لا يزال الاتفاق النووي الأميركي - السعودي ممكنا

رهانات موازين القوى النووية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان يشاهدان عرضا جويا لطائرات عسكرية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض بواشنطن، 18 نوفمبر 2025

لا يزال الاتفاق النووي الأميركي - السعودي ممكنا

سارع سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، وهو من أكثر شخصيات إدارة الرئيس دونالد ترمب اتزانا في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية، إلى الظهور في مقابلتين مباشرتين نهاية الأسبوع الماضي على برنامجي "واجه الأمة" و"التقِ بالصحافة"، في محاولة لإطفاء الحرائق التي أشعلها شرط مفاجئ أضافه ترمب في اللحظة الأخيرة إلى الاتفاق النووي الموقع حديثا مع المملكة العربية السعودية.

كتب ترمب على منصة "تروث سوشيال": "الاتفاق النووي المدني (لن يكون هناك أي تخصيب للمواد) الذي يجري بين وزارة الطاقة الأميركية والسعودية، والذي يقتصر على الاستخدام غير العسكري على غرار ما تمتلكه إيران والإمارات (وغيرهما)، سوف يُقرّ، ولكنه سيكون مشروطا تماما بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية المرموقة والناجحة جدا".

في المقابلتين، أيد والتز الاتفاق، لكنه أعاد التأكيد على شرط رئيسه: على السعودية أولا أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل حتى تجني ثمار شراكة "تمتد لعقود وتساوي مليارات الدولارات".

جاء كلام ترمب بعد توقيع الاتفاق في 22 يوليو/تموز بين وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان. ويمكن بسهولة تصور رد الفعل السعودي تجاه ذلك.

اتهم سيناتور الحزب الديمقراطي كريس فان هولين ترمب باعتماد أسلوب "الخداع والمراوغة" مع الرياض. لكن والتز نفى أي سوء نية، موضحا أن المحادثات بين الجانبين مستمرة منذ سنوات، خلال ولاية ترمب الأولى ثم في عهد جو بايدن، وأن أركان الاتفاق الحالي باتت قائمة، غير أن تنفيذها ظل مرتبطا بموافقة المملكة على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

يتضمن الاتفاق بندا ينص على أنه، عقب دراسة تستمر عامين، قد يسمح للسعوديين، بإذن من واشنطن، بالتخصيب محليا

وفي إطار خطتها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، عرضت إدارة بايدن على الرياض صفقة كبرى: اعتراف سعودي بإسرائيل، مقابل توقيع واشنطن مع المملكة معاهدة دفاع شبيهة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب تعاون في مجال الطاقة النووية المدنية. لكن تلك الصفقة تعثرت لأن إسرائيل رفضت قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو شرط تمسكت به السعودية ولا تزال.

أما الخلاف الثاني حول الاتفاق فيتعلق بما إذا كان سيتيح للسعودية تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها في مرحلة لاحقة. وقد سارع خصوم ترمب إلى إثارة هذه المسألة، لأن السماح بالتخصيب المحلي يلقى معارضة في أوساط منع الانتشار النووي. غير أن والتز قال إن الحديث عن السماح به يستند إلى سوء فهم، مؤكدا أن السعودية "ستشتري مفاعلات نووية مدنية من الولايات المتحدة، وستخضع لعمليات تفتيش كاملة، ولن يجري أي تخصيب على أراضيها".

ومع ذلك، يتضمن الاتفاق بندا ينص على أنه، عقب دراسة تستمر عامين، قد يسمح للسعوديين، بإذن من واشنطن، بالتخصيب محليا. وكان ذلك كافيا لدفع الديمقراطيين إلى إطلاق تحذيرات من سباق تسلح نووي في المنطقة.

ا.ف.ب
وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال توقيع اتفاقيات ثنائية في الرياض، ضمن صفقة أسلحة أمريكية- سعودية وصفها ترمب بالأكبر في التاريخ، 13 مايو 2025

فأين يقف الاتفاق النووي الأميركي-السعودي الآن؟ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الاتفاق "ملغى" ما دامت السعودية ترفض الانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية". لكنها، إدراكا منها لتقلب مواقف ترمب، لم تغلق الباب تماما، حين أضافت أن ترمب "هو صانع الصفقات النهائي دائما".

بوسع الإدارة اتخاذ خطوات عملية مع السعودية لتخفيف المخاوف المشروعة. وأول هذه الخطوات نشر تفاصيل الاتفاق كاملة من دون إبطاء، لأن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تكفي

وسوف تحقق الولايات المتحدة مكاسب واسعة محتملة من اتفاق نووي مدني مع السعودية، من بينها توسيع صادرات التكنولوجيا النووية الأميركية، وخلق وظائف مرتفعة الأجور، وتحقيق نمو اقتصادي طويل الأجل، وتعزيز موقع واشنطن في مجالي الطاقة والأمن القومي، وترسيخ معايير الحد من الانتشار النووي عالميا، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع الرياض. كما يمكن لاتفاق كهذا أن يحد من نفوذ روسيا والصين في السوق الهائلة للطاقة السعودية.

وبعيدا عن الضجيج السياسي، يجدر التوقف عند عاملين رئيسين قد يؤخران هذا الاتفاق أو يعرقلانه: مخاوف الانتشار النووي، واشتراط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

منع الانتشار النووي

السعودية بلد غني بالنفط، لكن قيادتها أعلنت منذ سنوات عزمها على توسيع قدراتها في توليد الطاقة خارج نطاق الوقود الأحفوري. ويمكن للطاقة النووية المدنية أن تقلل استهلاك النفط في الداخل، فتتيح توجيه كميات أكبر منه إلى التصدير وتخفض كلفة إنتاج الكهرباء. كما تحتاج مراكز البيانات التي تستثمر فيها المملكة إلى قدر هائل من الطاقة، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بالخيار النووي.

قال وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان في يناير/كانون الثاني 2019 إن بلاده تطمح إلى "استكمال الدورة كاملة، من إنتاج اليورانيوم إلى تخصيبه واستخدامه، وصولا إلى امتلاك التقنيات اللازمة". وفي يناير/كانون الثاني 2023، أضاف أن السعودية تعتزم الاستفادة من مواردها لإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب.

ونظرا إلى إمكان استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض مدنية وعسكرية، أثار هذا الطموح مخاوف في واشنطن، ولا سيما في أوساط منع الانتشار النووي، من أن تكتسب السعودية في نهاية المطاف القدرة على تطوير سلاح نووي. واستباقا لهذه المخاوف، قال الوزير رايت في بيانه الصادر في 22 يوليو/تموز: "اطمئنوا، فهذه الاتفاقيات تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، وتعتمد على أفضل التكنولوجيا والخبرات النووية في العالم، المطورة هنا في الولايات المتحدة". وأضاف وزير الخارجية ماركو روبيو: "لن تبرم الولايات المتحدة أي اتفاق مع أي دولة في العالم يفضي إلى خطر انتشار الأسلحة النووية".

أ.ف.ب
وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث خلال الدورة الـ69 للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر الوكالة بفيينا، النمسا، 15 سبتمبر2025

غير أن هذه التطمينات لا تكفي. فبوسع الإدارة اتخاذ خطوات عملية مع السعودية لتخفيف المخاوف المشروعة. وأول هذه الخطوات نشر تفاصيل الاتفاق كاملة من دون إبطاء، لأن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تكفي، وهو ما غذى الشكوك ومنح منتقديه مادة إضافية للاعتراض عليه.

أما الخطوة الثانية، فتتمثل في إصرار واشنطن، إذا وافقت لاحقا على تخصيب اليورانيوم داخل السعودية، على أن توقع المملكة البروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويمنح هذا البروتوكول المفتشين الدوليين صلاحيات أوسع للتحقق من عدم تحويل المواد أو الأنشطة النووية إلى أغراض عسكرية. والسعودية عضو في المعاهدة، لكنها لم توقع البروتوكول الإضافي.

تمر علاقة ترمب، بل علاقة الولايات المتحدة برمتها، مع إسرائيل بمرحلة تحول، إن جاز التعبير. فالضغوط واضحة وتتجاوز المستوى السياسي

ولا ينبغي لواشنطن أن تستعيض عن الرقابة الدولية بترتيبات ثنائية خاصة، لأن ذلك قد يرسي سابقة تحتذي بها الصين وروسيا في اتفاقاتهما النووية، ويقوّض نظام منع الانتشار العالمي.

المشكلة لا تكمن في التخصيب في حد ذاته، خلافا لما يوحي به منشور ترمب، وإنما في مستوى التخصيب. فإذا ظل عند حدود متدنية جدا، تراجعت مخاطر استخدامه عسكريا. لكن التحقق من تلك الحدود يظل ضروريا، ولا سبيل أكثر موثوقية من رقابة دولية فعالة وغير مشروطة.

ويمكن استبعاد خطر التسلح تماما بمنع تخصيب اليورانيوم، وتوقيع اتفاق تعاون نووي مدني مع الولايات المتحدة بموجب "المادة 123" من قانون الطاقة الذرية الأميركي، على غرار الاتفاق المبرم مع الإمارات والمعروف باسم "المعيار الذهبي". ويفرض هذا النموذج قيودا صارمة، أبرزها التخلي عن التخصيب وإعادة معالجة الوقود النووي داخل البلاد.

غير أن الرياض لا تريد اتفاقا من هذا النوع لأسباب اقتصادية ولاعتبارات تتصل بالمكانة. ومنذ سنوات، يطرح المسؤولون السعوديون سؤالا واضحا: إذا كان مسموحا لإيران بالتخصيب داخل أراضيها، فلماذا لا يسمح للسعودية بالأمر نفسه؟

التطبيع

قد يبدو اشتراط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل كفيلا بإفشال الاتفاق، لكنه قد لا يكون عقبة نهائية، لثلاثة أسباب على الأقل. أولها، أن ترمب يتطلع إلى تحقيق إنجاز كبير في الشرق الأوسط، في وقت لا تبدو فيه الحرب مع إيران ولا النزاع المعقد بين لبنان وإسرائيل مرشحين لمنحه هذا الإنجاز قريبا. لذلك، قد يتراجع بسهولة عن ربط الاتفاق النووي بانضمام السعودية إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية".

وقد فعل ذلك سابقا. فعندما زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واشنطن، وقّع ترمب اتفاقية أمنية أميركية-سعودية تضمنت معظم عناصر المعاهدة الدفاعية، رغم أن ترمب، وكذلك بايدن، كان قد ربط هذا النوع من الاتفاقات بتطبيع الرياض علاقاتها مع إسرائيل.

أ.ف.ب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال منتدى الاستثمار السعودي- الأمريكي في مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية بواشنطن، 19 نوفمبر 2025

ثانيا، يسعى ترمب إلى إنعاش الحظوظ المتراجعة لقطاع الطاقة النووية الأميركي، وتعد الصفقة مع السعودية فرصة مثالية لتحقيق ذلك. فقد شهدت الصادرات النووية الأميركية تراجعا حادا على مر السنين، مع استحواذ الشركات المدعومة من روسيا والصين على جزء كبير من السوق العالمية، بدفع من المنافسة الأجنبية القوية، والتمويل الحكومي السخي، والقيود المحيطة بسلاسل التوريد المحلية.

ثالثا، تمر علاقة ترمب، بل علاقة الولايات المتحدة برمتها، مع إسرائيل بمرحلة تحول، إن جاز التعبير. فالضغوط واضحة وتتجاوز المستوى السياسي. ويرى كاتب العمود في صحيفة "هآرتس" يوشع ليفلر أن "الأركان السياسية والأيديولوجية والاجتماعية التي قام عليها التحالف الخاص طوال نصف القرن الماضي بدأت بالتداعي".

كأي رئيس أميركي آخر، يتمتع ترمب بهامش مناورة واسع في السياسة الخارجية، فهذه طبيعة النظام السياسي الأميركي الذي يمنح صلاحيات جوهرية للقائد الأعلى

والحال أن العلاقة لم تعد بتلك الخصوصية الاستثنائية، نظرا للمخاوف المجتمعية المتزايدة في أميركا بشأن النفوذ الإسرائيلي المفرط في السياسة الداخلية. ولا يعني هذا أن ترمب في طريقه إلى التخلي عن إسرائيل، لكنه أوجد مسافة سياسية كافية تتيح له إبرام صفقة اقتصادية ضخمة مع السعودية تفيد الاقتصاد الأميركي على المدى البعيد.

كما أن الانتخابات الإسرائيلية باتت قريبة. فإذا خسر نتنياهو ائتلافه المتشدد وحلت محله مجموعة أكثر اعتدالا، فقد يتعاونون في قضية الحقوق الفلسطينية، وبذلك يسقط شرط التطبيع السعودي تلقائيا، ويفسح المجال أمام صفقات جادة بين واشنطن والرياض.

هل يملك الكونغرس حق التصويت؟

سوف يحال الاتفاق النووي الأميركي-السعودي إلى السلطة التشريعية لمراجعته. وحالما يفعل ترمب ذلك، سيكون أمام الكونغرس تسعون يوما لإبداء رأيه. والأرجح أن معارضة الديمقراطيين للاتفاق ستكون لأسباب سياسية بحتة، حيث إنهم لم يثيروا سوى القليل من مخاوف الانتشار عندما طرح بايدن الصفقة ذاتها على السعوديين. غير أن ترمب يستطيع استخدام حق النقض، ولن يمتلكوا الأصوات الكافية لإبطال قراره.

 

وكأي رئيس أميركي آخر، يتمتع ترمب بهامش مناورة واسع في السياسة الخارجية، فهذه طبيعة النظام السياسي الأميركي الذي يمنح صلاحيات جوهرية للقائد الأعلى. وكارولين ليفيت محقة حين تقول إن ترمب هو حاسم الأمور في النهاية. لكن عليه أولا تقييم أثر الملف السعودي في موقعه السياسي داخليا قبل انتخابات منتصف الولاية، وكيف يخدم المصالح الاقتصادية الأميركية في الخارج مع تقليل مخاطر الأمن القومي. وللأمانة، فإن الكثير من تلك المخاوف يمكن معالجته عبر الشفافية واستخدام قدر كاف من الدبلوماسية مع السعوديين.

وقد لخصت فيكتوريا كوتس- التي عملت مع ترمب خلال ولايته الأولى في مجلس الأمن القومي وبحثت في إمكانية بيع التكنولوجيا النووية للرياض- لخصت الأمر بدقة حين قالت: "طالما أننا نتابع الموقف عن كثب ونملك الرؤية الواضحة فيه، فأعتقد أنها مخاطرة تستحق المحاولة". وهو تقدير أوافق عليه.

font change