رحل الموسيقار المصري هاني شنودة عن ثلاثة وثمانين عاما، كرس جلها في خدمة مشروع صناعة مزاج مصري عالمي في الموسيقى والأغنية. وكان فاتح الطريق أمام كل ما نجح واستقر من بعده من أنماط ومشاريع، ومؤسسا لمشروعية موسيقات وتعابير ومغامرات فنية وتعبيرية ما كان لها أن تجد طريقها إلى النور لولا مغامراته التأسيسية.
ولعله من الإجحاف، مقاربة منجز الموسيقار الراحل بارتباطه بظهور أسماء نجوم مثل عمرو دياب ومحمد منير، لأن ذلك يحجب العناصر الأصلب والأكثر تماسكا في مشروعه، الذي كانت الأغنية نوعا من سياق تنفيذي له، وهو الحرص على إنتاج أعمال يتجلى فيها الامتزاج المتناسق بين أنماط مغايرة من الموسيقى، وصب كل ذلك في قلب مشروع لا يغادر محليته أبدا.
المتعدد
ولعل مصادر السمع والتربية الموسيقية المتعددة التي أتيحت له، منحته ذلك الانحياز إلى التعددية والخصب والتلاقح منذ طفولته. إذ إن الموسيقار المولود لأسرة قبطية في طنطا، طور ذائقته الموسيقية استنادا إلى مصادر شديدة الثراء والتنوع والاختلاف، تجمع بين الترانيم الكنسية وحلقات الذكر والموالد وأغنيات أم كلثوم التي كانت ترددها والدته، وعزف الفرق اليونانية في النوادي التي كانت منتشرة في صباه، وانتشار أعمال الفرق الموسيقية مثل "البيتلز" وموسيقى "الروك" و"الجاز".
عمل شنودة على توظيف كل تلك العناصر وتسييلها داخل مشروع تحديثي غربي الملامح مصري الهوية، فبدا الغربي في تجربته أقرب إلى المنتج المحلي الشعبي المألوف، لأن المصادر الغنية والغزيرة التي أدخلها في تكوين موسيقاه وأغنياته لم تكن قابلة للتفكيك وفصل عناصرها بعضها عن بعض وردها إلى أصل ما، ولكنها بدت دائما كتلة واحدة منسجمة متصلة مشحونة بدلالات إعادة الإنتاج والتمصير التي شكلت خصوصيته الفريدة، والتي فجرت مجال التجريب في المنطقة العربية، وأتاحت ظهور تيارات ومدارس لا تزال تشكل العناصر السمعية الأكثر ألفة من ناحية، والأكثر قدرة على الاستجابة الدائمة لمتطلبات التحديث وإعادة الإنتاج.
لذا كان عمله كله اختبارا دائما لإمكانات مجهولة، من بداياته مع الفرق الغربية في الستينات، وصولا إلى تأسيس فرقة "المصريين"، وصناعة بدايات محمد منير وعمرو دياب، وتطوير أغنيات أحمد عدوية، وتقديم نجاة بشكل جديد، وكتابة موسيقى الأفلام، وتأليف موسيقى بحتة، والاعتراف بتجارب شابة جديدة في سنواته الأخيرة.
طنطا: فضاء التعددية الرحب
الموسيقار المصري المولود عام 1943 في طنطا كان، وفق ما يردد دائما في مذكراته وتصريحاته، شخصا محظوظا، إذ أن تلك المدينة كانت تمثل، في رحابة عيشها ومصادر أصواتها وموسيقاها المتعددة، نموذجا لما سيكون عليه مشروعه.
وقد شكل ذلك الفضاء الذي يحتضن مجموعة مختلفة من الموسيقات والأصوات بتآلف وانسجام وتناغم، المصدر الخاص والحميم لكامل تجربة شنودة، ونموذجا يردد أصداء مفهوم اللقاء كما صاغه ميلان كونديرا، الذي كان يؤمن أن العمل الفني لا يولد من عبقرية مستقلة ومعزولة، بل من خلال اللقاء المتمثل في لحظة تقاطع بين عوالم وتجارب لا تربطها ببعضها أي صلة سابقة. فالفنان لا يكرر ما يتلقاه، ولكنه يدمجه داخل مشروعه، فينتج من اللقاء عمل جديد وطازج. ويتجلى ذلك بوضوح في ما تميز به شنودة من قدرة على الجمع بين الشرقي والجاز والإيقاع الشعبي والدرامز الحديث.


