العودة إلى الإعدام بالجزائر... من التجميد الاختياري إلى "الردع الأشد"

هل ستكون كفيلة حقا بكبح جماح الجرائم المستحدثة؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جزائريون يسيرون أمام مبنى المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) خلال جلسة تصويت على الإصلاحات الدستورية في العاصمة الجزائر، في 10 سبتمبر 2020

العودة إلى الإعدام بالجزائر... من التجميد الاختياري إلى "الردع الأشد"

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد الضمني لتنفيذ أحكام الإعدام، يجد الشارع الجزائري والأوساط الحقوقية والسياسية أنفسهم أمام منعرج قانوني حاسم، فمع الصدمات المتتالية التي خلفتها جرائم غير مسبوقة هزت الرأي العام، وتصاعد المطالب الشعبية بفرض أقصى درجات الحزم، تتجه السلطات الجزائرية نحو إعادة تفعيل هذه العقوبة القصوى جزئيا مع التنفيذ لمواجهة الجرائم المستحدثة والخطيرة كحرائق الغابات المتعمدة واختطاف الأطفال.

ويفتح هذا التحول المفاجئ الباب واسعا أمام جملة من الأسئلة الجوهرية: كيف سنعكس هذا القرار على الخارطة التشريعية في البلاد، وهل ستنجح العقوبة في كبح جماح الجرائم الكبرى؟ وكيف ستوازن الجزائر بين تكريس سيادتها القضائية وحماية أمنها القومي وبين التزاماتها الدبلوماسية وضغوط المنظمات الحقوقية الدولية؟

ومن الناحية التاريخية والتشريعية، تعتبر عقوبة الإعدام خيارا عقابيا منصوصا عليه في المنظومة الجنائية الجزائرية التي أقرت سابقا لحزمة من الجرائم بالغة الخطورة، ويتجلى ذلك بوضوح في الجنايات المرتبطة بأمن الدولة الداخلي والخارجي بموجب المواد من 61 إلى 64 من قانون العقوبات، وكذا جناية قتل الأصول بموجب المادة 261، وصولا إلى الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية خاضعة للمادتين 87 و87 مكرر-01. وعلى الرغم من أن المحاكم الوطنية لم تتوقف يوما عن النطق بأحكام العقوبة القصوى إزاء هذه الجنايات، فإن إنفاذها الميداني ظل معلقا بفعل قرار "التجميد الضمني" الصادر منذ عام 1993.

التكييف الجنائي للفئات الإجرامية الكبرى

ولم يأت هذا التوجه الصارم من فراغ، بل أملته تحولات ميدانية مقلقة، وضعتها الحكومة تحت المجهر في عرض أسباب المشروع، إذ لم تعد خطورة جرائم الحرائق في منطوق المشروع تقتصر على كونها مجرد تخريب للأملاك والأموال العامة والخاصة فحسب، بل بلغت حد الإجرام المنظم والتهديد المباشر للأمن والنظام العموميين والاستقرار المجتمعي، والمساس بالاقتصاد الوطني.

فحسب ما أظهرته التحريات والتحقيقات القضائية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، برز تحول خطير ومقلق في الأساليب المتبعة في ارتكاب جرائم الحرائق، لا سيما المتعلقة بالغابات، وما يترتب عليها من آثار وخيمة وقاسية، سواء بالنسبة للأرواح البشرية، أو بالغطاء النباتي، والتوازن البيئي، والتنوع البيولوجي.

أ.ف.ب
ضابط في مكافحة الحرائق يكافح حريقا في منطقة جبلية قرب بلدة الهاشمية بولاية البويرة، في 21 يوليو 2026

ويتجاوز التوصيف الرسمي للحرائق مجرد رصد الخسائر نحو تفكيك استراتيجية "التخريب المنظم". فالجزائر تضع هذه الأفعال في سياق "الحروب غير التقليدية الخفية"، معتبرة التدمير البيئي الموجه بإيعاز أجنبي تهديدا مباشرا للسيادة الوطنية يرقى إلى مرتبة الخيانة. وتبرز هذه القراءة التحليلية خطورة النمط الإجرامي الجديد الذي يستغل الثغرات المناخية والتقنية لزعزعة الاستقرار وتقويض الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد.

وفي ترجمة عملية لهذه المقاربة الردعية المفصلية، لم يكتف مشروع قانون العقوبات الجديد بالتعديل التقني الهامشي، بل ذهبت السلطات مباشرة نحو تفعيل الترسانة العقابية الأشد عبر إقرار عقوبة الإعدام وتوجيهها صوب ثلاث فئات إجرامية كبرى.

ولتأطير هذا الحسم الجنائي في قالب تشريعي لا يحتمل التأويل، جاء منطوق المادة 395 مكرر ليحدد المسؤولية الجزائية لتنص على أنه: "يعاقب بالإعدام كل من وضع النار عمدا في غابات أو غيضة أو حقول مزروعة أو غير مزروعة أو أشجار أو مقاطع أشجار أو أخشاب موضوعة في أكوام على هيئة مكعبات داخل الغابات".

وفي مقابل هذا التأطير للمنظومة البيئية والأمن الحيوي للبلاد، يتجاوز المنحى التشددي مقاربة الأضرار المادية ليتمدد نحو مقاربة عقابية شاملة تتقاطع مع المرتكزات الحيوية للأمن القومي، إذ أضحت العقوبة القصوى تستهدف كل من يثبت تورطه في إضرام الحرائق عمدا بإيعاز لصالح دولة أجنبية أو طرف خارجي أو في سياق جرائم الخيانة والتخابر، متى استهدفت هذه الأفعال أملاكا عمومية أو خاصة بقصد تقويض أمن الدولة والمساس بحرمة التراب الوطني.

وينص منطوق المادة 396 على ما يلي: "يعاقب بالإعدام، كل من وضع النار عمدا في أية أملاك سواء كانت عمومية أو خاصة، بإيعاز أو لصالح دولة أجنبية أو طرف أجنبي أو في إطار جرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية أو في إطار جماعة إجرامية منظمة أو إذا كانت تستهدف الأمن والنظام العموميين، والوحدة الوطنية، واستقرار المؤسسات وسيرها العادي، والاقتصاد الوطني، أو الإضرار بالبيئة والتوازن البيئي أو بالثروة الغابية أو النباتية أو الحيوانية أو الزراعية".

ويظهر المدلول الجوهري لهذا التحول في المقاربة القانونية أن المشرع الجزائري أحدث انزياحا جنائيا فارقا، حيث رفع مرتبة الجرم من تصنيفه التقليدي كـ"تخريب مادي" إلى مصاف جنايات الخيانة العظمى والاعتداء المباشر على السيادة الوطنية.

هل يشكل مشروع قانون العقوبات المستحدث تعارضا لالتزامات الجزائر الخارجية، أم إن عدم المصادقة على البروتوكول الإلغائي يمنح السلطة التنفيذية الشرعية الكاملة لتطبيق العقوبة؟

ومن جهة أخرى، وفي سياق بسط الحماية الجنائية على الفئات المجتمعية الهشة، أقر مشروع القانون في مادته 291 تسليط عقوبة الإعدام في حق "كل من يخطف طفلا بأي وسيلة كانت و/أو يقوم بتعذيبه و/أو الاعتداء عليه جنسيا و/أو ينكل به، بغض النظر عن أي عقوبات أخرى مخالفة منصوص عليها في التشريع ساري المفعول".

كما نصت المادة صراحة على حرمان الجناة من أي التماس قضائي، حيث "لا يستفيد الشخص المدان لارتكابه أحد الأفعال المجرمة في هذه المادة من الظروف المخففة المنصوص عليها في هذا القانون".

أ.ف.ب
رجل يتفقد منزله المتضرر بعد احتراقه في حريق غابات ببلدة برج الطهر بولاية جيجل شمال شرقي الجزائر، في 27 أغسطس 2026

وجاء في عرض أسباب المشروع أن تشديد العقوبة في هذه الجرائم المحددة من شأنه تحقيق "الردع العام والخاص وحماية أبنائنا وتعزيز الإطار القانوني لحمايتهم"، لاسيما بعد رصد مؤشرات مقلقة تفيد بتفشي هذه الجرائم في السنوات الأخيرة.

استقطاب أيديولوجي

ولم يكن هذا الحزم الجنائي الاستثنائي ليمر دون أن يحدث تصدعات سياسية عميقة في بنية المشهد الحزبي، إذ فجر مشروع القانون المتضمن قانون العقوبات استقطابا أيديولوجيا حادا أعاد فرز التموقعات بين كتل الموالاة وكتل القوى التقدمية المعارضة، والتي كانت قد أعلنت رفضها الحاد للعودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام منذ الكشف عن هذه الخطوة من قبل مجلس الوزراء في التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري، عقب الحرائق المهولة التي شهدتها البلاد، خاصة مدينة جيجل (تقع شرقي البلاد) والتي أودت بحياة العشرات وأتت على مئات الهكتارات من الغابات.

لكن اللافت أن القراءة الواقعية لموازين القوى داخل البرلمان أكدت أن كتل المعارضة تفتقر إلى الأغلبية العددية اللازمة لتعطيل مسار المصادقة على المشروع في وقت تحوز فيه الحكومة على حزام برلماني مريح يضمن تمرير التعديلات بأغلبية مطلقة، بحكم سيطرة قوى الموالاة على الأغلبية إضافة إلى حصولها على دعم حزبين معارضين وهما: حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية بحكم خلفيتهما الإسلامية المؤيدة لتطبيق الإعدام.

وفي الجهة المقابلة، تشكل تحالف نيابي معارض يضم "جبهة القوى الاشتراكية"، و"حزب العمال"، و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، و"حزب جيل جديد" الممثلة في البرلمان، حيث أعلن رفضه القاطع للعودة إلى التطبيق الفعلي لعقوبة الإعدام في البلاد.

وتتمحور مسوغات هذا الرفض حول تكييف الطرح الحكومي المستحدث باعتباره "انحرافا" عن المسار الإلغائي للعقوبة، ويتناقض مع الالتزامات الدبلوماسية والتعهدات السياسية والمواثيق والاتفاقيات الدولية أبرزها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي  الصادر سنة 1989، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وأخيرا التوصية رقم 149/ 62 بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول 2007، تدعو إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، وقد صوتت لصالحها 109 دول وامتنع 29 بلدا، وعارضها 54 بلدا وتغيبت 5 دول أخرى، وقد صوتت الجزائر لهذه التوصية.

المقاربة القانونية والمؤسساتية

وأمام هذه المنظومة من المرجعيات والدفوع القانونية التي استندت إليها كتل المعارضة، يبرز تساؤل جوهري: هل يشكل مشروع قانون العقوبات المستحدث تعارضا لالتزامات الجزائر الخارجية، أم إن عدم المصادقة على البروتوكول الإلغائي يمنح السلطة التنفيذية الشرعية الكاملة لتطبيق العقوبة؟

وضمن المقاربة القانونية الرامية لتحديد طبيعة هذه الالتزامات، يستعرض الخبير القانوني الدكتور قاري علي المحددات الدستورية والجنائية الحاكمة لهذا المسار التشريعي، ويقول في حديثه لـ"المجلة" إن "هذه المعطيات القانونية تؤكد الفارق المفصلي في فقه القانون الدولي بين الانخراط في المواثيق العامة وبين التوقيع على بروتوكولاتها التقييدية".

أ.ف.ب
يظهر سجن القليعة غربي العاصمة الجزائر بعد الإعلان عن قرب إطلاق سراح نحو اثني عشر ناشطا مؤيدا للديمقراطية، في عمليات عفو أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون في بادرة تهدئة مع استعادة "الحراك" زخمه، في 19 فبراير 2021

وفي قراءته لتموقع المشرع الجزائري، يؤكد المتحدث على أن الجزائر، برغم مصادقتها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تحركت تشريعيا في مساحة السيادة القضائية غير المقيدة بالالتزام الإلغائي النهائي، نظرا لعدم توقيعها على البروتوكول الاختياري الثاني الصادر عام 1989 والمستهدف لإلغاء العقوبة دوليا.

هل ستكون العودة إلى التطبيق الفعلي لعقوبة الإعدام، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد الفعلي، كفيلة حقا بكبح جماح الأنماط الإجرامية المستحدثة ووضع حد للتخريب المنظم؟

ويقوم هذا المنظور التفسيري على محددين هيكليين يحكمان تموقع الجزائر الجنائي، أولها يتجسد في انتفاء المانع التعاقدي، إذ إن تخلف فعل المصادقة الملحق الخاص بالإلغاء يجرد أطروحة المعارضة من سندها الإلزامي المباشر، ومن ثم فإن الانتقال نحو تفعيل الشق العقابي الأقصى في التشريع الداخلي لا ينجر عنه أي إخلال بالمسؤولية الدولية للدولة، لكون النص الأصلي للعهد الدولي يحظر العقوبة بشكل مشروط لا مطلق.

أما المحدد الثاني، فيتمحور حول السمو المشروط للقانون الدولي، فبينما يقر الدستور الجزائري سمو المعاهدات الدولية على التشريع الداخلي عند التعارض، فإنه يبقى مشروطا إجرائيا بوقوع فعل "المصادقة الرسمية". وبانتفاء هذا المقتضى في حالة بروتوكول إلغاء الإعدام، تظل المنظومة الجنائية الوطنية متمتعة بكامل صلاحياتها التقديرية في إجراء الخيار الردعي الأقصى، استجابة للمهددات الأمنية المستحدثة التي تمس بالنظام العام والسيادة الحيوية للبلاد.

ولهذا الغرض اقترح البرلمان الجزائري إدراج تأشيرة جديدة تتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الموافق عليه من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 ديسمبر/كانون الثاني 1966 والذي انضمت إليه الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 89-67 المؤرخ في 11 شوال عام 1409 الموافق 16 مايو/أيار سنة 1989.

وفي تأييد رسمي للمنحى التشددي للمشروع، ثمنت رئيسة الهيئة الجزائرية للطفولة، مريم شرفي، التوجهات السيادية والتي تجسدت فعليا في المقاربة الحمائية للمشروع لتأمين الأطفال والمواطنين وممتلكاتهم من آثار الجرائم الخطيرة. وفي قراءتها للحيثيات الجنائية، أكدت شرفي أن "عقوبة الإعدام لم تحذف إطلاقا من المنظومة التشريعية الجزائرية، وإنما اقتصر الأمر سابقا على تقليص نطاق تطبيقها الميداني"، معتبرة أن "تفعيلها مجددا أصبح ضرورة حتمية لردع مرتكبي الجرائم البشعة".

أ.ف.ب
أفراد شرطة يحرسون مدخل دار للأيتام إثر حريق في ضاحية المحمدية بالجزائر العاصمة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 11 شخصا بينهم أطفال في موجة حر أشعلت مئات الحرائق شمال البلاد، 16 يوليو 2026

وتقاطعت مقاربة شرفي مع محددات السيادة الوطنية في التعاطي مع المعاهدات الدولية، إذ كشفت أن "الجزائر في إطار حماية خصوصيتها ومصلحتها القومية، صادقت على بروتوكولين اختياريين فقط من أصل ثلاثة ملحقة بالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل"، نافية وجود أي التزام خارجي يلزم البلاد بالانضمام إلى ملاحق تشريعية تتعارض مع ثوابتها الأمنية والمجتمعية.

وفي المحصلة التحليلية لهذا التحول، يضع هذا المنعطف التشريعي الحاسم في الجزائر المنظومة القانونية والسياسية أمام التساؤل الاستراتيجي الأكثر إلحاحا: هل ستكون العودة إلى التطبيق الفعلي لعقوبة الإعدام، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد الفعلي، كفيلة حقا بكبح جماح الأنماط الإجرامية المستحدثة ووضع حد للتخريب المنظم؟

font change

مقالات ذات صلة