3 كتب تشكيلية تتناول التقاليد الفنية الإسلامية والمسيحية والتراث العربي

من رسم الإمام علي إلى الأيقونات المسيحية

3 كتب تشكيلية تتناول التقاليد الفنية الإسلامية والمسيحية والتراث العربي

صدرت عن دار "خطوط وظلال" في الأردن ثلاثة كتب في الفن التشكيلي يتناول اثنان منهما الفروقات والقواسم المشتركة بين التقاليد الإسلامية والمسيحية، في حين يتناول الثالث حضور الجماليات التراثية في التشكيل العربي المعاصر.

تصاوير ودلالات

إلى عقود قريبة كانت الصور المتخيلة للإمام علي بن أبي طالب تنتشر في معظم الأسواق العربية والإسلامية، قبل أن تنتشر فتاوى من بعض رجال الدين تحرم تجسيد خلفاء النبي محمد، لكن الصور، بالرغم من ذلك ظلت حاضرة في أكثر البلدان الإسلامية.

في كتابه "تصاوير الإمام علي- مراجعها ودلالاتها التشكيلية"، يبحث الكاتب العراقي شاكر لعيبي الحضور الاجتماعي لهذه التصاوير، حسب توصيفه، في عدد من البلدان الإسلامية مقارنا إياها بفنون مسيحية عدة، كما يبحث في تصور مؤلفي الكتب التراثية العربية لشكل الإمام علي.

ينوه لعيبي في مقدمة دراسته إلى أن لا شأن لمقاربته بأي نزوع ديني قبولا أو رفضا وأن ما تهتم به "هو الطبيعة التشكيلية والتاريخية والمغزى الجمالي لمجموعة من الصور التي قدمت الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، على طول وعرض العالم العربي". فدرس تشكل هذه الصورة في الفن الفطري التونسي وفي الفن الفطري السوري المتمثل بأبي صبحي التيناوي (1888- 1973)، وفي مصر والسودان والمغرب الأقصى والعراق ومناطق كثيرة من الخليج العربي، وفي إيران وتركيا وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها من البلدان الإسلامية.

يمهد الباحث لاستنتاجاته في تصنيف مثل هذه الأعمال الفنية، فيعرف الفن الشعبي والفن الفطري والفن الفظ. ويرى أن "فن تصوير الشخصيات الدينية التي تعنينا يقع في مرحلة بين الفن الشعبي والفن البدائي الفطري. وهذه المرحلة تشير إلى أن الفن في الثقافة العربية يستلزم مصطلحات إجرائية خاصة به، ولا يحتمل بالضرورة نقل وتطبيق المصطلح الغربي".

يتتبع الباحث انتشار تصاوير الإمام علي جنبا إلى جنب تصاوير الفارس عنترة وملاحم بني هلال، ورسمه أحيانا مع زوجته فاطمة والحسن والحسين. ويشخص الصور من زوايا فنية، حيث يلاحظ تعدد أساليب الرسم بين التلوين البهيج والمساحات المسطحة، وحضور تقاليد محلية وأيقونية شرقية. فتظهر التصاوير سيفه الشهير ذا الفقار وتحتفي "ببطولته الشخصية وشجاعته وورعه". وتختلف التصاوير حسب البيئة، فأحيانا يظهر الإمام علي باللون الأسود، أو مع أحد أفراد عائلته، جالسا أو واقفا، أو إلى جوار أسد، والرمزية في ذلك تمثل "شحنة عالية، فالأسد رمز الشجاعة والقوة والنبل، وقد كان رمزا للإمبراطورية البابلية القديمة والجديدة". وفي مصر يبدو أبو الهول أسدا رأسه إنسان. وهناك في التقاليد المسيحية النبي دانيال الذي لم يضره الأسد ولبوته، وذكرت قصته في كتب عربية ومرويات تعود إلى القرن الأول الهجري.

يقارن المؤلف بين نموذج الأيقونة البيزنطية للمسيح والتخيلات المرسومة للإمام علي، بتفاصيل تاريخية وجمالية مهمة

ويظهر الكتاب تأثير زمن الرسم على هيئة الملابس أو الشكل، فيجد في لوحة التيناوي نسق اللباس العثماني، "السروال والجزمة والحجاب على الوجه"، والتأثير نفسه سيبدو مختلفا مع الرسوم المصرية التي تذكر بشخوص السينما في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، فيتخيل الإمام علي على هيئة شيخ بدوي من صحراء سيناء "وعلى وجهه ترتسم ملامح المرح والأريحية المصرية أكثر من الصرامة المعهودة المكررة في البورتريهات المعروفة".

غلاف كتاب "تصاوير الإمام علي مراجعها ودلالاتها التشكيلية" لشاكر لعيبي

كما يلاحظ المؤلف "أن صورة الإمام علي ممتطيا جوادا هي تقليد يمتد من سوريا إلى غرب العالم الإسلامي، بينما صورته المقدمة على شكل بورتريه هي الأكثر انتشارا في العراق ولبنان وإيران وشبه القارة الهندية". وعادة ما تبدو البورتريهات في حال تبجيل من خلال النظرة الثابتة والزي المرتب والهالة المشابهة لتقاليد الرسم البيزنطي. وهنا يتتبع كيفية تحول الرسومات من التماثل مع الواقعي إلى التصور التخيلي.

عمل الفنان الفطري، كما قال الباحث، على تحديد معاني الصورة المرسومة، لذا كان عليه وسمها بالجمود "بحيث لا تحتمل إلا معنى وحيدا يريده. وهذا ما يفسر لنا ثبوتية تلك الصور وتكرار الوضعيات فيها". ويفترض أن هناك سببا آخر للجمودية يعود الى الأصول البيزنطية لبورتريه الإمام علي.

ويرى الباحث أن تصاوير الإمام علي تمتد إلى زمن متقدم، وأول ذكر لها "نجده عند المعتزلي ابن أبي الحديد سنة 1246م". ويقارن بين نموذج الأيقونة البيزنطية للمسيح والتخيلات المرسومة للإمام علي، بتفاصيل تاريخية وجمالية مهمة. ويورد ما قاله المؤرخون، ومنهم الأزرقي (نحو عام 864م)، من أن بعض الأماكن الإسلامية المقدسة كانت مزينة بهذا النوع من الأيقونة أو الأيقونية وأن النبي محمد أمر بطمس تلك الصور.

وناقش الباحث نظرة رجال الدين إلى الرسم عامة ورسم النبي والإمام علي والحسين خاصة، إذ يظهر أن هناك اختلافا في الآراء من خلال تحديد ما يجوز وما لا يجوز في الرسم.

SABAH ARAR / AFP
طفلان عراقيان أمام لوحة للإمام الحسين في مدينة الصدر ببغداد

بين الصورة المسيحية والإسلامية

لا يبدو كتاب "قضايا الصورة في العصر الوسيط بين المنظورين المسيحي والإسلامي" بعيدا زمنيا أو موضوعيا عن الكتاب السابق، فالكتاب الذي ألفه الباحث المغربي عبدالله الشيخ وصدر أخيرا عن دار "خطوط وظلال" في الأردن يقدم مقارنة بين المنظورين من خلال البحث في العلاقة بين الفنين الإسلامي والمسيحي وما نتج منها من تراث جمالي مشترك "فكلا من المسيحية والإسلام ظهر في المشرق وورث الحضارات السابقة، وتداخل وتكيف معها، وأعاد إنتاج مؤسساته الفنية وفقا لذلك"، بحسب قول مقدم الكتاب الفنان العراقي سلام جبار.

يرى جبار أن الفن لم يكن نتاجا معزولا "بل مرآة عاكسة لحركة التجارة والفتوحات والتعايش الثقافي في مناطق التماس كالأندلس وصقلية وبلاد الشام ومصر". والتداخل الفني "لم يقتصر على الاستعارة، بل وصل إلى مرحلة الاندماج والإبداع المشترك، حيث أسهم كل فن في صقل وتطوير الآخر". ويلاحظ جبار أن تطور فن الزخرفة في الفن الإسلامي كان متطلبا لا بد منه "لخلق معادل موضوعي يغطي محددات التحريم"، فظهرت الزخارف الهندسية المعقدة (التوريق والتشابك)، والزخارف النباتية والأرابيسك، والخط الكوفي والقيرواني.

ويبرز الشيخ في الفصل الأول من الكتاب علاقة الدين بالتواصل البصري خاصة في بعده التشخيصي، فالتعبير الأيقوني لدى الكاثوليكية يندمج في الفضاء الكنائسي "باعتباره نصا بصريا موازيا للنص المقدس وتوضيحا له". في حين أن الدين الإسلامي الذي تناول مواقفه المعرفية والجمالية من الصورة في الفصل الثاني "كان محترزا من سلط الصورة التشخيصية على الطريقة الغربية والوثنية، منتصرا للتعبير التجريدي والتأويل الذهني والنظر القلبي على الطريقة الصوفية".

Amir MAKAR / AFP
قبة كنيسة باناغيا خريسليوسا المزينة بأيقونة المسيح في أثيينو بقبرص

ومن أهم ما وصل إليه الباحث في ثوابت التواصل الرمزي في العصر الوسيط الذي يمتد من القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر الميلادي أن قضايا "التشخيص والتمثيل" ارتهنت "بفكرة الصورة المقولبة والمصبوغة التي تمثل الميت خلال الجنازة".

كان تطور فن الزخرفة في الفن الإسلامي متطلبا لا بد منه لخلق معادل موضوعي يغطي محددات التحريم

ويتتبع المؤلف تحولات هذه النظرة لاحقا وما يقابل ذلك من آراء لدى بعض الفلاسفة مثل أفلوطين الذي ولد في مصر عام 205م، وأبو حيان التوحيدي والفارابي، وبالذات نظرتهم للعلاقة بين الفن والطبيعة وتصورهم للفن كصناعة.

ويبحث المؤلف في تقاليد التصوير والرموز المستخدمة خلال تلك الفترة وكيف كانت التعاليم المسيحية تعطي أهمية لصورة المسيح باعتبارها تدفع إلى طريق الفضيلة. في وقت اقترنت فيه الصورة المسيحية "بطقس الهالة أو الإشعاع الذي جعل منها أسطورة جماعية ذات تأثير سحري لأنها تنتمي لزمن ثابت هو زمن الاعتقاد والعاطفة والحياة الروحية بشكل تجاوز بنيات العقل والتقدم التقني". ولذا اعتبرت المسيحية التواصل عبر الصور "مجالا حيويا لتمثل جوهر الرب والبشر، لا تدنيسا للأصل وانزياحا عنه".

 من جانب آخر يفصل الباحث النظرة الصارمة التي تعاملت بها الديانة اليهودية مع الصورة والفعل التصويري كشر، "اللعنة على من يصنع الصورة المنحوتة"، و"إنهم لضالون أولئك الذين يتعبدون بالصور". فالقمع الطهراني للصور "يعبر عن رفض التعبد بها ورفض وساطتها. ووحدها الكلمة والنفس قادران على خلق صلات وصل مع الإلهي وتمثله في مطلقه".

ويرى أن التواصل عبر الفن الإسلامي ظل "مخلصا لبيئته العامة بكل خلفياتها الروحية والفكرية والقيمية". وأن الفن الإسلامي تجلى في أشكال كثيرة أهمها فن العمارة الذي استوعب "مبدأ الوحدانية والتنزيه".

الكتاب كسابقة، مليء بالمعلومات التاريخية والجمالية عن التراث العربي وعلاقته بالفنون المسيحية، وتأثر الفن الإسلامي والمسيحي بحركة الواقع وتواصل المجتمعات.

جماليات تراثية

في السياق نفسه يأتي كتاب "التشكيل العربي المعاصر: جماليات تراثية" للباحث إبراهيم الحيسن. الكتاب يتناول علاقة الفنان العربي بتراثه الثقافي وكيفية الاستفادة من هذا التراث، مستعيدا السجالات التي دارت خلال عقود ماضية بين دعاة الأصالة والمعاصرة. وإذ يقدم وجهات نظر رواد الفن التشكيلي العربي حول هذه الإشكاليات فإن الكتاب يعد مرجعا مهما للتحولات الفنية في العالم العربي خلال القرن العشرين الى الآن.

غلاف كتاب "التشكيل العربي المعاصر- جماليات تراثية"

البحث مقسم ستة أقسام، تناول الباحث فيها العلاقة الجمالية بين الفن التشكيلي والتراث من خلال الحركات التشكيلية العربية. ورأى من ضمن تعريفه لهذه العلاقة أن الفن قد يتحول "إلى جزء من التراث، كما في المقتنيات ومجموعات المتاحف من اللوحات والمنحوتات والقطع الفنية التي تمثل جزءا من التراث الفني والثقافي للبلد"، وأنه من خلال الفن "تتاح للأفراد فرصة استكشاف تراثهم الثقافي والاحتفاء به، والحفاظ على التقاليد والإرث للأجيال القادمة. سواء من خلال الأشكال التقليدية للفن الأصلي أو التعبيرات المعاصرة المتأثرة بالاتجاهات العالمية".

ودرس الباحث الإمكانات الجمالية في التراث العربي التي يمكن أن تكون مادة لتجارب فنية معاصرة، فقد غطت الفنون الإسلامية "مجالا واسعا للغاية شمل الأعمال الفنية المزخرفة والمصاحف المزينة والأماكن المقدسة والنحت والمعمار والخزف وكذلك الفنون الرسومية والمواد الأثرية، إلى جانب فن المنمنمات الإسلامية". والفنون في العالم العربي قبل القرن العشرين كانت في شكل "حرف ومشغولات يدوية متنوعة تلبي حاجيات الحياة الأساسية، أبدعها الصناع التقليديون العرب بمهارة يدوية عالية، كالمنتوجات المعدنية (نحاسية وفضية، من ذلك صياغة الحلي) المزينة بنقوش جميلة وبديعة، وكذلك المطروزات وصناعة الأواني الطينية والأسلحة التقليدية ونقش الخشب ودباغة الجلود وتنميقها وخياطة وصباغة الألبسة والمنسوجات وأعمال الجص والزليج والفسيفساء والقيشاني".

كما بحث في تجارب أعمال فنية في تونس والمغرب والجزائر وسوريا، وتأسيس الجماعات الفنية في بغداد والقاهرة وغيرهما، فقرأ بياناتها ومفاهيمها في التعامل مع التراث أو رؤيتها للحداثة.

GIUSEPPE CACACE / AFP
زائرة في متحف الخط العربي بالشارقة

وتناول الباحث تجارب الحروفية العربية في محاولة لإيجاد علاقة فنية بالتراث، من خلال "تحويل الحرف العربي إلى مفردة تشكيلية بعد تجريده من دلالاته اللغوية والأدبية وتجاوز قواعد كتابته".

تناول الباحث تجارب الحروفية العربية في محاولة لإيجاد علاقة فنية بالتراث، من خلال تحويل الحرف العربي إلى مفردة تشكيلية

وقارب مجموعة من التجارب التشكيلية العربية ومدى عكسها لمفاهيم الخصوصية الثقافية والتراثية للمجتمع "حيث صورت اللوحات مشاهد من الحياة اليومية، الفروسية، المعمار التقليدي، الأسواق، مشاهد البحارة والمزارعين، الأزياء والأردية، الأحداث التاريخية والأساطير والقصص الشعبية بأساليب واقعية وانطباعية حسية".

واهتم الباحث بالتجربة التجريدية في التشكيل العربي المعاصر وظروف نشأته وصلته بالتراث الجمالي الإسلامي "مع التركيز على التجريد الهندسي والرموز والعلامات وكذا الحروفية والكاليغرافيا العربية". وتناول تجارب فن النحت والخزف الفني والجدرانيات. وخصص القسم الأخير لموضوع التراث والوسائط الجديدة في التشكيل العربي المعاصر.

font change