يرتكز مشروع الروائي العراقي أحمد سعداوي على محاولة مستمرة وجسورة لتفكيك البنية النفسية والتاريخية للمجتمع العراقي، متخذا من الفانتازيا والواقعية السحرية أدوات تشريحية لملامسة جروح الذاكرة الجمعية. في أحدث رواياته "القبو" (منشورات نابو، بغداد)، لا يبتعد عن مناخه الأثير، بل يعمقه، إذ يحول "القبو" من مجرد حيز مكاني معتم شيد تحت الأرض هربا من بطش الديكتاتورية، إلى استعارة كبرى لبلد بأكمله يعيش في عزلة ضبابية يسميها "عالم البين" – ذلك الفضاء البرزخي الذي تلتقي فيه ظلال الماضي بجراح الحاضر.
يتخذ السرد بنية زمنية مشدودة وسريعة، مؤطرة بين الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2019 والخامس والعشرين منه، وهي الفترة التي شهدت اندلاع شرارة التظاهرات العراقية ضد الحكومة.
هذا الحاضر الملتهب يمثل لحظة الانفجار ومحاولة الخروج إلى الضوء، لكنه يظل مشروطا ومثقلا بإرث سلالة ممتدة من الخوف، يتتبعها سعداوي عبر أربعة أجيال، تبدأ من الجدة إفطيم وتنتهي بالأحفاد المعاصرين.
رمزية القبو وجغرافيا "عالم البين"
يمثل "القبو" الحاضن المكاني والرمزي لأزمات الرواية. إنه ليس مجرد ملجأ خرساني، بل هو تجسيد مادي لـ"الخوف المتوارث". في هذا الفضاء، يبتكر سعداوي "عالم البين" من خلال الصوت الهادر لـمنيجل، وهو فضاء غرائبي لا يستعيره أو يستلهمه من عوالم الجن والغيبيات من الموروث الشعبي أو من حكايات ألف ليلة وليلة كما هو مألوف، إذ بنى فضاء خياليا سماه "عالم البين"، مستندا بشكل مباشر إلى النص القرآني وتفاسيره لرسم صورة الجان وعلاقتهم بالبشر."عالم البين" في الرواية هو الهامش الضيق الذي يعيش فيه الفرد ممزقا بين رغبة عارمة في الانعتاق، وقوة قاهرة تشده إلى القاع.
أما التوقيت الزمني (2019)، فيفرض مفارقة حادة، فالشارع في الخارج يغلي بمحاولة هدم الجدران ونيل الحرية، بينما الشخصيات في الداخل (القبو) تعيش مراجعاتها واعترافاتها الكبرى، وكأن الخروج إلى الشارع والمطالبة بالحقوق المشروعة يتطلبان أولا تصفية الحساب مع قبو الذاكرة.



