لأكثر من نصف قرن، كان السيليكون هو المادة التي حملت الثورة الرقمية على أكتافها، فمنه صنعت الرقائق التي جعلت الحواسيب أصغر وأسرع وأرخص، حتى أصبحت جزءا من كل هاتف وسيارة وجهاز تقريبا. اليوم، مع اشتداد السباق نحو الحوسبة الكمية، يعود السيليكون إلى الواجهة مرة أخرى، لكن هذه المرة في محاولة لبناء جيل مختلف تماما من المعالجات، لا يعتمد فقط على الصفر والواحد، بل على وحدات كمية شديدة الحساسية تسمى "الكيوبتات".
عندما نستخدم الهاتف أو الكومبيوتر، فإن كل ما نراه من صور وفيديوهات وبرامج يعتمد في النهاية على مليارات المفاتيح الإلكترونية الصغيرة الموجودة داخل شرائح مصنوعة أساسا من السيليكون. هذه المفاتيح تسمى الترانزستورات، وهي تتعامل مع المعلومات في صورة وحدات بسيطة تسمى "بتات" تكون قيمتها إما صفرا أو واحدا. أما الحاسوب الكمي فيعمل بطريقة مختلفة تماما، إذ يستخدم وحدة تسمى "الكيوبت" تستطيع الاستفادة من ظواهر فيزيائية غريبة تظهر في العالم المتناهي الصغر. والهدف من ذلك ليس استبدال الكومبيوتر العادي في كل شيء، وإنما بناء أجهزة تستطيع مستقبلا التعامل مع بعض المسائل العلمية والحسابية المعقدة بطرق يصعب على الحواسيب التقليدية مجاراتها.
ويمكن تبسيط فكرة الكيوبت بالقول إنه النظير الكمي للبت الموجود في الكومبيوتر العادي. البت يشبه مفتاحا يمكن أن يكون مغلقا أو مفتوحا، أي صفرا أو واحدا. أما الكيوبت فيستطيع، قبل قياسه، أن يوجد في حالة تجمع احتمالات الصفر والواحد معا. وعندما ترتبط عدة كيوبتات بعضها ببعضها بطرق خاصة، يمكن الحاسوب الكمي التعامل مع المعلومات بصورة مختلفة تماما عن الكومبيوتر التقليدي. لكن لهذه القوة ثمنا كبيرا، فالكيوبت شديد الحساسية، ويمكن الحرارة أو الضوضاء الكهربائية أو أي اضطراب صغير أن يفسد حالته. ولهذا يمثل الحفاظ على الكيوبتات والتحكم فيها أحد أصعب التحديات في هذا المجال.
رقائق وموصلات
خلال السنوات الماضية، نجح العلماء في تطوير أنواع متعددة من الكيوبتات وتشغيلها داخل المختبر، مما دفع التحدي الرئيس في الحوسبة الكمية من إثبات إمكان بناء أجهزة صغيرة إلى إيجاد طرق عملية لتوسيعها، بحيث تضم آلافا أو ربما ملايين الكيوبتات القادرة على العمل معا بكفاءة واستقرار.
يشبه هذا الانتقال الفرق بين صنع ترانزستور واحد في المختبر وبين تصنيع معالج حديث يحتوي على مليارات الترانزستورات. من هنا تكتسب دراستان حديثتان نشرتا في دورية "نيتشر" أهمية خاصة، لأنهما لا تركزان فقط على تحسين الكيوبت نفسه، بل تحاولان حل المشكلات العملية التي تظهر عندما نريد بناء حاسوب كمي كبير بالفعل.

