التراث الأمازيغي في الجزائر... كيف تسهم التكنولوجيا في حفظ الذاكرة؟

من حكايات الجدات إلى الذكاء الاصطناعي

Lina Jaradat
Lina Jaradat

التراث الأمازيغي في الجزائر... كيف تسهم التكنولوجيا في حفظ الذاكرة؟

في كثير من البيوت الأمازيغية في الجزائر، كانت الحكاية تبدأ مع حلول المساء، حيث يجتمع الأطفال حول الجدة أو أحد كبار السن للاستماع إلى قصص الأبطال والأساطير، والأمثال التي تختصر تجارب أجيال، والأغاني التي ترافق مواسم الحصاد والأعراس. هذه اللحظات ليست وسيلة ترفيه فحسب، فهي فضاء للتعلم ونقل اللغة والقيم والتاريخ والهوية من جيل إلى آخر، في مجتمع اعتمد لقرون طويلة على الكلمة المنطوقة وسيلة أساسية لحفظ الذاكرة.

غير أن هذه المشاهد أصبحت أقل حضورا اليوم. فقد غيرت التحولات الاجتماعية وأنماط الحياة الحديثة طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، وأصبح جزء من التراث الشفوي الأمازيغي مهددا بالضياع مع رحيل حامليه. في المقابل، فتحت التكنولوجيا الرقمية إمكانات جديدة لتسجيل هذا الإرث وحفظه ونشره، مما يطرح سؤالا أساسيا: هل تستطيع الأدوات الرقمية إنقاذ ذاكرة تشكلت أساسا من خلال التفاعل الإنساني المباشر؟

ذاكرة تحفظها الكلمة

يشكل التراث الشفوي الأمازيغي أحد المكونات الأساس للذاكرة الثقافية في الجزائر. وهو لا يقتصر على الحكايات الشعبية، إذ يشمل الشعر والأغاني والأمثال والألغاز والمراثي والأدعية، إضافة إلى معارف تقليدية مرتبطة بالزراعة والطب الشعبي وتدبير الموارد الطبيعية.

وفي منطقة القبائل، تعد الحكايات الشعبية من أبرز أشكال التعبير الشفوي، حيث تمتزج الأسطورة بالحكمة والتجربة الإنسانية. ومن أشهر القصص التي بقي حضورها في المخيال الشعبي قصة لونجا بنت الغولة (Lunja n Terye)، وهي أسطورة تحكي قصة فتاة جميلة وطيبة هي ابنة الغولة، تنتمي إلى عالم الغيب لكنها تختلف عن أمها بقلبها الإنساني. تروي الحكاية مغامرات بطل يسعى للوصول إليها، حيث تنتصر الشجاعة والذكاء على قوى الشر

من خلال الأمثال والحكايات، تعلم الأطفال معاني الشجاعة والصدق والتضامن واحترام الكبار

أما في منطقة الأوراس، فقد لعب الشعر الشفوي والأهازيج الجماعية دورا مهما في تسجيل الأحداث والاحتفاء بالبطولات المحلية. وفي مناطق مزاب والصحراء، ارتبطت الرواية الشفوية بخصوصية البيئة الصحراوية وأنماط العيش والترحال لدى الطوارق، مما أنتج أشكالا مختلفة من التعبير تعكس تنوع التجربة الأمازيغية في الجزائر.

ولم يكن هذا التراث مجرد وسيلة لحفظ الماضي، بل أدى وظيفة تربوية واجتماعية. فمن خلال الأمثال والحكايات، تعلم الأطفال معاني الشجاعة والصدق والتضامن واحترام الكبار، كما رافقت الأغاني مختلف المناسبات الاجتماعية، من الأعراس إلى مواسم العمل الجماعي، وحملت في كثير من الأحيان إشارات إلى أحداث تاريخية وذاكرة المقاومة.

 Abdel Majid BZIOUAT / AFP
نساء أمازيغيات من منطقة قلعة مكونة يرتدين أزياء تقليدية ويشاركن في احتفالات رأس السنة الأمازيغية في الرباط.

النساء حافظات الذاكرة

لعبت النساء دورا مركزيا في استمرار هذا التراث. فقد كانت الأم أو الجدة غالبا الراوية الأولى داخل الأسرة، تنقل الحكايات إلى الأطفال وتحفظ الأغاني المرتبطة بمراحل الحياة المختلفة، مثل الولادة والزواج والعمل والمناسبات الاجتماعية.

وكان دور المرأة يتجاوز حفظ النصوص نفسها، إذ كانت تحافظ أيضا على طريقة روايتها وسياقها الاجتماعي: نبرة الصوت، والإيقاع، والتفاعل مع المستمعين، والمكان الذي تروى فيه الحكاية. لذلك فإن التراث الشفوي يتمثل في منظومة كاملة من الممارسات التي تمنحه معناه.

لكن انتقال هذا التراث من جيل إلى آخر أصبح أكثر صعوبة مع التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري خلال العقود الأخيرة. فقد أدى توسع المدن، وتراجع الحياة الجماعية التقليدية، وتغير أنماط التواصل داخل الأسرة إلى تقلص الفضاءات التي كانت تسمح بتداول الحكايات والأمثال والأغاني.

كما أن وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي غيرت علاقة الأجيال الجديدة بالتراث. فبعدما كانت الذاكرة تنتقل عبر جلسات السمر العائلية، أصبحت اليوم تنافسها أشكال جديدة من المحتوى الرقمي السريع. والخطر لا يكمن فقط في فقدان النصوص، بل أيضا في فقدان السياق الذي يمنحها قيمتها، لأن الحكاية الشعبية ليست كلمات مجردة، وإنما هي أداء حي يرتبط بصوت الراوي وتفاعله مع الجمهور والزمان والمكان الذي تروى فيه.

ABDELHAK SENNA / AFP
معلمة تساعد تلميذا على قراءة نص باللغة الأمازيغية في الرباط

التكنولوجيا... من تهديد للذاكرة إلى وسيلة لإنقاذها

رغم التحولات الاجتماعية التي تهدد استمرارية التراث الشفوي الأمازيغي، لا ينظر إلى التكنولوجيا في الضرورة باعتبارها عاملا يؤدي إلى القطيعة مع الذاكرة الجماعية، بل أصبحت في السنوات الأخيرة إحدى الوسائل الجديدة لحمايتها ونقلها. فقد أتاحت الأدوات الرقمية إمكانات غير مسبوقة لتسجيل الحكايات والأغاني والأمثال وشهادات كبار السن، وحفظها في صيغ سمعية وبصرية يمكن الوصول إليها من قبل الباحثين والمهتمين داخل الجزائر وخارجها.

رقمنة التراث لا تعني مجرد جمع أكبر عدد من التسجيلات، إذ يتطلب التوثيق العلمي معرفة دقيقة بهوية الراوي، والمنطقة التي ينتمي إليها

غير أن رقمنة التراث لا تعني مجرد جمع أكبر عدد من التسجيلات، إذ يتطلب التوثيق العلمي معرفة دقيقة بهوية الراوي، والمنطقة التي ينتمي إليها، والسياق الاجتماعي الذي ظهرت فيه الرواية. فاختلاف الحكايات والأمثال من منطقة إلى أخرى يمثل جزءا أساسيا من ثراء هذا التراث وتنوعه.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الجزائر تناميا في المبادرات الرامية إلى توثيق التراث الشفوي الأمازيغي، سواء من خلال الجامعات ومراكز الأبحاث أو عبر جهود جمعيات ثقافية وناشطين محليين. وقد ساهم الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية ثم رسمية في تعزيز الاهتمام بهذا الجانب من الذاكرة الثقافية الجزائرية. وفي مناطق مختلفة، انخرط باحثون ومتطوعون في تسجيل روايات كبار السن، وجمع الحكايات والأغاني والأمثال، ثم نشرها عبر الكتب والمنصات الرقمية والتسجيلات السمعية البصرية، مع الحرص على إبقاء هذه المواد مرتبطة ببيئتها الأصلية وبحامليها.

ومن بين التجارب التي اختارت توظيف التكنولوجيا لخدمة اللغة والثقافة الأمازيغيتين، تبرز مبادرات الباحث والمطور الجزائري توفيق جرود، الذي يعتبر أن الرقمنة ليست هدفا في حد ذاتها، إنما وسيلة لضمان انتقال هذا الموروث إلى الأجيال القادمة. ويرى أن جانبا مهما من التراث الأمازيغي ظل محفوظا في الذاكرة الشفوية، مما يجعله أكثر عرضة للاندثار مع مرور الزمن ورحيل الرواة.

وفي هذا الإطار، عمل توفيق جرود على تطوير تطبيقات تعليمية موجهة للأطفال والناشئة، من بينها LMED  Tamazight (تعلم الأمازيغية) وTaqendurt Iw (قندورتي) وAwalen Uffiren (الكلمات المخفية)، إضافة إلى إعداد كتاب شبه مدرسي باللغة الأمازيغية وابتكار لعبة رقمية تعتمد على الألغاز القبايلية عبر منصة "تيك توك". وقد حصلت بعض هذه المشاريع على جوائز وطنية، من بينها الجائزة الأولى لرئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغيين في فئة البحوث العلمية والتكنولوجية والرقمنة، بما يعكس تنامي دور الابتكار الرقمي في دعم اللغة والثقافة الأمازيغيتين.

حضور رقمي

وتندرج في هذا المسار أيضا تجربة الدكتور ياسين زيدان، مفتش تربية، مستشار لدى المحافظة السامية للأمازيغية، ومطور تطبيقات ATLAS ومنصة ADLIS الخاصة بالكتاب الأمازيغي. يرى ياسين زيدان أن رقمنة التراث الأمازيغي تتجاوز مجرد تحويل الكتب والوثائق إلى ملفات إلكترونية، لتصبح مشروعا يهدف إلى ضمان حضور اللغة في البيئة الرقمية الحديثة.

ويؤكد أن اللغة التي لا تجد مكانا لها في التقنيات المعاصرة قد تفقد تدريجيا قدرتها على الانتشار والتواصل مع الأجيال الجديدة. وفي هذا السياق، يشير إلى جهود المحافظة السامية للأمازيغية في تعزيز حضور الأمازيغية رقميا، ومن بينها تطوير لوحات مفاتيح تعتمد معيار "يونيكود" بالأحرف اللاتينية و"تيفيناغ"، وهو ما سهل إنتاج محتويات علمية وتعليمية وأدبية باللغة الأمازيغية.

كما يعتبر زيدان أن إدراج فئة "الرقمنة والتكنولوجيات" ضمن جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغيين منذ سنة 2020 شجع على بروز جيل جديد من المطورين والباحثين الذين يوظفون التكنولوجيا لخدمة اللغة. ويجسد تطبيق ATLAS، المتوج بجائزة رئيس الجمهورية سنة 2025، هذا التوجه، إذ لا يقتصر على تعليم اللغة، بل يوفر فضاء للتعرف الى تنوعاتها المختلفة، ويسمح لمتعلمين من خلفيات لغوية متعددة بالوصول إليها عبر واجهات متعددة اللغات.

REUTERS/Zohra Bensemra
نساء من منطقة القبائل الأمازيغية ينظرن إلى حظيرة جرجرة الوطنية من شرفة ضريح أزرو نثور على قمة جبل جرجرة في ولاية تيزي أوزو بالجزائر

ولا تقتصر إمكانات التكنولوجيا على الأرشفة والنشر، بل تمتد إلى مجال البحث العلمي، من خلال القواميس الرقمية، وقواعد البيانات اللغوية، وأدوات معالجة اللغة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تساهم في تطوير موارد جديدة للتعليم والبحث والاستخدام اليومي للأمازيغية.

اللغة التي لا تجد مكانا لها في التقنيات المعاصرة قد تفقد تدريجيا قدرتها على الانتشار والتواصل مع الأجيال الجديدة

وهكذا، تتحول الرقمنة من مجرد وسيلة لحفظ الماضي إلى رافعة لضمان مستقبل اللغة الأمازيغية، عبر إدماجها في التطبيقات والمنصات والأدوات الرقمية التي أصبحت جزءا أساسيا من حياة الأجيال الجديدة.

من الأرشيف الرقمي إلى ذاكرة حية

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للترفيه أو التفاعل اليومي، إذ أصبحت أيضا أرشيفا جديدا للذاكرة الثقافية. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات يقودها أفراد وجمعيات وباحثون شباب يعملون على نشر تسجيلات لحكايات شعبية، وأغان قديمة، وأمثال وتعابير محلية، إضافة إلى محتويات تشرح المفردات والتقاليد المرتبطة بمختلف المناطق الأمازيغية في الجزائر.

وقد ساهمت هذه المنصات في إعادة اكتشاف جزء من التراث لدى فئات شابة لم تعد تعيش في الضرورة في البيئة التقليدية التي أنتجته. كما منحت أبناء الجالية الجزائرية في الخارج فرصة للتواصل مع جانب من هويتهم الثقافية واللغوية، والوصول إلى مواد كانت في السابق مرتبطة بمناطق جغرافية محددة.

لكن الباحثين في مجال التراث غير المادي يشددون على أن نشر التسجيلات وحده لا يكفي. فالقيمة العلمية والثقافية للمادة الموثقة ترتبط أيضا بجمع المعلومات المحيطة بها: هوية الراوي، وعمره، والمنطقة التي ينتمي إليها، وطريقة أداء النص، والمناسبة التي كان يستخدم فيها. فالحكاية الشعبية ليست نصا ثابتا فقط، بل هي ممارسة اجتماعية تتغير بتغير الظروف والأشخاص.

 REUTERS/Abdelaziz Boumzar
نساء أمازيغيات يرتدين أزياء تقليدية يحتفلن برأس السنة الأمازيغية في قرية تيفيلكوت بولاية تيزي أوزو في الجزائر

وهنا يبرز تحد أساس: كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا دون تحويل التراث الشفوي إلى مجرد مادة فولكلورية منفصلة عن سياقها؟ فحفظ الصوت والصورة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يعوض البيئة الاجتماعية التي كانت تمنح هذا التراث حياته ومعناه.

ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، ظهرت إمكانات إضافية يمكن أن تغير طرق التعامل مع التراث الشفوي الأمازيغي. فالتقنيات الحديثة قادرة على المساعدة في تفريغ التسجيلات الصوتية، وتصنيفها، وربطها بالمناطق الجغرافية، وإنشاء قواعد بيانات لغوية يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمعلمون والمطورون.

كما يمكن هذه الأدوات المساهمة في تطوير القواميس الإلكترونية، وتحسين أدوات الترجمة ومعالجة اللغة، وإنشاء تطبيقات تعليمية أكثر تطورا. غير أن هذه الإمكانات تطرح في المقابل أسئلة تتعلق بالملكية الفكرية والحق في استخدام المواد الثقافية. فمن يملك الحق في نشر حكاية شعبية رواها أحد كبار السن؟ وهل يمكن استخدام هذه المواد في مشاريع تجارية دون إشراك المجتمعات التي أنتجتها؟ وكيف يمكن ضمان ألا يؤدي نشر التراث على الإنترنت إلى اختزاله في صور نمطية بعيدة عن معناه الأصلي؟

ويرى المهتمون بالتراث أن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بعدد الملفات المحفوظة، بل بقدرتها على احترام أصحاب هذا التراث وإشراكهم في تحديد طرق جمعه ونشره. فالتراث غير المادي ليس ملكية فردية، بل ذاكرة جماعية تشكلت عبر أجيال.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

رغم الدور الكبير الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا، فإن الحفاظ على التراث الشفوي الأمازيغي لا يمكن أن يقتصر على إنشاء أرشيفات رقمية. فالحكاية الشعبية تستمد قوتها من العلاقة التي تنشأ بين الراوي والمستمعين. لذلك فإن حماية هذا الإرث تتطلب الجمع بين مسارين متكاملين: توثيقه بالوسائل الحديثة، والحفاظ على فضاءاته الطبيعية داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والمجتمعات المحلية.

كما يمكن الجامعات أن تؤدي دورا أكبر من خلال دعم الدراسات الميدانية وتكوين متخصصين في توثيق التراث غير المادي، وربط مجالات الأنثروبولوجيا واللسانيات والتاريخ وعلوم المعلومات. أما الشباب، فيملكون اليوم أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ويمكنهم تحويل الحكايات والأغاني والأمثال إلى محتويات رقمية معاصرة تحافظ على أصالتها وتمنحها جمهورا جديدا.

نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بعدد الملفات المحفوظة، بل بقدرتها على احترام أصحاب هذا التراث وإشراكهم في تحديد طرق جمعه ونشره

في النهاية، لا يكمن مستقبل التراث الشفوي الأمازيغي في الاختيار بين الذاكرة والتكنولوجيا، بل في إيجاد علاقة تكامل بينهما. فالتكنولوجيا قادرة على حفظ الصوت والصورة وتسهيل الوصول إلى المعرفة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الجدة التي تروي حكايتها لأحفادها، أو أن تعوض الدفء الإنساني الذي منح هذا التراث استمراره عبر القرون.

التحدي الحقيقي هو أن تصبح الوسائط الرقمية امتدادا لهذه الذاكرة الحية، لا بديلا منها. فعندما تلتقي قوة الرواية الشفوية مع إمكانات التكنولوجيا الحديثة، يصبح من الممكن إنقاذ تراث مهدد بالاندثار، ومنحه فرصة جديدة ليواصل صناعة الهوية وربط الأجيال بعضها ببعض.

font change

مقالات ذات صلة