استضافت صالة "الزمالك للفن" المصرية معرضا للفنان المصري عادل مصطفى بعنوان "أسوان" ضم مجموعة من اللوحات المشغولة بالألوان الزيتية ورقائق الفضة والذهب. تقترح هذه الأعمال عالما نرغب في أن نسكنه، حيث يكتسب الحب وجوها وأشكالا متعددة. حالات لا تقف في مواجهة الواقع، بل تنبت منه، كما تنبت الأشجار في لوحاته من أرض خصّبها طمي النيل ولفحتها ملوحة البحر.
حين تصبح اللوحة مكانا قابلا للسكن
إحدى السمات الجوهرية في لوحة عادل مصطفى، قدرتها على تجاوز كونها مشهدا بصريا لتصبح فضاء قابلا للسكن. فالفنان يعيد صوغ العلاقة بين الإنسان والمكان، بحيث يصبح المكان نفسه حاملا للذاكرة، ومشبعا بالحضور، ومولدا لإحساس عميق بالانتماء. ولعل هذا ما يفسر ذلك الانجذاب الذي تدفعنا إليه لوحاته، إذ تنشأ الرغبة في الرحيل إليها من سحرها البصري، وأيضا من إحساس المتفرج أنه عثر فيها على صورة أصفى لعلاقته بالعالم. ويعود هذا الإحساس إلى شبكة دقيقة من العلاقات التي تنظم مكونات اللوحة. فالماء والشخوص والأشجار تتداخل في نسيج واحد يتعانق فيه الضوء واللون، ويتجاور الماء والحركة، وتتآلف الشخوص مع الطبيعة المحيطة بها.
من هذا الترابط يتشكل عالم بصري تحكمه فكرة الجريان، جريان الضوء والماء والزمن داخل فضاء يبدو ساكنا، بينما تنبض أعماقه بحركة لا تنقطع. لذلك يبدو الدخول إلى لوحات عادل مصطفى أشبه بالعودة إلى مكان مألوف، لأن الفنان يستحضر عبر جوهر المكان ذاته ذلك الإحساس الذي يجعل الإنسان يشعر بانتمائه إلى العالم من حوله، فلا تعود فكرة الرحيل عنه مطروحة أصلا. فلا خلاص هنا في ضفة أخرى، ولا وعد بفردوس مؤجل، لأن الضفة الأخرى كامنة في الضفة نفسها، ولأن العالم الذي يقترحه الفنان مكتمل بما يكفي ليمنح ساكنيه شعور الاكتفاء. إنه عالم يقوم على قدر من الصدق والرحمة يجعل الخذلان والمراوغة غريبين عنه، حتى إن الحزن نفسه يفقد قسوته ليحمل في طياته وعدا بفرح مبلسم.



