برز الفنان التشكيلي السعودي فهد الخليف بوصفه واحدا من أهم الفنانين السعوديين الشباب وقد شهدت مسيرته الفنية سلسلة من التحولات والتطورات المتواصلة حتى بلغت تجربته منذ عام 2018 درجة واضحة من النضج الفني والفكري، لتضع الفنان على عتبة مرحلة جديدة واستثنائية في مسيرته، سواء على مستوى رؤيته الفكرية أم على مستوى أسلوبه التشكيلي.
في عدد من التجارب التشكيلية السعودية التي تناولت المدينة تبدو العمارة والحرف العربي من أبرز العناصر التي تسهم في بناء الهوية البصرية للمكان، حتى حين تتداخل مع عناصر أخرى كالمرأة، أو الطفل، أو الجمال، أو الجياد، سواء حضرت بصياغات واقعية أم بإيحاءات تشكيلية أكثر تحررا.
منعطف أساس
أما تجربة الفنان فهد الخليف، ولا سيما منذ عام 2018، فقد شهدت منعطفا أساسيا يمكن اعتباره مرحلة ترسخت فيها هويته التشكيلية، وبلغت لغته البصرية قدرا أكبر من التماسك والخصوصية. وقد تجلى ذلك بوضوح في معرض "حين تسكننا الأماكن" ومعرض "الظل الثالث" الذي كشف عن رؤية بصرية ولغة تشكيلية اختزلت كثيرا من العناصر لصالح بناء عالم ينهض على التجربة الذاتية، والضوء، واللون، والإيقاع الداخلي للوحة.
في أعماله الجديدة لم ينغلق الفنان على ذاته بقدر ما عكس تحرره من هاجس البحث عن الصيغة وصوله إلى لغة تشكيلية أكثر ثقة بنفسها. لغة تشكيلية أتاحت له حرية أوسع في التعبير نبعت خاصة من الثراء البصري الذي شكلته زخارف منطقة العسير والهندسة الشعبية في مدينة الباحة، ولا ننسى دور جدة ومدينة مكة المكرمة ضمن تلك المؤثرات. كل هذا الثراء جعل نصه يقترب من فضاءات تتقاطع فيها السوريالية مع التعبيرية ذات النزعة الرمزية، ولكن من دون أن يفقد عالمه التشكيلي خصوصيته.
أتت مدن الفنان منشأة بالخيال أكثر مما هي مشيدة ببناء هندسي متماسك. فهي لا تخشى الانفلات من قوانين الواقع لأن تماسكها لا يقوم على المحاكاة الدقيقة للأشكال بل على منطقها الداخلي الذي يمنحها توازنا خاصا. فالبيت ينفتح على الباب، والفضاء الداخلي تنبت فيه أشجار النخيل لتتداخل الحدود بين الداخل والخارج في عالم يحكمه الخيال أكثر مما تحكمه الجغرافيا.
أما الطائر الذي كان يقف على أذرع الشخوص ذات الوجوه المبهمة والمتشابهة فقد تجاوز حضوره بوصفه عنصرا تصويريا ليصبح عنصرا بنائيا أساسيا في اللوحة. فهو يظهر محلقا في السماء ثم يتحول في مواضع أخرى من اللوحة أو في أعمال أخرى إلى جسر بصري رقيق يصل بين أجزائها وعناصرها. وعلى الرغم من أن حضوره لا يشغل سوى مساحة محدودة، فإنه يؤدي دورا إنشائيا وعاطفيا في آن واحد، حتى إن بعض اللوحات يصعب تخيلها من دونه إذ أن غيابه يخل بتوازنها الداخلي ويستبدل التناغم بحالة من القلق البصري.




