلى التنافس

يرى الخبراء أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل مرت بتحولات عميقة خلال العقدين الماضيين، انتقلت خلالها من التعاون الاستراتيجي إلى التنافس على النفوذ.

ينظر مدير معهد "المشرق للشؤون الاستراتيجية"، سامي نادر إلى الصراع باعتباره تنافسا هيكليا بين مشروعين إقليميين يتجاوزان حدود سوريا، خصوصا أنّ كلاهما يحمل مشروعا يتجاوز حدوده، لذلك من الطبيعي أن يكون هناك تنافس، لا سيما بعد أفول المد الإيراني والنكسة التي أعقبت حرب غزة وسقوط نظام بشار الأسد.

ويؤكد نادر في حديثه لـ"المجلة": "أنّ هذا التنافس ليس جديدا بل أخذ طابعا شبه عدائي منذ وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة، بعدما كانت العلاقة بين تركيا وإسرائيل، اللتين كانتا وما زالتا تحت المظلة الأميركية، تقوم على التعاون والتكامل... ومع وصول أردوغان، بدأت العلاقة تتحول تدريجيا نحو المواجهة. وقد برزت الأزمات على خلفية التوجه الإسلامي لحكم أردوغان، إضافة إلى القضية الفلسطينية التي استعادت أهميتها مع حرب غزة. لتتحول العلاقة من التعاون إلى التنافس على النفوذ في المنطقة".

سوريا... الساحة الأبرز للتنافس

ورغم امتداد التنافس إلى أكثر من ملف، فإن سوريا تبقى، وفق الخبراء، الساحة الأكثر حساسية لتقاطع المصالح التركية والإسرائيلية.

رغم احتدام المنافسة بين الطرفين، يستبعد الخبراء في الوقت الراهن تحولها إلى صدام عسكري مباشر، مرجحين بقاءها ضمن قواعد اشتباك تضبطها التوازنات الدولية، وفي مقدمها الدور الأميركي

حيث يرى الخبير الاستراتيجي والعسكري جورج نادر أن جوهر التنافس بين أنقرة وتل أبيب يتمحور حول سوريا، مع استبعاد تحوله إلى صدام مباشر، حيث يؤكد في حديثه مع "المجلة" أن "لأنقرة دورا معروفا بوصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الحكم برضا أميركي غربي وغض نظر روسي، وما يهم تركيا اليوم الحفاظ على الورقة السورية بشكل دائم، كونها ملاصقة لحدودها الجنوبية، وتحدّها إسرائيل ولبنان، بينما الإسرائيلي يرفض أن ينافسه أحد في السيطرة على أي بلد جار لأنه يعتبر سوريا ولبنان عمقه الاستراتيجي، فمثلا وجود لبنان تحت السيطرة الأميركية يخدم إسرائيل، بينما أن يكون لبنان تحت المظلة الإيرانية أو التركية فهذا الواقع لا يناسب تل أبيب على الإطلاق. وفي سوريا مصلحة إسرائيل على الأقل أن يستمر الجنوب السوري تحت سيطرتها لذلك هي تستخدم ورقة الدروز وتقدّم الدعم لهم، خوفا من أن يستخدم الجنوب من النظام الجديد الموالي لتركيا ضد إسرائيل يوما ما، ولكن لا أحد يعلم إن كان الطرف التركي سيصطدم مع الإسرائيلي أم سيغض النظر عن توسعه داخل الأراضي السورية".

من جهته، يرى سامي نادر أنّ "هناك رؤيتين مختلفتين بين إسرائيل وتركيا حول سوريا. فإسرائيل لا تخفي أنها تسعى إلى شرق أوسط مختلف، وربما إلى تغيير الحدود، وهي تدعم الأكراد والدروز. في المقابل، تؤكد تركيا أنها تدعم سوريا موحدة. ويُعد هذا الخلاف جوهر الصراع بين الطرفين، إلى جانب ملفات الطاقة والمنافسة في شرق المتوسط ".

رويترز
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة "الناتو" في مجمع بيستيبي الرئاسي بأنقرة، تركيا، في 8 يوليو 2026

أما الإعلامي والمحلل السياسي موفق حرب فيؤكد لـ"المجلة" أن "حرب غزة لم تقطع العلاقة التركية–الإسرائيلية نهائيا، لكنها غيّرت طبيعتها. ما كان خلافا سياسيا قابلا للترميم تحوّل إلى تنافس استراتيجي يمتد من سوريا إلى شرق المتوسط وواشنطن. وقد تعود التجارة والاتصالات، لكن الثقة القديمة لن تعود بسهولة".

ويتابع: "في سوريا، لا تسعى تركيا فقط إلى ملء الفراغ الإيراني؛ بل إلى بناء مجال نفوذ خاص بها: دولة سورية مستقرة ولكن قريبة من أنقرة، تمنع قيام كيان كردي مستقل، وتفتح أمام تركيا عمقا اقتصاديا وأمنيا. المشكلة أن إسرائيل تريد سوريا ضعيفة، منزوعة القدرات، ولا تسمح بتحول الوجود التركي فيها إلى مظلة عسكرية قرب حدودها".

هل يقود التنافس إلى مواجهة؟

رغم احتدام المنافسة بين الطرفين، يستبعد الخبراء في الوقت الراهن تحولها إلى صدام عسكري مباشر، مرجحين بقاءها ضمن قواعد اشتباك تضبطها التوازنات الدولية، وفي مقدمها الدور الأميركي.

في هذا السياق يؤكّد العميد جورج نادر: "من حيث المبدأ من المستبعد أن يتحول التنافس إلى صدام، فمثلا الحرب السورية استمرت 11 عاما لم نشهد فيها أي صدام مباشر بين روسيا وأميركا رغم تعارضهما في السياسة الخارجية ومناطق النفوذ في سوريا. لذلك من المرجح أن يتحول التنافس إلى تقاسم نفوذ، خصوصا مع المونة الأميركية على البلدين والتي تساهم في تخفيف الاحتقان وتمنع الصراع أن يتحول إلى صدام عسكري خلال محاولتهم تقاسم التركة الإيرانية في المنطقة".

أمّا الدكتور سامي نادر فيرى أن "هذا التنافس يبقى تحت المظلة الأميركية التي تضبط إيقاعه، فالبلدان حليفان للولايات المتحدة، وخصوصا لإدارة الرئيس دونالد ترمب. وقد شهدنا في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المكانة الأساسية التي حظي بها أردوغان، كما أظهرت القمة متانة العلاقة بين الرجلين، والأمر نفسه ينطبق على إسرائيل. لذلك، ورغم أن التنافس الهيكلي بين تل أبيب وأنقرة قد يصل إلى حد المواجهة، وربما إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، فإن إيقاعه يبقى مضبوطا بحكم تحالف البلدين مع الولايات المتحدة".

يتفق الخبراء على أن تراجع النفوذ الإيراني فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، لكنهم يختلفون في الجهة القادرة على ملء هذا الفراغ وحدود هذا الدور

من جهته، يعتبر موفق حرب أنّ "السيناريو الأرجح ليس حربا تركية–إسرائيلية مباشرة، بل صراع تحت سقف المواجهة: غارات إسرائيلية، قواعد ونفوذ تركي، تنافس على الجيش السوري، ودعم أطراف محلية متعارضة. لكن خطر الصدام يرتفع إذا نشرت أنقرة دفاعات جوية متطورة أو أقامت وجودا عسكريا دائما جنوب دمشق؛ عندها قد تصيب إسرائيل هدفاً تركياً، ويبدأ التصعيد من حادث لا يريده الطرفان"، معتبرا أنّ واشنطن تستطيع تأجيل الانفجار أكثر مما تستطيع حل أسبابه. فهي "لديها نفوذ على حليفين يحتاجان إليها، لكنها لم تعد تمسك بكل الخيوط، كما أن علاقتها المتحسنة مع أنقرة وملف تسليح تركيا يثيران قلق إسرائيل. لذلك ستسعى إلى إنشاء قواعد منع اشتباك، لا إلى مصالحة حقيقية".

من يملأ الفراغ الإيراني؟

يتفق الخبراء على أن تراجع النفوذ الإيراني فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة.

في هذا الإطار اعتبر سامي نادر أنّ تركيا لن تتمكن من تغطية النفوذ الإيراني في المنطقة، فهي تتمسك اليوم بما يُعرف بـ"الرباعي السني الكبير" الذي يضم السعودية ومصر وباكستان، وهو تكتل يرفض هيمنة أي طرف، سواء إيران أو إسرائيل، كما يرفض سياسة الأذرع، سواء "حزب الله" أو الحوثيين، ويرفض أيضا التطبيع المنفرد. وقد نشأ هذا الرباعي أساسا لملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الإيراني، لمنع أن يُستبدل بتمدد إسرائيلي.

أ.ف.ب
تقوم القوات الإسرائيلية بدوريات على السياج الحدودي مع سوريا بالقرب من قرية مجدل شمس الدرزية في مرتفعات الجولان التي ضمتها إسرائيل في 23 يوليو 2025

من جانبه، يؤكد موفق حرب أن "تركيا لا تحلّ مكان إيران بالعقيدة نفسها، لكنها تنافس على المساحة التي أخلتها. وإسرائيل لا ترى في التمدد التركي خطرا آنيا فحسب، بل مشروع قوة إقليمية منافسة. ولهذا قد لا تقع الحرب، لكن مرحلة السلام البارد انتهت على الأرجح".

إذن، وبينما تتباين تقديرات الخبراء حول حدود التنافس التركي-الإسرائيلي فإنهم يتفقون على أنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى، يبقى فيها الصراع على النفوذ مفتوحا وإن ظل محكوما حتى الآن بضوابط إقليمية ودولية تحول دون انزلاقه إلى المواجهة المباشرة.

font change