خلف قرنين من الإضافات الرئاسية العدوانية تكمن دعوة راسخة إلى التضامن بين دول نصف الكرة الغربي
(رسم كلايد ديلاند/ غيتي)
نحو عام 1823: الرئيس جيمس مونرو (1758-1831) مع أعضاء حكومته، بينهم وزير خارجيته جون كوينسي آدامز ووزير الحرب جون كالدويل كالهون، وهم يناقشون مبدأ مونرو
أعادت الذكرى السنوية الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة فتح النقاش بشأن معنى أن يكون المرء أميركيا، وكشفت عن وجود روايتين متنافستين، على الأقل، للهوية الأميركية، تنطلق الأولى من تصور تقليدي للهوية الوطنية باعتبارها مشروعا يتمحور حول الدولة، وترسم ملامحه الحدود القانونية والفواصل المادية بين الشعوب، أما الرواية الأخرى، المستندة إلى التجارب والثقافات وحركات الشتات المشتركة، فترى أن صفة "أميركي" تتجاوز الفوارق الوطنية، لتشمل نصف الكرة الغربي بأسره.
برز هذان التصوران للثقافة والهوية الأميركيتين بوضوح في الخطاب العام خلال الفترة الأخيرة، فقد جعلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من سردية الاعتماد على الذات والتمحور حول الدولة ركنا أساسيا في حنينها إلى الماضي، وكما يذكر البيت الأبيض، تهدف برامجه الخاصة بالذكرى السنوية الـ250 إلى "إلهام حب متجدد للتاريخ الأميركي"، في المقابل، تبنى الخطاب الشعبي مفهوما أوسع للثقافة الأميركية، يمتد عبر نصف الكرة الغربي ويحتفي بتقاليد الشتات، بالتوازي مع انتقاده النزعات الإمبريالية للولايات المتحدة.
وقد جسد الفنان باد باني هذا التصور بوضوح خلال عرضه بين شوطي مباراة بطولة سوبر بول الستين، كما وجد صداه في النقاشات المتعلقة باللغة والتاريخ والإنتاج الفني.
طرح الرئيس جيمس مونرو في 1823، خطابا يرفض النفوذ الاستعماري الأوروبي في المنطقة، ولم ينطلق من ادعاء بالتفوق القومي، بل أقر بسيادة الدول الأميركية الناشئة التي ولدت من رحم الثورات الحديثة
عززت الدراسات الحديثة لما يعرف بعصر الثورات هذا التصور الأخير، ويشير هذا العصر إلى المرحلة الممتدة تقريبا من عام 1775 إلى عام 1840، والتي شهدت موجة من الانتفاضات الشعبية ضد الحكم الاستعماري، وقد كشفت هذه الدراسات عن قضايا وروابط وابتكارات سياسية مشتركة امتدت في مختلف أنحاء نصف الكرة الغربي.
وفي كتابي الجديد "عالم جديد من الثورات"، أتبنى هذا النهج أيضا، إذ أضع التقليد الثوري الأميركي ضمن شبكة أوسع من الجماعات والهويات والثقافات التي امتدت من القطب الشمالي إلى باتاغونيا، وتؤكد هذه الروايات التاريخية أن الهويات والأفكار الأميركية أوسع بكثير من الحدود المؤسسية والمادية التي ترسمها الدولة القومية.
ورغم وفرة الأدلة على عمق هذه الروابط بين دول نصف الكرة الغربي، يحرص ترمب على استدعاء تلك المرحلة التاريخية لتبرير تدخل الولايات المتحدة في أنحاء العالم، وقد ربطت البرامج الاحتفالية بالذكرى السنوية الـ250 صراحة بين نهجه القائم على شعار "أميركا أولا" ومبدأ مونرو، وهو أحد مبادئ السياسة الخارجية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وتفسره إدارة ترمب باعتباره إعلانا يمنح واشنطن مسؤولية قيادة نصف الكرة الغربي وحمايته "من الشيوعية والفاشية والتعديات الأجنبية".
ومع أن إدارة ترمب تبدي إعجابا واضحا بمبدأ مونرو، فإنها لا تبدو واعية بما يكفي للسياسات والتواريخ والهويات المرتبطة بنصف الكرة الغربي، وهي العناصر التي شكلت أساس المبدأ والسياق التاريخي الأوسع الذي نشأ فيه.
يشارك أحد مؤيدي الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في مراسم إحياء ذكرى ميلاد بطل الاستقلال سيمون بوليفار (في الصورة)، في المقبرة الوطنية بالعاصمة كاراكاس، في 24 يوليو 2010
يشير مصطلح مبدأ مونرو، كما يعرف اليوم، إلى مجموعة من المبادئ التي طرحها الرئيس جيمس مونرو في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس، في 2 ديسمبر/كانون الأول 1823، وقد رسم مونرو في خطابه تصورا للدفاع عن الأميركيين والأميركتين، اتسم بروح تشمل نصف الكرة الغربي بأكمله أكثر مما اتسم بمنظور قومي ضيق، واستهل خطابه بالقول:
"في المناقشات التي أثارتها هذه المسألة، وفي الترتيبات التي قد تفضي إليها، بدا أن الوقت مناسب لتأكيد مبدأ تتصل به حقوق الولايات المتحدة ومصالحها، وهو أن القارتين الأميركيتين، بحكم ما وصلتا إليه وحافظتا عليه من وضع حر ومستقل، لا يجوز من الآن فصاعدا اعتبارهما مجالا لاستعمار مستقبلي من جانب أي قوة أوروبية".
بعبارة أخرى، افتتح مونرو خطابه برفض النفوذ الاستعماري الأوروبي في المنطقة، مقرا في الوقت نفسه بسيادة واستقلال الدول الأميركية الناشئة التي ولدت من رحم الثورات الحديثة.
وجاءت بقية خطابه منسجمة مع هذا التصور القائم على الروابط والهويات والسياسات المشتركة بين دول نصف الكرة الغربي، فقد تناول المصالح السياسية والمصائر التي تجمع "الإخوة" الأميركيين، وجعل من الترابط بين الدول الأميركية ركيزة أساسية في رؤيته للتحرر من الاستعمار، ومن هذا المنطلق، أشار مذهبه إلى ضرورة إرساء نهج يقوم على الدفاع المتبادل، وخلص إلى أن أي تدخل أوروبي في أي جزء من القارة من شأنه "تعريض سلامنا وسعادتنا للخطر".
ولم تنطلق تصريحات مونرو من ادعاء بالتفوق القومي، بل وضعت التضامن والمسارات التاريخية المشتركة في صميمها، في مرحلة كان فيها التقليد الأميركي المناهض للاستعمار يرسخ جذوره خلال العقد الثاني من القرن التاسع عشر.
تفسر إدارة ترمب مبدأ مونرو باعتباره إعلانا يمنح واشنطن مسؤولية قيادة نصف الكرة الغربي وحمايته "من الشيوعية والفاشية والتعديات الأجنبية"
ولم تكن دعوة مونرو إلى التضامن بين دول نصف الكرة الغربي استثناء في سياسات تلك الحقبة، فقد شهد عصر الثورات صعود خطابات وهويات عابرة للحدود، تشمل القارة بأسرها، إذ رأى عامة الناس وكبار القادة السياسيين أن العقول الأميركية هي التي ستقود مسيرة الابتكار السياسي في "العالم الجديد"، فعلى سبيل المثال، دعا دستور المكسيك لعام 1814 إلى منح المواطنة الشاملة لجميع الأميركيين المولودين في نصف الكرة الغربي، كما احتفت الأعمال الثقافية، ومن بينها المسرحيات التأسيسية مثل المسرحية البيروفية "وطنيو ليما في الليلة السعيدة" الصادرة عام 1821، بتحرر الأميركيين جميعا، لا بتحرر مواطني دولها وحدهم.
تركت هذه الأفكار أثرها في مسار تطور الدول ومؤسساتها، وكما يوضح جوشوا سايمون، أسهمت المصالح السياسية والأيديولوجية المشتركة، على وجه الخصوص، في بلورة تصورات لبناء الأمة الأميركية على هيئة دول جمهورية واسعة النطاق، فقبل عصر الثورات، كان مفكرون أوروبيون، من أمثال مونتسكيو وجان جاك روسو، يرون أن الجمهوريات الصغيرة وحدها قادرة على البقاء. في المقابل، استند مفكرون أميركيون، مثل ألكسندر هاملتون وخوسيه ماريا موريلوس وسيمون بوليفار، إلى الظروف الفريدة التي ميزت الأميركتين ليؤكدوا أن الجمهوريات الكبيرة والمتنوعة ليست ممكنة فحسب، بل قد تكون أيضا أكثر قدرة على الصمود.
ورأت هذه التصورات الطموحة في التضامن بين دول نصف الكرة الغربي وسيلة دفاع في مواجهة عودة الاستعمار، وهي حجة يتردد صداها بوضوح في خطاب مونرو عام 1823.
ولم يكن هذا التضامن حكرا على النخب السياسية، فكما توضح كيتلين فيتز، تابعت الأوساط الشعبية باهتمام نجاح الثورات "الشقيقة" في الأميركتين، ومنها حركات الاستقلال في المكسيك وكولومبيا الكبرى، وبالنسبة إلى مواطني الولايات المتحدة، قدمت انتصارات أميركا اللاتينية دليلا إضافيا على أن القوى الاستعمارية الأوروبية ستعجز في نهاية المطاف عن الاحتفاظ بسلطتها في المنطقة.
وكان الثوار، من فيلادلفيا إلى بوينس آيرس، يتحدثون ويكتبون ويتأملون المصير المشترك للدول الأميركية، ما يجعل من الصعب رد هذا التقارب الأيديولوجي والسياسي الواسع إلى مجرد المصادفة.
تمثال ألكسندر هاملتون في سنترال بارك بمدينة نيويورك. المسرحية الموسيقية "هاملتون" التي تمزج الهيب هوب بتاريخ أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كانت أكثر عروض برودواي رواجا في صيف يوليو 2015
كما تكشف التطورات التي أعقبت خطاب مونرو عن اهتمام بعض القادة الأميركيين الآخرين بإقامة روابط مشتركة مع الولايات المتحدة، ويبرز مؤتمر بنما عام 1826 مثالا على ذلك، إذ سعى إلى جمع دول المنطقة في إطار جبهة سياسية واقتصادية متماسكة لمواجهة التدخل الأجنبي، وخلال التحضير للمؤتمر، احتدم الجدل بشأن دعوة الولايات المتحدة إلى المشاركة، وقد قرر نائب رئيس جمهورية كولومبيا الكبرى، فرانثيسكو دي باولا سانتاندير، دعوة ممثلين أميركيين، مستندا في جانب من قراره إلى المبادئ التي طرحها مونرو في خطابه.
وأيد قادة في المكسيك وأميركا الوسطى هذه الجهود، إلا أن بوليفار عارض مشاركة الولايات المتحدة، إذ ساورته الشكوك بشأن قدرتها على أن تكون حليفا جديرا بالثقة، وفي نهاية المطاف، لم يحضر أي وفد أميركي المؤتمر، ويرجع ذلك جزئيا إلى الجدل السياسي الداخلي الذي دار حول المشاركة.
ولا تزال أصداء الطريقة التي تلقت بها أميركا اللاتينية مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر حاضرة بقوة حتى اليوم، إذ يواصل القادة التشكيك في موثوقية العلاقات مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترمب.
عام 1904، وظف الرئيس ثيودور روزفلت المبدأ لتسويغ تدخل واشنطن في دول أميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي وأميركا الجنوبية، وعادت هذه القراءات التحريفية للظهور خلال الحرب الباردة، في خضم أزمة الصواريخ الكوبية
وإذا كانت الهوية المشتركة بين شعوب نصف الكرة الغربي قد أدت دورا محوريا خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، فكيف انحسر هذا الخطاب لاحقا؟ تكمن الإجابة، كما هي الحال مع جوانب كثيرة من التاريخ المشترك للأميركتين، في هيمنة القراءات القومية للماضي، التي حجبت دعوة مونرو إلى التضامن بين الدول الأميركية.
وبفعل هذه القراءات، تحول مبدأ مونرو من دعوة إلى التكاتف في مواجهة الاستعمار إلى إعلان عن نزوع الولايات المتحدة نحو التوسع الإمبريالي، وعن حق مزعوم في الهيمنة على نصف الكرة الغربي.
وكما كتب توم لونغ وكارستن أندرياس شولتس مؤخرا في مجلة "فورين بوليسي"، ظل التفسير الإمبريالي للمبدأ يتكرر على امتداد تاريخ الولايات المتحدة، ويتجلى ذلك في الإضافات التي ألحقها به سياسيون سعوا من خلالها إلى تبرير الصراعات والتدخلات والتوسعات الخارجية.
في عام 1904، وظف الرئيس ثيودور روزفلت المبدأ لتسويغ تدخل الولايات المتحدة في دول أميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي وأميركا الجنوبية، في تأويل بات يعرف اليوم باسم "إضافة روزفلت"، ثم عادت هذه القراءات التحريفية إلى الظهور خلال الحرب الباردة، فقد استند الرئيس جون إف. كينيدي إلى المبدأ، في خضم أزمة الصواريخ الكوبية، لتبرير منظومات الأمن في نصف الكرة الغربي التي أرسيت بموجب "معاهدة ريو" ومنظمة الدول الأميركية.
وذهب الرئيس رونالد ريغان أبعد من ذلك، إذ وسع نطاق هذه التأويلات لتبرير التدخل في نيكاراغوا والسلفادور، مستندا إلى مزاعم عن تنامي النفوذ السوفياتي في المنطقة، ومع كل تفسير جديد ظهر في تاريخ الولايات المتحدة، ازداد الابتعاد عن مبادئ الخطاب الأصلي ورؤيته.
ما يعرف بعصر الثورات يشير للمرحلة من عام 1775 إلى 1840، التي شهدت موجة من الانتفاضات الشعبية ضد الحكم الاستعماري ، وكشفت الدراسات عن روابط سياسية مشتركة في أنحاء نصف الكرة الغربي
ويلجأ ترمب اليوم، بطبيعة الحال، إلى المبدأ باعتباره دليلا على وجود تقليد راسخ يضع الولايات المتحدة أولا، وجاء في البيان الذي أعلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي إضافته الخاصة إلى المبدأ: "أعلن مونرو أمام الأمة حقيقة بسيطة تردد صداها على مر العصور، وهي أننا في الولايات المتحدة لن نتردد أبدا في الدفاع عن وطننا ومصالحنا ورفاه مواطنينا"، لكن مفهوم "الوطن" سرعان ما يتسع ليتحول إلى ادعاء بحق الولايات المتحدة في قيادة نصف الكرة الغربي، متجاهلا إلى حد بعيد الروابط التي تجمع الدول الأميركية.
ويضيف البيان أن "الشعب الأميركي، لا الدول الأجنبية ولا المؤسسات العولمية، سيظل دائما صاحب القرار في مصيره داخل نصف كرتنا الغربي".
وخلال السنوات الأخيرة، استثمر ترمب، إلى جانب شخصيات من المؤسسة الجمهورية، إرث المبدأ لمعارضة الاستثمارات الصينية في أميركا اللاتينية، ولتبرير التدخل في دول مثل إيران وفنزويلا.
وخلاصة الأمر أن أحد أشهر الخطابات المستشهد بها في تاريخ الولايات المتحدة تعرض لقراءة واسعة النطاق تجافي معناه الأصلي، ثم استخدم لترسيخ حجة مفادها أن التاريخ الطويل للسياسات التدخلية يبرر المسار الذي تسلكه البلاد اليوم.
حري بقادة واشنطن وبالأميركيين عموما أن يستعيدوا الجذور التي نشأ منها مبدأ مونرو في سياق نصف الكرة الغربي، فهي تكشف أن بعض أكثر الأفكار تأثيرا في السياسة الخارجية الأميركية لم تولد من نزعة إلى الهيمنة، بل من تعاون إقليمي قام على إدراك الروابط والمصالح المشتركة بين دول الأميركتين.
وما زال ممكنا إحياء مبدأ مونرو على نحو يعيد إليه روحه الأصلية، باعتباره تعبيرا عن التضامن الذي جمع شعوب الأميركتين في مواجهة القوى المهيمنة.