تفكك الهوية وتعدد الأزمنة في رواية "اللاروب" لحسن أوريد

الاستعمار كخلفية وجودية

تفكك الهوية وتعدد الأزمنة في رواية "اللاروب" لحسن أوريد

تبرز تجربة الروائي المغربي حسن أوريد بوصفها محاولة متواصلة لاستحضار الذاكرة الجماعية عبر شخصيات تتحرك في فضاءات مشبعة بالرموز والدلالات التاريخية، فتغدو اللغة أداة كشف دقيقة، يتداخل فيها النسق الفصيح مع الإيقاع اليومي ضمن نسيج شديد المرونة يعكس ثراء المرجعيات الثقافية التي يستند إليها. ومن خلال هذا التشكيل، تتبلور أعماله بوصفها مسارا نحو فهم الإنسان في علاقته بالزمن وتحولاته، وفي سعيه الدائم إلى إعادة رسم موقعه داخل عالم سريع التغير.

تنفتح رواية "اللاروب"، الصادرة عن "دار نوفل" في بيروت (2026)، على حالة توتر داخلي منذ عتباتها الأولى، إذ تتقاطع حركة الزمن مع تشكل الذات وتحولات اللغة داخل بناء سردي يتجاوز الخطية نحو فضاء متشعب تتجاور فيه الوقائع التاريخية مع أبعاد متخيلة، وتتشابك الأزمنة ضمن إيقاع مركب يضع القارئ داخل تجربة قراءة مشحونة بالقلق والانزياح.

تجري أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله، الأمر الذي يمنح هذا التوتر أفقا تاريخيا مشبعا بالتحولات والاصطدامات، ويغدو هذا الاضطراب مكونا بنيويا في صميم الرؤية التي تنهض عليها الحكاية، حيث تتجلى صورة إنسان يتحرك على حواف الانقسام، موزعا بين انتماءات متعددة، ممتدا بين زمنين، ومعلقا بين مستويين من الحقيقة يتنازعان حضوره ووعيه.

منذ اللحظة التي يخطو فيها محمد بنيس، بطل الرواية، إلى ملهى "سنترا"، ينخرط السرد في زعزعة تماسك الواقع وإرباك حدوده، إذ يظهر المكان في هيئته الأولى بملامح مألوفة، ثم ينكشف تدريجيا بوصفه فضاء يتجاوز وظيفته الاجتماعية ليغدو مجالا حيا تتقاطع فيه اللغات وتتصادم الخطابات. وفي قلب هذا التشابك، تتآكل يقينات الشخصية ويتحول حضورها من مراقبة خارجية إلى انخراط داخلي يقودها نحو تجربة اغتراب مركبة، تتسع مع كل صوت يتردد داخل هذا الفضاء المتوتر.

على حافة الانقسام

تتشكل شخصية محمد بنيس على إيقاع توتر داخلي دائم، إذ يجمع موقعه بين عمله واشيا لدى السلطة الاستعمارية الفرنسية وانتمائه الثقافي والاجتماعي إلى الجماعة التي يتتبعها، وهو ما يخلق انقساما عميقا في وعيه منذ البداية، ويمنح حضوره بعدا يتجاوز حدود الاختيار الأخلاقي نحو تشظ داخلي مستمر.

في قلب هذا التشابك، تتآكل يقينات الشخصية ويتحول حضورها من مراقبة خارجية إلى انخراط داخلي يقودها نحو تجربة اغتراب مركبة

دخوله إلى الملهى يضعه في موقع المراقب، غير أن هذا الموقع يبدأ في التصدع مع تصاعد التفاعل داخل الفضاء، حيث يتراجع موقع السيطرة تدريجيا ليجد نفسه مندمجا في المشهد، متأثرا بإيقاعاته وأصواته، وكأن المكان يتحول إلى مرآة حية تعكس اضطرابه الداخلي وتعيد تشكيل إدراكه لذاته.

ضمن هذا المسار، تتبدى شخصية بنيس بوصفها حالة حدية تتقاطع فيها السلطة والمعرفة والرغبة. هو ينتمي إلى جهاز الاستعمار، غير أن انغماسه في اللغة الشعبية، في الأغاني، وفي النقاشات الفكرية، يجعله ينزلق تدريجيا نحو منطقة رمادية ملتبسة تتداخل فيها الحدود، فيغدو عاجزا عن تثبيت الفاصل بين ذاته والآخرين، وتتشابك داخله مسارات الانتماء والانفصال في آن واحد.

فضاء الهجنة والاشتباك

يشكل الملهى في الرواية مركز ثقل سرديا تتكثف داخله الحركة الفكرية والوجدانية، حيث يتجاوز حدوده كفضاء ترفيهي ليغدو نقطة التقاء لخطابات متعددة تمتد من الديني إلى السياسي والفلسفي والشعبي، في مشهد تتجاور فيه الأصوات وتتقاطع الرؤى، وتحمل كل شخصية موقعها الخاص داخل عالم يشهد تحولات متسارعة. وفي هذا الفضاء، تأتي اللغة بصيغة هجينة تنسج خيوطها من العربية والفرنسية والدارجة، بما يعكس تركيبا ثقافيا غنيا، ويحول الحوار إلى ساحة تفاعل حاد بين انتماءات متباينة ورؤى تتقاطع وتتباعد في آن واحد. في أحد المقاطع اللافتة، نقرأ: "عوالم تتعايش منعزلة، بل متنافرة، إلا من بعض الوسائط. كباريه سنترا تعبير عن هذا التمايز إذ لا يقصده أحد من الأوروبيين".

FADEL SENNA / AFP
نساء مغربيات يمررن أمام ملهى ليلي مغلق يعود إلى فترة الحماية الإسبانية في مدينة سيدي إفني، 2013

يكشف هذا المقطع عن وظيفة الملهى بوصفه نقطة تماس بين عوالم متباعدة، حيث يتجاور الانفصال مع الرغبة في التواصل، في صورة تعكس بنية المجتمع الاستعماري الذي تتراكم فيه الفواصل ويعاد صوغ العلاقات داخله وفق مسارات متجاورة. ومن هذا المركز المشحون، يبدأ الزمن في التفلت من انتظامه، فتغدو الحركة السردية قائمة على انتقالات متقطعة بين فترات مختلفة، تضع الشخصية داخل تجربة إدراكية مضطربة تتداخل فيها الأزمنة وتتقاطع.

يغدو الزمن عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي، ويعكس انفلاته تصدع المرجعيات التي يستند إليها الإدراك

تبلغ هذه التجربة ذروتها حين يغادر بنيس الملهى ليجد نفسه في زمن آخر، إذ تتبدل معالم المدينة وتتغير الأسماء وتتحول شبكة العلاقات، في انتقال مفاجئ يضفي على السرد توترا حادا ويكثف الإحساس بالانزياح. وفي مقطع دال، يتجلى هذا الارتباك في تساؤله: "شعر بنيس بالدوار. في أي زمن هو؟".

BOISSONNADE / INTERCONTINENTALE / AFP
شارع في الرباط ومتاجر مغلقة خلال إضراب دعا إليه الوطنيون المغاربة، 1955

ينفتح هذا السؤال على جوهر التجربة الروائية، حيث يغدو الزمن عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي، ويعكس انفلاته تصدع المرجعيات التي يستند إليها الإدراك، فيجد بنيس نفسه داخل عالم تتراجع فيه القدرة على تثبيت الموقع، وتتسع فيه فجوة الإحساس بين الذات وما يحيط بها.

صدمة التحول

تعد لحظة لقاء بنيس بزوجته في هيئة عجوز من أكثر مشاهد الرواية كثافة، إذ يتجاوز حضورها عنصر المفاجأة ليكشف عمق الأزمة الوجودية التي تعيشها الشخصية. فالمرأة التي جسدت الجمال والحياة، تتحول إلى صورة للزمن المنهك، فيجد بنيس نفسه في مواجهة قاسية مع فكرة الفناء، ويغدو الجسد مساحة يتجلى فيها التصدع.

وتتحول المرآة في هذا السياق، إلى رمز مقلق، حيث يعكس الخوف من النظر إليها خشية مواجهة الذات والاعتراف بالتحول الذي طرأ عليها، فيغدو الجسد علامة على زمن يواصل التهامه لكل شيء.

تتسم لغة الرواية بكثافة لافتة، إذ تمزج بين مستويات متعددة وتخلق إيقاعا خاصا يعكس طبيعة العالم الذي تصوره. ويكشف الحوار داخل الملهى عن قدرة الكاتب على التقاط التفاصيل الدقيقة للخطاب الشعبي ودمجها في سياق فكري أوسع.

تتحدث الشخصيات بلغة تحمل آثار تجاربها وتعبر عن مواقعها الاجتماعية، فيسهم هذا التنوع اللغوي في بناء عالم حي تتداخل فيه الأصوات مع احتفاظ كل صوت بفرادته.

ويحضر الغناء والأمثال والاقتباسات بوصفها عناصر تضفي على النص بعدا احتفاليا، يتجاور مع شعور عميق بالقلق، ليشكل هذا التوتر بين البهجة الظاهرة والقلق الكامن أحد أبرز ملامح جمالية الرواية.

تدور أحداث الرواية في سياق الاستعمار الفرنسي، حيث يتقدم هذا الحضور بوصفه عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي، متجاوزا حدود الخلفية التاريخية، إذ يظهر الاستعمار كقوة تعيد تشكيل العلاقات وتفرض أنماطا جديدة من التفكير.

تجسد شخصية بنيس نموذجا للفرد الذي ينخرط في هذه القوة ويعيد إنتاجها داخل وعيه، مع بقاء آثارها فاعلة في تكوينه الداخلي. ويعكس عمله كواش درجة اندماجه في جهاز السلطة، بينما تكشف تجربته داخل الملهى عن تصدع هذا الاندماج وتعري هشاشته تحت ضغط الاحتكاك اليومي بعوالم متباينة.

AFP
تجمع لأهال في قرية قرب آسفي في المغرب، 1945

تنتمي الرواية إلى فضاء تتداخل فيه الواقعية مع عناصر غرائبية، حيث تخلق الانتقالات الزمنية والتحولات المفاجئة وغياب التفسير المنطقي جوا من اللايقين، مما يضع القارئ في حالة يقظة دائمة، ويجعل التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل مهمة ملتبسة، في انعكاس مباشر لحالة الشخصية التي تفقد قدرتها على تثبيت الواقع.

يتضافر الزمن المتشظي واللغة المتعددة والفضاء الهجين في خلق تجربة سردية كثيفة تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والانتماء

تتجاوز "اللاروب" كونها رواية عن مرحلة تاريخية لتغدو نصا يستكشف أزمة الإنسان في عالم متحول، حيث يكشف حسن أوريد من خلال شخصية بنيس، عمق الانقسام الذي يعيشه الفرد حين يجد نفسه بين عوالم متناقضة.

يتضافر الزمن المتشظي واللغة المتعددة والفضاء الهجين في خلق تجربة سردية كثيفة تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والانتماء والحقيقة. من هنا، تبدو الرواية محاولة لالتقاط لحظة انكسار، حيث يفقد الإنسان يقينه ويواجه أسئلة مفتوحة دون إجابات جاهزة.

font change

مقالات ذات صلة