في مايو/أيار الماضي، أحدث "غوغل" ثورة غير مسبوقة في محرك بحثه، هي الكبرى منذ ربع قرن، إذ دمج وضع "الذكاء الاصطناعي" المدعوم بنموذجه "جيميناي 3.5 فلاش" المتطور في محركها، ليتجاوز البحث مجرد الكلمات المفتاحية إلى تقديم إجابات ذكية معقدة، وتخطيط للمهام، وتوليد صور فورية، بالإضافة إلى ميزة تتيح للمستخدمين رفع الصور والفيديوهات والملفات وربط التطبيقات الخارجية لتبسيط إنجاز المعاملات اليومية.
لم يقتصر هذا التطوير على تجربة البحث فقط، ففي يوليو/تموز الجاري، أطلقت الشركة العملاقة ميزة "خصائص المنصات" لتتبع أداء حسابات التواصل الاجتماعي، "تيك توك"، "يوتيوب"، "إكس"، و"إنستغرام" داخل محرك البحث.
لم يكن توسيع "غوغل" لمربع البحث مجرد تعديل شكلي في واجهة حافظت على ملامحها ربع قرن، بل كان إعلانا لإعادة تعريف محرك البحث نفسه. فبدلا من كتابة كلمات مقتضبة والتنقل بين الروابط، يريد "غوغل" من المستخدم أن يشرح مشكلته كاملة، ويدعمها بصورة أو ملف أو مقطع فيديو، ثم يتلقى إجابة مركبة قد تنتهي بتنفيذ المهمة نيابة عنه.
بهذا التحول، لم يعد البحث مجرد وسيلة للوصول إلى صفحات الإنترنت، بل صار حوارا مع نظام ذكاء اصطناعي يفهم المقصود، ويجمع المعلومات، ويقارن البدائل، ويصمم استجابة تلائم السؤال، ثم يقود المستخدم إلى قرار أو عملية شراء أو متابعة تلقائية لموضوع يهمه.
هكذا يسعى "غوغل" إلى تحصين أكثر منتجاته أهمية وربحية أمام صعود روبوتات المحادثة، لكنه يدفع الإنترنت في الوقت نفسه نحو مرحلة تصبح فيها الإجابة التي يولدها الذكاء الاصطناعي أكثر حضورا وتأثيرا من المواقع التي استند إليها في إنتاجها.
نهاية عصر الكلمات المفتاحية
على مدى أكثر من ربع قرن، تعلم مستخدمو الإنترنت مخاطبة محركات البحث بلغة مقتضبة ومصطنعة. فبدلا من كتابة "أبحث عن فندق هادئ مناسب للأطفال، قريب من وسط روما، ولا يتجاوز ميزانية محددة"، اعتادوا اختزال طلبهم في كلمات مثل "فنادق روما أطفال رخيصة".
فرضت محركات البحث القديمة هذا السلوك، إذ اعتمدت أساسا على مطابقة الكلمات المفتاحية وترتيب الصفحات وفق الروابط والإشارات المحيطة بها. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيتيح للمستخدم أن يكتب كما يتحدث، وأن يجمع داخل سؤال واحد شروطا متعددة، بل ومتعارضة أحيانا.

