ليلى غيرييرو لـ"المجلة": أنا من سكان لغتي

تعتبر نفسها نتاجا للهجرة والهامش

 Cristina Arias/Cover/Getty Images
Cristina Arias/Cover/Getty Images
الصحافية والكاتبة ليلى غيرييرو خلال معرض مدريد للكتاب في حديقة ريتيرو، مدريد، إسبانيا، 1 يونيو 2024

ليلى غيرييرو لـ"المجلة": أنا من سكان لغتي

ولدت الكاتبة والصحافية الأرجنتينية ليلى غيرييرو في عام 1967 في مدينة خونين، بمقاطعة بوينس آيريس، وبدأت مسيرتها عام 1991 محررة في مجلة Página/30 التابعة لصحيفة Página/12. ومنذ ذلك الحين، رسخت اسمها بوصفها من أبرز أصوات الصحافة السردية في أميركا اللاتينية. وهو أسلوب اشتهرت به القارة من خلال استخدام أدوات الأدب، من بناء المشهد والوصف وتعدد الأصوات والحضور السردي، مع التزام الوقائع والتحقيق والتوثيق.

وفي يوليو/ تموز 2026، فازت غيرييرو بالميدالية الذهبية لجائزة "ماريا مورز كابوت"، إحدى أعرق الجوائز الدولية في الصحافة، تقديرا لمسيرتها. نشرت غيرييرو عددا من الكتب التي أصبحت علامات في هذا النوع، من بينها "منتحرو نهاية العالم" (2005)، و"أوبوس جيلبر: بورتريه عازف بيانو" (2019). وفي كتابها الأحدث "النداء... بورتريه امرأة أرجنتينية"، الصادر عام 2024، تعود إلى قصة سيلفيا لابايرو، التي اعتقلتها الديكتاتورية العسكرية الأرجنتينية وعذبتها، ثم وصمت لاحقا بالخيانة بسبب علاقتها القسرية بالجلادين أثناء احتجازها. حظي الكتاب بإشادة واسعة، وحصل على جائزة معرض بوينس آيريس للكتاب لأفضل كتاب، إضافة إلى جوائز أخرى. وفي 2025 منحت غيرييرو جائزة "جائزة كالامو الاستثنائية" (Cálamo Extraordinario) تقديرا لمجمل أعمالها. وهنا حوار "المجلة" معها.

لديك خلفيات ثقافية متعددة، فوالدك ذو أصول ألمانية/إيطالية، ووالدتك سورية الأصل، حدثينا أكثر عن تلك النشأة وتأثيرها في نظرتك إلى الأحداث والتاريخ؟

من الصعب الجزم بتأثير هذا التراث المتنوع في خلفيتي. فحقيقة أن أجدادي وجداتي من سوريا وإيطاليا وألمانيا، وبنوا حياتهم في الأرجنتين، وهي حياة متواضعة للغاية بالنسبة لأجدادي السوريين، وحياة ناجحة اقتصاديا للفرع الآخر من عائلتي، منحتني إدراكا عميقا لقيمة التمازج الثقافي. كانت جدتي الألمانية امرأة قوية الشخصية، متحفظة للغاية. كانت حنونة جدا معي، لكنها كانت تظهر حنانها بالأفعال لا بالأقوال. كانت تتحكم في مشاعرها بطريقة أثارت إعجابي. أما جدتي السورية، فكانت أكثر تعبيرا.

أنظر برعب إلى فكرة الحدود المسورة، والخوف مما هو مختلف، وتجريم المهاجرين، والمساواة التلقائية بين المهاجر غير الشرعي والمجرم

كانت امرأة متدينة، كاثوليكية ملتزمة، مثل جدي، ورغم أنها لم تكن تذهب إلى القداس، إلا أنها تمتعت بنظرة روحانية عميقة الى العالم. كلتاهما كانتا امرأتين قويتين، لكن جدتي الألمانية تركت تأثيرا أكبر علي. كانت تتمتع بخيال واسع، ولطالما قالت إن رسالتها الحقيقية كانت أن تصبح ممرضة وتعمل في أفريقيا. امتزج كل ذلك في داخلي، وفوق كل تلك الطبقات من ثقافات المهاجرين، فرضت علي ثقافة أميركا اللاتينية بقوة من خلال القراءة والرحلات العديدة. والنتيجة أنني لا أشعر بالانتماء إلى أي مكان على وجه الخصوص. أشعر أنني من سكان لغتي الإسبانية، وطن أشعر فيه براحة أكبر من أي مكان آخر. لكن في الوقت نفسه، أدرك تماما أنه لولا أجدادي ووالدي الذين منحوني كل الأدوات لمتابعة المسار الذي أردته، أي الكتابة، ولولا أسفاري الدائمة في جميع أنحاء بلدي، الأرجنتين، وكذلك بلدان أخرى في منطقتي، لما كتبت ما أكتبه. أنا، بطريقة ما، نتاج ذلك المزيج، وهذا المزيج يبدو لي حصنا منيعا للقوة. من هناك، من ذلك المزيج، أنظر برعب إلى فكرة الحدود المسورة، والخوف مما هو مختلف، وتجريم المهاجرين، والمساواة التلقائية بين المهاجر غير الشرعي والمجرم. أنا نتاج للهجرة وأعيش على الهامش، وهذه هي النظرة التي أنظر من خلالها إلى العالم.

غلاف "النداء... بورتريه امرأة أرجنتينية"

ميدان الحرب وميدان الكتابة

هل الخوف الذي تشعرين به عند مواجهة واقعة ميدانية خطرة هو نفسه الخوف الذي يباغتك أمام الصفحة البيضاء حين تبدئين في كتابة مشروع جديد، أم أن لكل منهما طبيعة مختلفة؟

عندما أفكر في التجارب المروعة لزملائي الذين يغامرون بدخول مناطق خطرة في السلفادور وكولومبيا والمكسيك وأوكرانيا وغيرها، أشعر بالحرج من الحديث عن المواقف التي أجد نفسي فيها باعتبارها خطيرة. ما أفعله ينطوي على مخاطر أخرى، لكن ليس خطر فقدان حياتي. المخاطر التي أواجهها هي تبني وجهة نظر خاطئة، أو عدم رؤية ما هو واضح أمامي، أو عدم الوصول إلى جوهر الأمور، أو إصدار أحكام أخلاقية على موقف ما، أو عدم القدرة على التخلي عن بعض الأحكام المسبقة. على أي حال، لا يمكنني مقارنة شعوري عند بدء العمل على قصة ما بشعوري عند الشروع في كتابة مشروع جديد. كقاعدة عامة، لا أبدأ بكتابة مشروع جديد إلا إذا كانت لدي فكرة واضحة جدا عن البداية: ما الجملة الافتتاحية، وما الفقرة الأولى. هذا يزيل كل خوفي. إذا توفرت لدي هذه الفكرة، فإن كل شيء آخر سيأتي تدريجيا، بصعوبة، ولكن كنتيجة طبيعية لتلك البداية. لا أستخدم كلمة "خوف" لوصف أي من هاتين العمليتين. هناك شكوك، وقلق. هل سأفعل ذلك بشكل جيد، وهل سأكون قادرة على القيام بذلك مرة أخرى بالطريقة التي فعلتها من قبل؟ ولكن ليس هناك خوف.

كيف تقاطع طريقك مع قصة سيلفيا لابايرو؟ وهل كانت هناك لحظة محددة أدركت فيها أن تجربتها يجب أن تتحول إلى كتاب بدلا من أن تبقى مجرد مقابلة أو تحقيق أو شهادة صحافية؟

كما ورد في الجزء الأول من الكتاب، علمت بقصة سيلفيا لابايرو لأول مرة من خلال صديق مشترك لنا، المصور داني ياكو، الذي أرسل إلي رابطا لمقال نشر في صحيفة "باخينا/12" الأرجنتينية، تحدثت فيه عن محاكمة الجلاد الذي اغتصبها بشكل ممنهج خلال فترة احتجازها التي دامت عاما ونصف العام.

البقاء على قيد الحياة بالنسبة لبعض الناس لم يكن نهاية كابوس، بل بداية آخر. كان البقاء مرادفا للخيانة، وكان عليهم أن يدفعوا ثمن تلك الخيانة

قرأت تلك المقابلة وتأثرت بها بشدة، سواء بالقصة أو بوجهة نظرها. بدت امرأة واثقة من نفسها، قوية، وصريحة، وقصتها مختلفة تماما عن كل القصص التي سمعتها عن الديكتاتورية. طلبت من داني ياكو أن يسأل سيلفيا إن كانت توافق على التحدث معي. فأجابت سيلفيا على الفور بالإيجاب. وبعد شهرين من المقابلات، اتضح لي أن هذه القصة لا يمكن سردها في مقال واحد. فهي تتطلب قدرا كبيرا من الدقة والبراعة لنقل تعقيداتها الكاملة. أخبرتها أنني أرى أن قصتها تستحق أن تروى في كتاب، لا في مقال، فقالت بابتسامة ماكرة: "أجل، لقد أدركت ذلك بالفعل".

 DANIEL GARCIA / AFP
كلارا خورادو، في الوسط، ونساء أخريات من "أمهات ساحة مايو" يطالبن بالكشف عن مصير أبنائهن وبناتهن المفقودين أمام مقر الحكومة، نحو عام 1982

حماية الذاكرة

ما الذي يجعل المجتمع والسياق السياسي يتهمان شاهدة وناجية بـ"الخيانة" بدلا من إدانة للمعذب والتعامل معها كضحية؟

هنا لا بد لي من توضيح نقطة. لقد بذلت الأرجنتين جهودا كبيرة في تقديم مرتكبي جرائم القمع والتعذيب إلى العدالة، رغم وجود فترة توقف مؤسفة في المحاكمات استمرت لسنوات. ولكن على الرغم من بطء العدالة، ووفاة العديد من هؤلاء الجناة قبل محاكمتهم أو إدانتهم، إلا أن الأرجنتين دولة تعتبر سياستها في مجال حقوق الإنسان، منذ محاكمة المجالس العسكرية عام 1985 نموذجا يقتدى. أكثر ما أثار دهشتي في قصة سيلفيا هو أمر لم يكن واضحا لي حتى ذلك الحين: الغياب شبه التام، باستثناءات قليلة، لأصوات الناجين في الخطاب العام. بالطبع، هناك العديد من شهادات الناجين من الديكتاتورية، وبفضلها إلى حد كبير أمكن تقديم الجناة إلى المحاكمة. هذه الشهادات لا تقدر بثمن، ولكن للعثور عليها، يجب البحث عنها في سجلات المحكمة. فهي ليست منتشرة على نطاق واسع، وليست جزءا من الحوار العام. في هذا الصدد، أعتقد أننا كمجتمع لم نفعل شيئا لتشجيع هؤلاء الناس على الحديث، ولم نستمع إليهم. وليس من السهل عليهم التحدث علنا لأنهم حتى داخل منظماتهم، وصموا بالخيانة. البقاء على قيد الحياة بالنسبة لبعض الناس لم يكن نهاية كابوس، بل بداية آخر. كان البقاء مرادفا للخيانة، وكان عليهم أن يدفعوا ثمن تلك الخيانة أن يعيشوا باقي حياتهم منبوذين من المجتمع.

 JOAQUIN SARMIENTO / AFP
الصحافي البيروفي جوزيف زاراتي، إلى اليمين، يتسلم من الصحافية الأرجنتينية ليلى غيرييرو جائزة فئة النص ضمن جوائز غابرييل غارسيا ماركيز للصحافة في ميديين، كولومبيا، 4 أكتوبر 2018

هل الصحافة الوثائقية قادرة على حماية الذاكرة الجمعية من التزييف والنسيان، أم أن دورها يقتصر على الأرشفة؟

لا أعتقد أن جميع الأعمال الصحافية من هذا النوع تساعد في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، لكني أعتقد أن عددا لا بأس به منها، أفضلها، تلك التي تخاطر بتقديم وجهات نظر متنوعة حول حدث معين، والتي تمتنع عن إصدار أحكام أخلاقية وتسلط الضوء بدلا من ذلك على تعقيدات التاريخ المعاصر، تساعد في الحفاظ عليها.

أمراء الحرب والكتابة الآلية

في مقال لك كتبت صراحة أن "أمراء الحرب لا ينزفون، بل يرسلون الآخرين ليموتوا". في ظل التواطؤ الإعلامي الغربي، كيف تفكك الصحافة التوثيقية التزييف الذي يحدث لوعي الشعوب عن ضحايا الحرب في غزة؟

لا يقتصر الأمر على ضحايا الحرب في غزة فحسب، بل يشمل أيضا العديد من النزاعات المسلحة والكوارث الإنسانية الأخرى.

أحب الكتابة، لذا لا أرى أي فائدة من تسليم ما أحبه أكثر من أي شيء آخر لشخص آخر، سواء أكان آلة أم كاتبا خفيا

 أعتقد أن أفضل أنواع الصحافة هي تلك التي تتبنى النهج الذي ذكرته سابقا: نهج يستكشف تعقيدات القصص، ويبحث عن وجهات نظر مختلفة، ويتجنب إصدار الأحكام الأخلاقية، ويعرض جميع جوانب الموقف دون تبسيط مفرط.

في عصر يسعى فيه الجميع إلى الإيجاز والسرعة في أداء الأعمال، أعلنت رفضك التام لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة والكتابة، وترين أن القلق في شأنه يفوق الجهد المبذول للتفوق عليه. في رأيك، ما الذي يخسره الكاتب تحديدا عندما يتخلى عن متعة التفكير الإبداعي لصالح آلة؟

من أثمن ما في الكتابة، القدرة على التفكير. التفكير أثناء الكتابة. الربط بين الأشياء التي تبدو غير مترابطة. التوقف والبحث عن الاستعارة المناسبة، والكلمة المناسبة، والإيقاع الأمثل، والتدفق السليم للنص. ما يفقد عند تفويض هذه المهمة إلى آلة، هو كل شيء. أنا أحب الكتابة، لذا لا أرى أي فائدة من تسليم ما أحبه أكثر من أي شيء آخر إلى شخص آخر، سواء أكان آلة أم كاتبا خفيا.

font change