آن سِير لـ"المجلة": جوقة صغيرة من الشخصيات تسكنني

حازت على "غونكور" ورشحت لـ"بوكر" الدولية

 JULIEN DE ROSA / AFP
JULIEN DE ROSA / AFP
الروائية الفرنسية آن سير خلال جلسة تصوير في باريس

آن سِير لـ"المجلة": جوقة صغيرة من الشخصيات تسكنني

ثمة كتاب يبدأون من حدث، والكاتبة الفرنسية آن سير تبدأ من صورة: مائدة لامعة، قبعة بنقش الفهد، حصان أبيض يرى من بعيد... من هذه الصورة الضئيلة خرج ثمانية عشر كتابا، بدءا من "المربيات" (Les Gouvernantes) عام 1992 إلى "الراوي" (Le Narrateur) و"القبعة الفهدية" (Un chapeau léopard) و"في قلب صيف كله ذهب" (Au cœur d'un été tout en or). في هذه الكتب جملة قصيرة صافية لا ترفع صوتها، وتحتها عنف هادئ يعمل في صمت. كتب يجلس فيها الأموات إلى جانب الأحياء من دون استئذان، ويتنقل راو لا اسم له بين الكاتبة والعالم. ينسب عالمها إلى الحكاية الخرافية لسهولة النسبة، والأصح أنه يستعير منها هندستها: باب وغابة ومائدة وكائن غريب، من دون جنية واحدة.

آن سير، المولودة في بوردو عام 1960، عملت في الظل أربعين سنة قبل أن يصغي إليها العالم: جائزة غونكور للقصة القصيرة عام 2020، ثم القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية عام 2025، وترجمات في خمس عشرة لغة. تقيم وحدها في باريس باختيار قديم لم تراجعه يوما، وتمضي شهرين من كل صيف في بيت أجدادها في أوفرن حيث لا تكتب شيئا. هنا حوار "المجلة" معها.

في كتبك تبدو الطفولة غرفة سرية ظلت مفتوحة في مكان ما، كيف تنظرين اليوم إلى هذه الطفولة؟

الطفولة في نظري أرض غامضة، فما بقي منها في ذاكرتي لا يكاد يذكر. أعزو هذا الفراغ إلى وفاة والدتي حين كنت في الثانية عشرة، ولعل الصدمة حجبت تلك السنوات وأعقبها النسيان. لم يتبق لي منها سوى عشرين صورة شديدة الوضوح، أحفظها بعناية وأعود إليها بين حين وآخر متأملة. ربما كان هذا التردد على كنز صغير وغريب من الصور الثابتة الصامتة، لا من المشاهد المكتملة، أحد المنابع الأولى لكتابتي.

كائنات متجاورة

يقرأ المرء أعمالك كأنه يلتقي كاتبة تعيش داخل فرقة كاملة من الكائنات، طفلة وامرأة ورجلا رماديا وعجوزا وشبحا وراويا وفتاة حادة وعاشقة وقارئة. حين تكتبين، كيف تتجاور هذه الكائنات داخلك؟ ومن منها يمسك القلم في اللحظة الحاسمة؟

ترسخ فيّ مع الوقت والقراءة شعور بأن جوقة صغيرة من الشخصيات تسكنني، وبأن كل واحدة منها تمثلني حين يحين دورها. وفي مطلع كل كتاب تتقدم إحداها لتتولى الكلام، فيما يخفت حضور الباقين أو ينحسر إلى الظل.

الكاتبة تدبر العمل والراوي ينجزه. إنه في هذا المعنى كائن ثالث بيني وبين العالم

لا أعرف تماما كيف أستدعي هذه الشخصية أو تلك، إذ يبدو أن الأمر يحدث من تلقاء نفسه. وفي كل كتاب أرغب في راو جديد، لأن لكل راو طريقته في اكتشاف الأشياء، أو زاويته الخاصة على الأقل. هذه الجوقة تعيد إلى ذهني دائما فرقة مسرحية صغيرة على غرار "الكوميديا ديلارتي".

غلاف "الراوي"

في "الراوي" يظهر الراوي كائنا مستقلا له جسد وعزلة ورغبة في الاختفاء ورغبة مقابلة في أن يستقبل بين البشر، كيف نشأ هذا الراوي في تجربتك؟ وهل صار مع الوقت صورة أخرى للكاتبة، أم صار كائنا ثالثا يقيم بينك وبين العالم؟

ولدت هذه الشخصية حين شرعت بكتابة الرواية نفسها، إذ استطعت فجأة أن أستحضرها وأصفها بدقة كبيرة. إنها شخصية متخيلة تسكنني دائما، حتى في الفترات التي لا أكتب فيها، شأن ذكرى عزيز رحل. مع ذلك لا تختلط تماما بالكاتبة التي أكونها، فالكاتبة تدبر العمل والراوي ينجزه. إنه في هذا المعنى كائن ثالث بيني وبين العالم.

صور الذاكرة

سردك حافل بالصور المستلة من الذاكرة، كيف تعرفين أن صورة ما تحمل كتابا في داخلها؟ وما الذي يحدث بين لحظة ظهور الصورة في الذاكرة ولحظة تحولها إلى شكل أدبي؟

كان نابوكوف يقول إنه "يفكر بالصور"، وأحسبني أفهم جيدا ما كان يعنيه. تبدأ كتبي دائما من صورة متخيلة قوية تفرض نفسها عليّ فجأة. كيف أعرف أنها تحمل في داخلها كتابا؟ لعل ذلك يعود إلى رغبتي في أن أعيش معها طويلا وألا أنساها، وأن أنفذ إليها حتى أذوب فيها. يبدو لي أن هذه الصورة لا تنطوي على أشكال وألوان فحسب، بل على لغة أيضا. ربما كان إحساسي بوجود هذه اللغة فيها هو ما ينبهني إليها. أليست هذه الصور التي تفرض نفسها عليّ ببساطة صور لغتي إن جاز القول؟ لغتي وقد اتخذت هيئة مرئية؟

 JULIEN DE ROSA / AFP
الروائية الفرنسية آن سير خلال جلسة تصوير في باريس

درست الحكايات الخرافية، وتبدو آثارها حاضرة في أعمالك كطريقة في التفكير قبل أن تكون أثرا أسلوبيا، ماذا تتيح لك الحكاية الخرافية مما تضيق به الرواية الواقعية؟

حين كنت في حدود العشرين من عمري أعددت رسالة ماجستير عن حكايات مدام دولنوا الخرافية، لا لشغف خاص بالحكاية، بل افتتانا باللغة الفرنسية البديعة في القرن السابع عشر. كان أستاذي المتخصص في ذلك العصر هو من اقترح عليّ دراستها. أما صورة الجنية وعالم السحر عموما فلم يستوقفاني يوما في الأدب. أحسب أن العناصر التي ترى أنها تنتمي إلى جنس الحكاية جاءتني قبل كل شيء من قراءتي للرومانسيين الألمان، فمن أدبهم استمددت نبرة البراءة والبساطة التي راقت لي، إلى جانب روحانية وافقت طبعي. أحببت أولئك الهائمين الذين يصرون على مواصلة السير في دروب محفوفة بالمخاطر، متسلحين بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين. هذه حال دون كيشوت أيضا، بل حال أوديسيوس في "الأوديسة"، وهو ما يلتقي مع تحليلك، فـ"الأوديسة" تنتمي في أصلها إلى عالم العجائبي.

الحياة والخرافة

الأم، الأب، الأخت، الصديقة، العاشق... جميعهم يظهرون في أعمالك كأنهم ينتمون في الوقت نفسه إلى الحياة والخرافة، كيف تعمل الكتابة على تحويل الروابط الحميمة إلى مادة تخييلية؟أحسب أنني أعيش الأمور على نحو "مقلوب"، فأنا أعبر الحياة كأنني أتنقل داخل عمل تخييلي، داخل رواية هائلة. كان لاكان يقول إن الواقع هو ما نصطدم به، غير أن الموت نفسه، حتى موت أقرب الناس إليّ، يتحول عندي وبفعلي أنا إلى نسيج تخييلي.

أحببت أولئك الهائمين الذين يصرون على مواصلة السير في دروب محفوفة بالمخاطر، متسلحين بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين


 لا يعني هذا إنكارا ولا ابتعادا، بل هو تحويل للتجربة وترجمة لها إلى لغة التخييل، التي تبدو لي أصدق وأدق من روايتها في صيغة سيرة ذاتية.

في "رحلة مع فيلا ماتاس" (Voyage avec Vila-Matas) تبدو القراءة علاقة حياة وصحبة داخلية، كيف يتحول الكاتب الذي نقرأه إلى كائن يعيش معنا؟ ومتى تصبح القراءة شكلا من أشكال الحب، أو شكلا من أشكال القرابة؟

القرابة هي الكلمة الصحيحة فعلا، فقد لازمني دائما نوع من الهوس العائلي جعلني أعد الكتاب الذين أحببتهم بشغف أبناء عمومة وأعماما وعمات وأجدادا. مونتين مثلا جد مثالي، أحب أن أمتطي الخيل معه عبر سويسرا وألمانيا وإيطاليا، مصغية إليه وهو يحدثني عما يدور في ذهنه. أما كافكا فهو قريب أنيق يبعث في نفسي شيئا من الرهبة، ومع ذلك أحب أن أرافقه حين يزور صديقه ماكس برود في براغ. وتحيّرني ابنة عمي فرجينيا وولف بقدر ما تستهويني، فأود أن أمضي معها وقتا لأفهم كيف اجتمع فيها الانخراط في العالم والانفراد بالنفس. مع الكتاب الذين أحبهم أشعر أنني في بيتي.

في "غراند تيكتيه" (Grande tiqueté) تذهبين باللغة إلى منطقة نادرة، لغة مخترعة مفهومة وغريبة في آن واحد، ما الذي تبحثين عنه أولا في الجملة؟ وكيف تعرفين أن اللغة بلغت الموضع الصحيح، حتى حين تبدو كأنها جاءت من أرض مجهولة؟

منحتني تجربة ابتكار لغة في "غراند تيكتيه" شعورا بأنني عثرت أخيرا على لغتي الأصلية، ثم أدركت بعد ذلك الكتاب أنني أكتب دائما بلغة أبتكرها من جديد، فالجملة لا تستقيم إلا إذا ظلت حية من أولها إلى آخرها. لذلك أحذف كل ما لا تنبض فيه الحياة حين أراجع نصا فرغت منه للتو.

 JUSTIN TALLIS / AFP
الكاتبة الفرنسية آن سير، مؤلفة رواية "قبعة من جلد النمر"، لدى وصولها إلى حفل إعلان الفائز بجائزة البوكر الدولية لعام 2025 في متحف "تيت مودرن" وسط لندن

المادة والشكل

كتبت الرواية والقصة والحكاية والحوار والنص القصير والدفاتر واللغة المخترعة، وكل كتاب من كتبك يبدو أنه يجد شكله من الداخل، فكيف يولد الشكل عندك؟ وهل تشعرين أن المادة هي التي تختار جسدها الأدبي، كما تختار الشخصية أحيانا صوتها وملامحها؟

أجل، المادة هي التي تختار شكلها. وهنا يكمن أصعب عمل ذهني، ألا وهي المرحلة التي يتكون فيها الكتاب المقبل داخلي قبل أن أبدأ كتابته. إذا توقفت أحيانا عاما أو عامين بين كتابين، فلأن الشكل لم يحضر بعد ولم تتضح ملامحه في داخلي.

تحيرني ابنة عمي فرجينيا وولف بقدر ما تستهويني، فأود أن أمضي معها وقتا لأفهم كيف اجتمع فيها الانخراط في العالم والانفراد بالنفس

 أما المادة فحاضرة دائما، لكن عليّ أن أجد لها موطنا، وهذا ما يتشكل بالتأمل والحلم وشرود الذهن الكثيف الذي يرافقني في معظم لحظات الحياة اليومية. ثم يظهر شيء ما: شكل واضح الحدود في الفضاء، تأتي كتابة الكتاب لتثبته وتحدد معالمه.

غلاف "الأحمق"

حين تنظرين اليوم إلى مسيرتك الإبداعية، هل ترين كتبا متعاقبة أم كائنا واحدا ظل يتبدل عبر الزمن؟

أرى كتبي تتعاقب كبلاطات مرصوفة على درب وأتقدم عليها واحدة بعد أخرى. والعزلة التي يتطلبها العمل أقرب إلى طبعي من الظهور. لذلك أحسد إميلي ديكنسون وأعجب بها لأنها بقيت في بيتها. لكنني قرأت قبل عشرين عاما في السيرة الذاتية لأندرسن أنه حين بدأ يحقق النجاح (وها نحن نعود إلى الحكاية) سأله صديق: "ألا يشق عليك أن تحضر بلاط كوبنهاغن وتتحدث هناك عن حكاياتك؟" فأجابه: "هذا من صميم العمل". هزتني هذه العبارة يومها، وكانت هي التي حسمت قراري بأن أظهر أكثر.

font change