كيف تؤثر بنا الموسيقى؟https://www.majalla.com/node/332565/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%A4%D8%AB%D8%B1-%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89%D8%9F
الموسيقى اقتراح وتنظيم علاقات بين الأصوات في الزمن لمصاحبة حياة البشر والإضافة إليها، بإنشاء زمن خاص بها وأغراض موسيقية خالصة. وهي تندرج في حياتهم بكونها واقعة إنسانية شاملة يمكن من خلالها النظر إلى مجمل العلاقات الاقتصادية والتقنية والقانونية والاجتماعية في زمانها.
تحتاج الموسيقى إلى الانصات لتفعيل هذا الاقتراح، لأن دماغ المتلقي هو الذي يربط بين الأصوات المنفصلة، بقوة ما يسميه ابن سينا "الخيال". فيتبدى له مثلا أن الصوت يتحرك صعودا أو هبوطا، في حين أن الصوت، نقرة العود مثلا، يكون تلاشى وحل محله صوت آخر.
من التأليف والتجسيد إلى الإنصات والتفاعل
تأثير الموسيقى قد يكون مقصودا من قبل المؤلف المعلوم أو المجهول، أو غير مقصود، أو يكون التأثير نتاج تفاعل المتلقي مع الموسيقى في معزل عن القصد. فالمؤلف يقترح إنشاء علاقات بين الأصوات في الزمن. حتى التدوين الموسيقي بالنوطة الغربية لا ينشئ هذه العلاقات، إذ إنه ليس صوتا في ذاته، إنما هو اقتراح يمكن منه إنتاج محاولات مختلفة للانتقال من حالة الكتابة الثنائية الأبعاد المكانية إلى حالة الصوت في البعد الزمني. أما المؤدي فهو يبرز هذه العلاقات، باختياراته الأدائية، أي بما يقوم به من تجسيد للموسيقى، أو تحقيق لما كان مجرد احتمال أو إمكان.
غير أن إنشاء العلاقات فعليا، أي ربط الأصوات والتنبه إلى علاقاتها المتكررة أو المتكسرة، هو من شأن السامع الذي بذلك يتأثر بالموسيقى ويتفاعل معها. وهذا الشأن الأخير، أي دور السامع، يمكن أن يرتبط بذاكرة عامة وتاريخ فني ومراجع ثقافية مشتركة. لكن يمكنه أيضا أن يرتبط بعوامل خاصة تستعصي على الحصر والاستقصاء، كالذاكرة الشخصية وما تختزنه من ذكريات متعلقة بالموسيقى، أو بألفته بهذه القطعة، أو بحالته النفسية والجسدية.
دور النقد هو محاولة معرفة الموسيقى قدر الإمكان، والتعريف بها، ووضعها في سياقها الفني والتاريخي
ربما جاز القول بأن معنى الموسيقى هو فقط العلاقات بين أصواتها. وهو ما يقصده ثيودور أدورنو حين يتحدث عن أداء الموسيقى قائلا إن "إبراز معنى الموسيقى لا يعني إلا ابراز العوامل التي تؤمن تناغم الظواهر (الصوتية)"، مع التحفظ عن افتراض ان التناغم هو الشكل الأساس للعلاقات الصوتية في حين أن بعض التجارب قد تنبع وحدة العمل فيها من عدم تناسقه الظاهر واحتكامه إلى منطق مختلف. بالتالي ينبغي توسيع المعنى إلى مجمل ما يربط بين هذه الظواهر، أي العلاقات بأشكالها المختلفة.
إن تجسيد العمل هو نفسه ابراز معنى الموسيقى، أي السعي إلى ابراز العلاقات بين الأصوات في الزمن. ومعرفة الموسيقى هي شرط هذا التجسيد. المعرفة إذن هي إدراك أبعاد العلاقات المقترحة وأساليب تشكيلها وتجسيدها. ويمكن من هنا البدء في التفكير في كيفية أداء الأعمال ودور المؤدي والهوامش المتاحة له بحسب السياق الموسيقي الخاص لموسيقاه.
فهم الموسيقى
أما "مقصد" الموسيقى، ونقترح تمييزه عن "معنى" الموسيقى، والقصد لا يكون دوما لغويا بل قد يكون وظيفيا ، فهو مصاحبة حياة البشر. فأغاني العمل أو البحر، كانت تصاحب العمال والبحارة وتنظم إيقاع العمل أو رفع الأشرعة أو سحب الشباك. وأغاني الأفراح، وموسيقى المآتم، والأغاني الساخرة والثورية، وأناشيد الطقوس الدينية والأعياد الوطنية، كلها تجد مقصدها في المناسبات التي وضعت لأجلها والتي في العموم هي مناسبات اجتماعية لتمتين لحمة الجماعة والأواصر بين عناصرها، وهو ما يفترض البعض أنه الهدف الأقدم للموسيقى.
وكذلك الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات مثلا تجد مقصدها في المساعدة على إضفاء مناخ مطلوب لهذا المشهد أو ذاك. وقد يكون مقصد الموسيقى جماليا، لكنه في خدمة جلسة بين الأصحاب أو السامرين بحيث يضفي الجمال متعة إلى اجتماعهم، أو قد يكون تأمليا، أو قد يكون جماليا خالصا، كأن يستمع المرء إلى الموسيقى لمتعته الخالصة بها، حيث تصاحب وحدته. وفي طبيعة الحال يمكن العديد من القطع الموسيقية أن تشترك في المقصد الواحد، لكن باستعمال أدوات مختلفة، ولا يعني هذا إنها متكافئة بالطبع.
أما "فهم" الموسيقى، تمييزا عن "معرفتها"، فهو التفاعل معها، سواء وجدانيا أو عقليا أو حسيا. فمن فهم موسيقى راقصة هو من رقص عليها، وإن في قرارة نفسه، ومن شعر بالجمال في التجربة الجمالية الخالصة، أو بالعزاء في المأتم. ولا يمنع بالطبع أن "يفهم" المرء الجانب الجمالي (وهو ضرورة الموسيقى في كل مقصد) إن وجده في النشيد الديني، أو في المشهد السينمائي، ولا يتواصل مع الجانب الطقسي أو المشهدي.
وفي ظننا أن دور النقد هو الانتقال بين هذه المستويات المختلفة، وتفادي الكتابة الانفعالية المتمحورة حول الذات، والكتابة التقنية البحتة. أي إن دور النقد هو محاولة معرفة الموسيقى قدر الإمكان، والتعريف بها، ووضعها في سياقها الفني والتاريخي، وتقدير المجهود المبذول في سبيل إبراز معناها، وكذلك النظر في أدوات التأثير المقترح، وربط ذلك كله بكون الموسيقى "واقعة بشرية شاملة"، بالانتقال من مستويات المادة الموسيقية إلى سائر مستويات الاجتماع.
المؤلف الموسيقي إيغور سترافينسكي يقود أوركسترا
هاجس المشاكلة
لم ترتبط الموسيقى دائما بكلام أو بصور محددة تحاول الإيحاء بها. فإلى جانب الغناء، كانت الموسيقى البحتة حاضرة أيضا سواء في الشرق أو في الغرب قديما وحديثا.
وينبغي التوضيح في شأن الموسيقى المرتبطة بالكلمات والأغاني. ذلك أن مقصدها الأول هو مناسبات الكلمات هذه. غير أن التاريخ ينبهنا أيضا إلى أن محاولات "المشاكلة" بين الكلمات ومناخ الموسيقى لم تكن مطردة عبر الزمن. فلئن كان هذا الأمر مثالا يشدد عليه الفلاسفة من أيام الفارابي وقبله، حيث يعتبرون أن الموسيقى تزيد جودة فهم الكلام وينبغي لها أن تقترب من جوه، إلا أن وجود المثال كان نادرا عبر الزمن، سواء في القدود أو الموسيقات الشعبية حيث يضاف دوما كلام جديد على ألحان قليلة ثابتة، أو في المجال الأعقد فنيا مثل الموشحات التي قد يتنقل الكلام على ألحانها دون تغيير من التغزل إلى المديح إلى الشكوى إلى ذكر اسم الوشاح أو إلى أغراض دينية. وقريب من ذلك، ما فعله أيضا باخ حين كان يعيد استخدام بعض جمله أو جمل غيره (كاستخدام موسيقى من أغنية غزلية لهانس ليو هاسلر في موقف صلب المسيح).
ليس فقط أن الموسيقى في ذاتها لا تحمل المعنى، بل لا تلتصق في الضرورة بمعاني الكلام الذي تتركب عليه في بدء الأمر
ليس فقط أن الموسيقى في ذاتها لا تحمل المعنى، بل لا تلتصق في الضرورة بمعاني الكلام الذي تتركب عليه في بدء الأمر، وقد تنتقل الموسيقى بين الكلمات دون عائق. كذلك فإن ربط حدة الدرجة الموسيقية بالارتفاع وتاليا بالسماء، لم يكن مستعملا باطراد في أوروبا قبل اختراع التدوين، حيث باتت الدرجات الأحد ترسم في الأعلى، في حين أن الموسيقى لا تتحرك في المكان حتى تكون أعلى أو أسفل. وبالمثل فإن العرب قديما كانت تقول بالنزول إلى الحدة والصعود إلى الثقل (أي الجهة الغليظة من الأصوات، ويسمونها أيضا اللين) لأنها كانت تعتمد العود كآلة مرجعية حيث تشد أحد الأوتار في الجانب الأسفل من الآلة. وإن كان يمكن أيضا الاشتباه بأن ربط الحدة بالارتفاع ربما كان عائدا إلى الشعور بارتفاع سقف الحلق وفتح الفم وتوجيه الصوت للرنين أكثر نحو الرأس في الدرجات الحادة عند الغناء.
على أي حال، فالموسيقى تضيف إلى الكلمات، أو مشاهد السينما، لا العكس الذي يضيق احتمالات الموسيقى، وليس من لذة خاصة في معرفة أن المؤلف يريد أن يقول لنا معنى معينا (إنه حزين، أو متشوق إلى الرقص) وقد كان يسعه أن يكتبه باللغة، بل اللذة هي في المشاعر المتولدة في داخلنا نتيجة التفاعل مع الموسيقى التي لا تقول إلا نفسها.
عازفة الكمان اليابانية ساياكا شوجي وأوركسترا الحجرة البولندية تؤديان "الفصول الأربعة" لفيفالدي خلال مهرجان للموسيقى الكلاسيكية في نانت
في الحقيقة، انتشرت فكرة الربط بين الموسيقى البحتة بخاصة وصور أو مشاهد محددة في الفترة الرومنطيقية في أوروبا، مع ظهور فكرة القصيد السمفوني والموسيقى "البرنامجية" التي يوزع المؤلف على الحضور فيها البرنامج أو المخطط الذي ستسير عليه الموسيقى بالاتكاء على أفكار أو لوحات أو قصائد دون تلحينها ولا غنائها، كالكثير من أعمال برليوز وستراوس وموسورسكي وغيرهم. وفي تلك المرحلة أيضا انتشرت عادة تسمية القطع بأسماء ذات دلالة رومنطيقية أيضا (البحر، جزيرة الموتى، العاصفة،...الخ). وإن كانت بعض أشكال المحاكاة والبرامج موجودة بشكل ضئيل من قبل، كما لدى فيفالدي مثلا. ولو كانت الموسيقى فعلا تحمل هذه المضامين في نسيجها الداخلي لما احتاج الرومنطيقيون إلى توزيع البرنامج أو القصيدة للجمهور. إن هي إلا العناصر التي استلهمو،ا بها الوحي لأعمالهم الموسيقية، التي تظل موسيقى جميلة وإن جهلنا برنامجها.
وانتشرت هذه الفكرة في الأوساط الشرقية مع مطلع القرن العشرين وبشكل أوسع مع تزامن التأثر بالرومنطيقية ومع انتشار المسرح الغنائي، معيدة احياء هاجس المشاكلة، وصارت الفكرة الأكثر سيطرة على الأذهان في مسألة التلحين الغنائي باعتبارها علما على اختلاف المدرسة الجديدة عن القديمة المهتمة بالتطريب والمتهمة بإهمال التعبير. على أن المدرسة القديمة لا تعدم من يقول بتعبيريتها بل وتفوقها في التعبير على اللاحقين.
هذا النموذج المثالي من المشاكلة لم يكن دوما متحققا، ولا هدفا بالضرورة. كما أن مشكلته هي في انعدام الاطراد، حيث يمكن نفس الكلام أن يلحن بأشكال مختلفة، كما يمكن الأداة الموسيقية نفسها أن ترتبط بتأثيرات مختلفة ومتضاربة.
أدوات صناعة التأثير: المحاكاة والطبيعة والثقافة
تنبع معظم الأدوات التي يمكن المؤلف استدعاءها من عناصر يصفها البعض بالطبيعية البيولوجية أو شبه الطبيعية، ومن المحاكاة، ومن المراجع السابقة داخل إطار ثقافي محدد.
أولا المحاكاة، ومنها تقليد بكاء الطفل أو "نهنهته" التي يشبهها البعض بأنها تكون على بعد نصف تون هابط، أو التأوه والتنهد أو تقليد أصوات العصافير أو سيارة الإسعاف أو صرير الصراصير. فيمكن المحاكاة أن تربط بين السامع وبين البكاء والدموع، أو الطبيعة أو الفصول أو المآسي أو الحرقة.
ومن عناصر المحاكاة أيضا، محاكاة أدائنا الصوتي في الكلام العادي، مثل ارتفاع درجة الصوت عند نهاية السؤال، أو التكرار عند الإصرار على غرض، أو النبر والتقطيع عند الحزم والأمر. وهنا أيضا لا معنى موسيقيا لهذه المحاكاة ما لم تتحول إلى عناصر موسيقية متلائمة ومندرجة في سياق أوسع منها لا تنعزل عنه.
والمحاكاة البحتة هي أدنى مراتب التأليف والأداء الموسيقي، والانتقادات كثيرة على فقرها وقلة الأمثلة الجدية عليها، إذ لم تنفصل فيها بعد الموسيقى كفن عما تقلده. وتحولها إلى موسيقى يحتاج إلى المعالجة الموسيقية. إن مستمعا غير ذي ألفة بالموسيقى الغربية لن يدرك أن ما يقوم به فيفالدي في "الفصول الأربعة" محاكاة للطبيعة، بالضبط لأنه حولها من محاكاة إلى أفكار موسيقية تلعب وتتجاوب وتتوزع وتتطور في سياق العمل وإطاره. مثلما أن معالجة مسيان للعصافير لا تشبه أصواتها، وأن آهات أم كلثوم غير الآهات التي تنتزعها من السامعين.
ثانيا العناصر التي قد تعتبر طبيعية بيولوجية أو شبه طبيعية، لناحية أسباب تأثيرها في السامع، مثل سرعة أو بطء الإيقاع، خفوت الصوت أو جهارته، اكتمال التآلف الموسيقى أو نقصه، الصمت المشحون وأساليب مفاجأة السامع.
الانسان نفسه مرتبط بإيقاع النبض في الدم والأحشاء، ولا يستغرب أن يضبط المرء سرعة سيره على إيقاع أغنية يسمعها. لذا نجد عنصرين مهمين: السرعة في نبض العمل وفي تقطيع الدرجات بشكل سريع منفصل staccato، فالسرعة تبعث الحيوية ويمكن بالتالي ربطها بأجواء النشاط والسرور أو بالعكس بأجواء التوتر والمطاردات. في المقابل، البطء واتصال الصوت legato، الذي يمكن ربطه بالهدوء والسكينة والعاطفة العميقة أو بالعكس بالموت والراحة الأبدية أو القلق أو الملل.
مثل ذلك عناصر الخفوت والجهارة، حيث الجهارة قد ترتبط بشدة الشعور، سواء بالفرح أو الألم أو الصراخ، مثلما أن الخفوت قد يرتبط بالحياة السفلى والحشرات أو بالهدوء أو بالركود، كما أن التتالي بينهما قد يرتبط بموجات من المد والجزر من دفقات البحر المنعشة أو من الأحاسيس الغامرة أو من الارتباك والتوتر...الخ
بعض التنافر في التآلفات المركبة قد يتم ربطه بالغموض والاحتمالات المفتوحة أو بالغرابة أو بالتشويق، إذ لا نعلم إلى أين سيتجه مثل هذا التآلف
كذلك نجد عناصر التآلف في الهارموني، حيث يرى البعض أن التآلفات التي تصدر من الاهتزازات الصوتية (وهي في الحقيقة تأتي كحزمة، فنحن لا نسمع مثلا درجة الدو وحدها بل ومعها عدد من الدرجات الأخرى المتآلفة) بحسب ترتيبها الطبيعي هي الأقرب إلى الذائقة والشعور بالاكتمال، كائتلاف الخامسة والثالثة التامتين في الماجور. أما هذه الأبعاد إذا كانت ناقصة، كالثالثة المنخفضة في المينور، فقد يربطها السامع بالحزن أو القلق.
من هنا، يرى البعض، ربط الماجور بالقوة والفرح والاكتمال والعسكرية، وربط المينور بالشجن والحزن والانكسار، وإن كان كثير من أغانينا دليلا على عكس ذلك نظرا لشيوع استعمال المينور (النهوند) والكرد في الشرق بما في ذلك في الأغنيات الفرحة (مثل "افرح يا قلبي"!). ومثل ذلك قد يبدو في نغمة الصبا حيث الرابعة المنخفضة هي مناط الطابع الحزين في أكثر الأحيان، وإن كان ذلك لم يمنع زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب والشيخ إمام من استعمال هذه النغمة في مقاطع مرحة وفرحة، بل إن عبد الوهاب استنكر علنا في برنامج تلفزيوني أن تكون أي نغمة "وقفا" على شعور معين.
كذلك فإن بعض التنافر في التآلفات المركبة قد يتم ربطه بالغموض والاحتمالات المفتوحة أو بالغرابة أو بالتشويق إذ لا نعلم إلى أين سيتجه مثل هذا التآلف.
ومن العناصر هذه أيضا استخدام الصمت المشحون، إما لمنح الوقت لاستيعاب ما سبق كلاما ونغما، أو للتأمل وإتاحة المجال للتركيز الداخلي في بعض الموسيقات الصوفية، أو لزيادة التشويق والتوتر، لا سيما اذا كان ما سبق الصمت درجة غير المستقر تركت معلقة أو ائتلاف متوتر لم ينحل إلى الراحة.
ويبدو واضحا في ما سبق مدى اتساع وتناقض هذه الارتباطات المحتملة، التي لا جامع بينها في الواقع الصوتي سوى الطابع الصوتي (سرعة، بطء، خفوت، جهارة، تكرار، تتابع...الخ) والتي يمكن المرء أن يسحبها إلى مجالات متنوعة بحسب ما يتراءى له من تشابه. لذا تكون كلمات الأغاني أو أسماء المقطوعات، أو مشاهد الفيلم وطبيعته تشويقا أو عاطفيا، هي ما يجعل المستمع يميل إلى التفاعل معها بشكل أكثر تحديدا.
يظل أن الموسيقى المشرقية بصورة خاصة ارتكزت تاريخيا، في بحثها عن لذة جمالية مخصوصة ومنفصلة عن المعاني اللغوية هي الطرب، على عنصر المفاجأة الذي يستثير الطرب سواء كانت القصيدة في الغزل والتشوق أو التصوف أو المديح أو الزهديات. والمفاجأة قد تتم بأشكال مختلفة، منها زخرفة الجملة الموسيقية والتنويع فيها، أو تغيير المقام، أو مخاتلة الإيقاع في القفلات، أو تغيير نبرة الصوت أو الآلة، وغير ذلك مما قد يكون مرتجلا أو محضرا.
الموسيقي العراقي نصير شمة يعزف على العود خلال تدريبات في المسرح الوطني العراقي في بغداد
الأدوات
ثالثا الأدوات المبنية على مراجع سابقة في إطار ثقافي محدد، ومعها نخرج من إطار الموسيقى في ذاتها إلى إطار ما يرتبط بها تاريخيا في تاريخ ثقافة ما. على سبيل المثل، ارتباط الشرق في ذهن الغربيين بمقام الحجاز لأنه غير مستعمل عندهم لكن يمكن تأديته على آلاتهم إلى حد ما فصار هو العلامة الصوتية على الشرق، أو ارتباط الشبابة والأرغول عندنا بالأرياف أو ارتباط الربابة بالصعيد المصري. لا يعني هذا أن هذه الاستعمالات حكر على هذا النوع من الربط، إذ يمكن استعمال هذه الآلات في غير هذا السياق. إلا أن تضافرها مع "برنامج" أو "صورة" سيجعلها تلعب هذا الدور بكفاءة عالية نظرا لاستقرار هذا الربط مسبقا عند المستمع.
شبيه بذلك استخدام مقام الكرد والغيتار للإشارة إلى اسبانيا، باستعمال مرجع الفلامنكو، أو استخدام ايقاعات مشهورة المنشأ مثل الفالس في فيينا، أو السلالم الخماسية المستعملة للربط مع السودان أو الصين.
وبالطبع يمكن الموسيقى، لا سيما المكتوبة، أن تسخر من طابع موسيقات سابقة بالمبالغة في استعمال عناصر مميزة لها، كالإفراط في البطء أو في تتابع هارموني شهير، وتقليد أسلوب مؤلف مشهور مع تعمد الخروج عن القواعد المشهورة... الخ.
موظف في أرشيف باخ في لايبزيغ يحمل نسخة مطبوعة من مقطوعتين موسيقيتين للأورغن ألّفهما يوهان سباستيان باخ في شبابه وظلتا مفقودتين لفترة طويلة
على صعيد أعقد، يوضح مونيل مثلا أنماطا متكررة في تاريخ الموسيقى الأوروبية، مثل "الدمع" (نصف التون الهابط) الذي سيصير لاحقا "التنهد"، و"الخطوات" (باستعمال تتابع من الدرجات المتقافزة هبوطا على التتالي)، و"الصيد والحرب" (باستعمال آلات النفخ النحاسية من أبواق وترومبيت وما شابهها وتقليد شذرات جملها) و"الخيل" (بايقاع حركاتها المتخيل). وينبه إلى أن هذه الأنماط تولدت عن وجود تراكم موسيقي مدون عبر القرون، ما يمكن من الإحالة على استعمال موسيقي سابق ارتبط بمناسبة أو فكرة ما، مثل الرقصات الريفية أو أبواق الصيد.
غير أن مونيل ينبه إلى أن تغير الربط مع تغير العصور. فنمط "الحرب" مثلا قد يرتبط بمشهد الفروسية النبيلة المتخيلة في عصر ما، بينما قد ينتقل لاحقا إلى السخرية من التباهي بالنياشين والبزات الرسمية. وبالمثل تنتقل صورة "الخيل" من الحيوية والركض والمعارك إلى الغابات أو الموت (كعجوز على حصان أعجف في المخيلة الأوروبية) أو الساحرات. وبالمثل يمكن أن نقول إن الفالس النمساوي يمكن أن يرتبط بفيينا والطبقة الراقية، مثلما يمكن أن يصير مرتبطا بالقديم البائد والطبقة المتكلسة. أي إن النمط ينزاح ارتباطه ضمن حقول دلالية واسعة ومتغيرة بحسب مستجدات المجتمع.
تلقي النمط مرتبط بالسياق الثقافي للمستمع ودرايته بهذه الإحالات، وإنه خارج هذا السياق يظل في إمكانه الاستماع إلى الأعمال الموسيقية دون ربطها بهذه الصور
غني عن القول إن تلقي النمط مرتبط بالسياق الثقافي للمستمع ودرايته بهذه الإحالات، وإنه خارج هذا السياق يظل في إمكانه الاستماع إلى الأعمال الموسيقية دون ربطها بهذه الصور، والاستمتاع بها جماليا في ذاتها ولخصائصها الموسيقية الخالصة.
ضرورة الإنصات إلى المادة الموسيقية
يصدق إمكان الاستماع والاستمتاع الجمالي الخالص على كل أدوات التأثير ، حيث يمكن المؤلف أن يضفر بينها دون أن يضعها في خدمة هدف سوى التجربة الجمالية، وهي لب الموسيقى الأعمق وشرط تعلقنا بها. كما يسعه أن يستعمل هذا الرصيد الجمالي في دعم أو مصاحبة تجارب خارجة عنها.
إنصات المستمع شرط أول لأي تفاعل جدي مع الموسيقى، ولتوليد المشاعر التي تقدمها لنا الموسيقى منضبطة في إطار جمالي فيمكن السيطرة عليها. ومن هذا الضبط "قوة الموسيقى" التي تسيطر على المشاعر، وأيضا على الزمن حيث "يحقق الإنسان الحاضر" في رأي سترافنسكي، إذ يمسك المرء بتتابع الأصوات في الزمن في حركة موحدة.
المطربة المصرية أم كلثوم تغني على مسرح الأولمبيا في باريس عام 1967
هذا الانصات لا يشترط أن يكون السامع خبيرا موسيقيا، ولا يتنافى مع الشغل والتفاعل مع أغاني العمل، أو مع الفرح في مناسباته. الانصات هو التنبه إلى الموسيقى، في جملها الميلودية ونقراتها الايقاعية ونبرات آلاتها. والمعرفة تزيد السحر ولا تنقصه. ومن مادة الموسيقى نفسها يمكن الناقد البدء بربط المادة بمجمل الوقائع الاجتماعية وبسياقها التاريخي الشاهد على تفاعلات لا تنتهي بين الحضارات المختلفة والشعوب المتصارعة.