صناع الأسلحة الإسرائيليون أمام مأزق تسويقي

يكشف معرض للأسلحة في باريس كيف تدفع ردود الفعل العالمية قطاع الصناعات الدفاعية الإسرائيلي المزدهر إلى إعادة تكييف نفسه

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
تظهر الصورة مركبة "فينريس" الجديدة للشركة الفرنسية "أركوس" لتصنيع المدرعات، العضو في مجموعة "جون كوكريل" البلجيكية، خلال معرض "يوروساتوري" للدفاع والأمن في مركز باريس-نور فيلبانت للمعارض قرب باريس، في 16 يونيو 2026.

صناع الأسلحة الإسرائيليون أمام مأزق تسويقي

غالبا ما توصف شركة "هيفن إيروتك"، المتخصصة في تصنيع المسيرات العاملة بالهيدروجين، بأنها أول شركة إسرائيلية ناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع تكسر حاجز المليار دولار، لتدخل بذلك نادي ما يسمى شركات "اليونيكورن"، لكن عندما اقتربت الشهر الماضي من جناح الشركة في معرض "يوروساتوري" للأسلحة وسألت عن مقرها الرئيس، أجاب ممثلها بنبرة مرحة: "دولِس-فرجينيا".

ولم تكن إجابته بعيدة عن الحقيقة، فقد افتتحت "هيفن" مقرها الجديد في الولايات المتحدة العام الماضي، كما أكسبها إبراز هويتها الأميركية داخل المعرض ميزة ضمنية، إذ أفلتت من مصير العارضين الإسرائيليين المجاورين، بعدما عزلت أجنحة كثير منهم عن القاعة الرئيسة، في ظل خلاف متواصل بين فرنسا وإسرائيل بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان.

وسلط الجدل الذي أحاط بمعرض "يوروساتوري" الضوء على مفارقة تزداد وضوحا مع الوقت، فالانتقادات الدولية لحروب إسرائيل جعلت تسويق أسلحتها أكثر صعوبة، من دون أن تنجح في الحد من الطلب العالمي عليها، وفي المقابل، كاد قرار فرنسا عزل الشركات الإسرائيلية خلف حواجز داخل المعرض أن يحول نقاشا مشروعا بشأن النزاعات العسكرية إلى مشهد عبثي بالغ الغرابة.

وأبلغت الحكومة الفرنسية إسرائيل قبيل انطلاق المعرض بأن ممثليها الرسميين لن يسمح لهم بالحضور، وأن شركاتها لن تتمكن من عرض أسلحة هجومية، وبدا هذا القيد أقل صرامة من الحظر الشامل الذي فرضته فرنسا عام 2024، قبل أن تقضي المحاكم الفرنسية لاحقا بأن ذلك الإجراء ينطوي على تمييز، لكن قبل وقت قصير من افتتاح الدورة الحالية لمعرض "يوروساتوري"، فتش مسؤولون فرنسيون الأجنحة للتحقق من امتثال الشركات الإسرائيلية، ويبدو أن نتائج التفتيش لم تكن مقنعة، ما دفع منظمي المعرض إلى إقامة حواجز عازلة حول عدد كبير من مساحات العرض الإسرائيلية.

أبلغت باريس إسرائيل بأن المعروضات يجب أن تقتصر على معدات الدفاع الجوي والدفاع المضاد للصواريخ لئلا تروج لأسلحة قد تستخدمها إسرائيل في غزة أو لبنان والضفة

وأوضحت وزارة الدفاع الفرنسية، في ردها على أسئلة مجلة "فورين بوليسي"، أنها أبلغت إسرائيل بوضوح أن المعروضات يجب أن "تقتصر على العتاد والمعدات المرتبطة بالدفاع الجوي والدفاع المضاد للصواريخ"، وفي معرض تبريرها لهذه السياسة، أدانت الوزارة هجوم "حماس" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى مخاوف بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، فضلا عن عنف المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية.

وقالت وزارة الدفاع: "انطلاقا من دعمنا التوصل إلى حل سياسي للنزاعات، لا نصدر أسلحة قد تستخدمها إسرائيل في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان، ولا نقبل بالترويج لمثل هذه الأسلحة على أراضينا".

(رويترز)
يظهر الجناح المغلق لشركة "إلبيت سيستمز" بعد إغلاق المنظمين للأجنحة الإسرائيلية الرئيسة الأربعة في معرض باريس الجوي، خلال الدورة الخامسة والخمسين للمعرض في مطار لوبورجيه قرب باريس، فرنسا، في 16 يونيو 2025.

وأثارت القيود الفرنسية احتجاجا فوريا من إسرائيل، التي اتهمت فرنسا باستهداف "المنظومات الدفاعية الهجومية الإسرائيلية" من دون مسوغ، ويكشف هذا التعبير، على أقل تقدير، مدى صعوبة الفصل بوضوح بين الأسلحة الهجومية والدفاعية، فما يعده طرف صاروخا هجوميا، قد يراه طرف آخر وسيلة دفاعية للتصدي للطائرات المسيرة.

وتمكنت بعض شركات الدفاع التي أسسها رواد أعمال إسرائيليون، ومن بينها "هيفن"، من تجنب هذه السجالات بعدما بدأت تقدم نفسها بوصفها شركات أميركية، فعرضت شركة "شيفترز" للروبوتات، التي تتخذ من واشنطن العاصمة مقرا لها، ابتكاراتها في معرض "يوروساتوري" من دون أي إشارة واضحة إلى جذورها الإسرائيلية، وعلى مقربة من الأجنحة الإسرائيلية المعزولة خلف الجدران، كان الحاضرون يحتسون الشمبانيا والنبيذ في حانة داخل جناح شركة "أونداس" الأميركية، التي استحوذت على أكثر من ست شركات إسرائيلية تعمل في مجال الطائرات المسيرة، وعرضت تقنياتها بصورة بارزة في أنحاء المعرض.

وقال أحد ممولي الشركات الناشئة، خلال اتصال أعقب المعرض: "الحقيقة أن الجميع يحاولون الظهور بمظهر أميركي، وأن يوحوا بذلك في الشكل والإحساس والرائحة والمذاق" ، وطلب المستثمر عدم الكشف عن هويته بعدما تلقى تهديدات مرتبطة باستثماراته في إسرائيل.

شركات ناشئة في تكنولوجيا الدفاع باتت تسجل أعمالها في الولايات المتحدة، متخلية فعليا عن هويتها الإسرائيلية

وقد يصعب على من هم خارج قطاع الدفاع تصور معرض للأسلحة يجري فيه استبعاد أنواع بعينها من العتاد، فهذه الفعاليات دأبت منذ زمن طويل على الجمع بين تجارة السلاح والحرب، كما لا تكاد توجد عبارة تسويقية أكثر إقناعا من القول إن السلاح "مجرب في ميدان القتال" ، وقد سجلت أكثر من 80 شركة أوكرانية حضورا لافتا في معرض "يوروساتوري" ، رافعة شعارات من قبيل "الاستقلال ينتزع ولا يمنح" و"الحب من الضربة الأولى".

وكان جناح شركة "فاير بوينت" الأوكرانية من أبرز الأجنحة ضمن المعرض، فقد نظمت الشركة فعالية يومية أطلقت عليها اسم "مقبلات صاروخية"، وعرضت خلالها نموذجا ورديا فاقع اللون لصاروخ كروز "فلامنغو" يطلق من الأرض، تعلوه دمية محشوة لطائر فلامنغو يحمل صاروخا.

تنظر الحكومات الأوروبية إلى الحرب التي تخوضها أوكرانيا بوصفها حربا عادلة، لكنها لا تنظر إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية بالمنظار نفسه، فقد أثارت الحرب في غزة والعمليات العسكرية في لبنان غضبا واسعا، حيث تجاوز عدد القتلى في غزة 73 ألفا، بحسب السلطات الصحية المحلية، كما فرضت كندا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا قيودا على صفقات السلاح والتعاون العسكري مع إسرائيل، وحتى في الولايات المتحدة، أقرب حلفاء إسرائيل، يتراجع التأييد الشعبي لها تدريجيا، وسط دعوات متزايدة من بعض السياسيين إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة الثنائية.

(رويترز)
نماذج لقنابل "إس إم هامر 250 إكس إل آر" و"1000 إكس إل آر" بعيدة المدى من إنتاج شركة "سافران"، معروضة في معرض "يوروساتوري" الدولي للدفاع والأمن البري والجوي في فيلبانت قرب باريس، فرنسا، في 16 يونيو 2026.

وعادة ما تحاول الشركات الإسرائيلية التقليل علنا من وطأة هذه التداعيات السياسية، لكن قطاع الصناعات الدفاعية يعيد ترتيب نفسه للتكيف معها بوضوح، فكثير من الشركات الناشئة الجديدة في مجال تكنولوجيا الدفاع باتت تسجل أعمالها في الولايات المتحدة، متخلية فعليا عن هويتها الإسرائيلية، وقال المستثمر: "تبدأ الشركة بتعيين مسؤول عن أعمالها في الأميركتين، ثم تحذف لاحقا كلمة (الأميركتين) من لقبه، فيصبح رئيسا للشركة كلها، من دون أن يلحظ أحد هذا التحول".

وزارة الدفاع الإسرائيلية تشير إلى أن صادرات الأسلحة سجلت في عام 2025 رقما بلغ 19.2 مليار دولار، بزيادة قاربت الثلث مقارنة بالعام السابق.

ولا يعود اتجاه شركات الدفاع الإسرائيلية لنقل أعمالها إلى الخارج إلى تراجع التأييد للعمليات العسكرية وحده، فمنذ عام 2023، بدأت شركات تكنولوجية ناشئة كثيرة بتأسيس كيانات قانونية في الولايات المتحدة، بالتزامن مع مساعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني لإقرار تعديلات قضائية أثارت مخاوف واسعة بشأن سيادة القانون، وحذر معارضو هذه التعديلات من أنها قد تضعف حماية حقوق الملكية الفكرية وتقوض ثقة المستثمرين الأجانب، بما قد يدفع قطاع التكنولوجيا المزدهر في إسرائيل إلى نقل جانب كبير من أنشطته وعملياته إلى الخارج، وربما مغادرة البلاد كليا.

وقال جيدي شالوم بندور، مؤسس شركة "إس كيوب" الاستشارية ورئيسها التنفيذي، وهي شركة إسرائيلية تقدم خدماتها للشركات الناشئة: "شعرت شركات كثيرة بالقلق إزاء الأوضاع في إسرائيل، وفي تلك الفترة اختارت أكثر من 80 في المئة منها التسجيل في ولاية ديلاوير".

ومع ذلك، تباطأت وتيرة هذه الهجرة بعدما انحسرت الأزمة القضائية عن ذروتها، فيما تسعى كبرى شركات الدفاع الإسرائيلية إلى تأكيد متانة مبيعاتها الخارجية، فقد تضاعفت صادرات إسرائيل الدفاعية أربع مرات خلال العقد الماضي، وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أخيرا أن صادرات الأسلحة سجلت في عام 2025 رقما قياسيا بلغ 19.2 مليار دولار، بزيادة قاربت الثلث مقارنة بالعام السابق.

وأكد تومر مالخي، الرئيس التنفيذي لشركة "أسيو تكنولوجيز" الإسرائيلية المتخصصة في أنظمة الملاحة للطائرات المسيرة، أن شركته لم تواجه أي صعوبات في مبيعاتها الخارجية، وقال: "تبدي الأسواق الآسيوية اهتماما كبيرا بالتكنولوجيا الإسرائيلية، ولدينا علاقات قوية وصفقات عديدة مع دول آسيوية لا تعير السياسات الداخلية أو المواقف الأميركية والأوروبية اهتماما كبيرا، بل تبحث ببساطة عن منتج جيد يمكنها الاعتماد عليه".

وأوضح مالخي أن الشركة تلمس اهتماما قويا داخل أوروبا أيضا، ولا سيما من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي الواقعة على جناحه الشرقي، وأضاف أن هذه الدول "تمنح أولوية أكبر بكثير لبناء قدراتها وتحقيق استقلالها وتعزيز قدرتها على الصمود، مقارنة باهتمامها بالاعتبارات السياسية".

من جهته، أعرب بوعاز ليفي، رئيس شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية المملوكة للدولة، عن استيائه من الإجراءات الفرنسية في معرض "يوروساتوري"، لكنه لم يعدها عقبة كبيرة، فقد كانت شركته من بين الجهات الإسرائيلية التي لم تُحط أجنحتها بجدران عازلة، وإن اقتصرت مشاركتها على عرض مجموعة محدودة نسبيا من منتجاتها.

وقال ليفي عقب المعرض: "لا نقبل بذلك، ونرفض هذا النوع من المعاملة، لكن المصالح التجارية لها حساباتها، وقد جئنا إلى باريس للقاء حلفائنا وكثير من الشركات والعملاء، وهذا ما فعلناه بالفعل".

font change

مقالات ذات صلة