المدن الممطرة في لوحات الفنان السعودي فهد الخليف

الخيال أداة أساسية في الهوية البصرية

Fahad Kholaif-facebook
Fahad Kholaif-facebook

المدن الممطرة في لوحات الفنان السعودي فهد الخليف

برز الفنان التشكيلي السعودي فهد الخليف بوصفه واحدا من أهم الفنانين السعوديين الشباب وقد شهدت مسيرته الفنية سلسلة من التحولات والتطورات المتواصلة حتى بلغت تجربته منذ عام 2018 درجة واضحة من النضج الفني والفكري، لتضع الفنان على عتبة مرحلة جديدة واستثنائية في مسيرته، سواء على مستوى رؤيته الفكرية أم على مستوى أسلوبه التشكيلي.

في عدد من التجارب التشكيلية السعودية التي تناولت المدينة تبدو العمارة والحرف العربي من أبرز العناصر التي تسهم في بناء الهوية البصرية للمكان، حتى حين تتداخل مع عناصر أخرى كالمرأة، أو الطفل، أو الجمال، أو الجياد، سواء حضرت بصياغات واقعية أم بإيحاءات تشكيلية أكثر تحررا.

منعطف أساس

أما تجربة الفنان فهد الخليف، ولا سيما منذ عام 2018، فقد شهدت منعطفا أساسيا يمكن اعتباره مرحلة ترسخت فيها هويته التشكيلية، وبلغت لغته البصرية قدرا أكبر من التماسك والخصوصية. وقد تجلى ذلك بوضوح في معرض "حين تسكننا الأماكن" ومعرض "الظل الثالث" الذي كشف عن رؤية بصرية ولغة تشكيلية اختزلت كثيرا من العناصر لصالح بناء عالم ينهض على التجربة الذاتية، والضوء، واللون، والإيقاع الداخلي للوحة.

في أعماله الجديدة لم ينغلق الفنان على ذاته بقدر ما عكس تحرره من هاجس البحث عن الصيغة وصوله إلى لغة تشكيلية أكثر ثقة بنفسها. لغة تشكيلية أتاحت له حرية أوسع في التعبير نبعت خاصة من الثراء البصري الذي شكلته زخارف منطقة العسير والهندسة الشعبية في مدينة الباحة، ولا ننسى دور جدة ومدينة مكة المكرمة ضمن تلك المؤثرات. كل هذا الثراء جعل نصه يقترب من فضاءات تتقاطع فيها السوريالية مع التعبيرية ذات النزعة الرمزية، ولكن من دون أن يفقد عالمه التشكيلي خصوصيته.

أتت مدن الفنان منشأة بالخيال أكثر مما هي مشيدة ببناء هندسي متماسك. فهي لا تخشى الانفلات من قوانين الواقع لأن تماسكها لا يقوم على المحاكاة الدقيقة للأشكال بل على منطقها الداخلي الذي يمنحها توازنا خاصا. فالبيت ينفتح على الباب، والفضاء الداخلي تنبت فيه أشجار النخيل لتتداخل الحدود بين الداخل والخارج في عالم يحكمه الخيال أكثر مما تحكمه الجغرافيا.

أما الطائر الذي كان يقف على أذرع الشخوص ذات الوجوه المبهمة والمتشابهة فقد تجاوز حضوره بوصفه عنصرا تصويريا ليصبح عنصرا بنائيا أساسيا في اللوحة. فهو يظهر محلقا في السماء ثم يتحول في مواضع أخرى من اللوحة أو في أعمال أخرى إلى جسر بصري رقيق يصل بين أجزائها وعناصرها. وعلى الرغم من أن حضوره لا يشغل سوى مساحة محدودة، فإنه يؤدي دورا إنشائيا وعاطفيا في آن واحد، حتى إن بعض اللوحات يصعب تخيلها من دونه إذ أن غيابه يخل بتوازنها الداخلي ويستبدل التناغم بحالة من القلق البصري.

في الفترة المتقدمة من نتاجه البصري قدم فهد الخليف الظل ككائن يرافق الأشكال من ناحية ويصبح قائما بذاته كبنيان "يظلل" ذاته

وفي هذه الفترة المتقدمة من نتاجه البصري قدم فهد الخليف الظل ككائن يرافق الأشكال من ناحية ويصبح قائما بذاته كبنيان "يظلل" ذاته، اذا صح التعبير من ناحية أخرى.

إن مسألة الاشتغال على الظل بوصفه كائنا مستقلا يمكن استقراء أحواله ودلالاته واستكشاف قدرته على نسج العلاقات بين المفردات البصرية، بما في ذلك شخوص لوحاته التي بدت في أعماله الأخيرة أقل غموضا، تستحق أكثر من ملاحظة. فمن الممكن أن يصبح هذا الاشتغال موضوعا بصريا قائما بذاته يرافق الفنان ويلازمه لفترة طويلة.

Fahad Kholaif-facebook
عمل للخليف

المدن المتوسعة

الخيال إذن هو السمة الأبرز التي صاغت عالم فهد الخليف ومنحته بصمته الخاصة. ففي هذا العالم المخضب بمعرفة عميقة بالتراث تظهر قطع الشطرنج كأنها شخوص المدينة: تسير أو تقف أو تواجه المتلقي بنظراتها الصامتة. وحين تأتي باللون الأبيض فإنها تستدعي جياده البيضاء التي شهدت هي الأخرى تحولا لافتا في تجربته الفنية. إذ انتقلت من صورة الحصان العربي، كما عرفته التقاليد البصرية إلى رمز أكثر تجريدا محتفظا بقدرته على الايحاء بالقوة والحركة الكامنة حتى في لحظات السكون حيث تصبح "حجريته"، إذا صح التعبير، صلابة من نوع آخر تجعل منه كما في حالة الطائر، عنصرا رابطا أو مفككا له وظيفة أساسية في بناء التكوين.

يظهر في تجربة الفنان تحول آخر لا يقل أهمية عن سائر التحولات، وهو تصالحه مع الاكتظاظ البصري بعدما بدا أنه يتجنبه شعوريا أو لا شعوريا، في مراحل سابقة. ويتجلى ذلك بوضوح في عدد من اللوحات التي تتكرر فيها مفردات مثل الطاولة والكرسي حيث لا تبدو العناصر متزاحمة بقدر ما تبدو متآلفة داخل نسيج بصري واحد. وقد أثبتت هذه الجرأة أن الاكتظاظ، ووفرة العناصر حين تحسن إدارتها، يمكن أن تكون أحد أهم مصادر ثراء اللوحة وجماليتها. أخرج الفنان من نصه الفني منطق الزخرفة المجانية. فالتفاصيل الكثيرة أصبحت جزءا من بنيتها العميقة وتدخل في حوار مستمر مع اللون والرمز والفراغ.

Fahad Kholaif-facebook
لوحة لفهد الخليف

وهنا تكمن أهمية هذا التحول، إذ لم يعد الاكتظاظ في أعمال فهد الخليف نقيضا للصفاء. أصبح وسيلة للوصول إليه. فالعناصر المتعددة لا تتنافس على الحضور وإنما تتجاور داخل نظام بصري دقيق يحفظ لكل منها شخصيتها ويمنح اللوحة غناها الداخلي. إنها كثافة تؤدي إلى عالم تتراكم فيه الطبقات البصرية كما تتراكم طبقات الذاكرة. حتى الحروفية لم تعد في هذه المرحلة عنصرا مستقلا يفرض حضوره على اللوحة، إذ ذابت داخل نسيجها التشكيلي لتصبح جزءا من روحها. فقد تحرر الحرف من وظيفته المباشرة بوصفه كتابة، وأصبح طاقة بصرية قابلة للتحول تتداخل مع الحركة والإيقاع واللون.

من النافل القول إنه لا غرابة في ذلك فالحرف العربي، لا سيما خط الثلث الذي يبدو أن الفنان يعشقه، هو سفينة متحولة تأخذ الفنان إلى مرافئ متعددة الوجوه، بعضها يبدو مستحيلا في البداية لكنه يصبح قابلا للوجود بفعل قوة الخيال وعمق التجربة الفنية. ومن هنا يحمل نص الفنان المشاهد على التأويل والمشاركة في بناء المعنى. فالأمر يشبه تركيب أحجية بصرية تفتح أمام كل متلق مسارا خاصا للقراءة. وهكذا يصبح نص الفنان لغة متحركة ونابضة بالمعاني تتجدد مع كل عين تنظر إليها. لذلك يمكن القول إن عالم فهد الخليف يقوم على شبكة من الرموز البصرية التي تتكرر من عمل إلى آخر حتى أصبحت جزءا من معجمه التشكيلي الخاص. فالنافذة، والباب، والكرسي، والقارب، والحصان، والنخلة، وقطع الشطرنج، تتحول إلى علامات مفتوحة على التأويل تكتسب دلالاتها من العلاقات التي تنشأ بينها داخل اللوحة.

Fahad Kholaif-facebook
عمل للسعودي فهد الخليف

وتكمن القوة الجديدة في أعماله الأخيرة في هذا التفكك الجميل الذي يشير إلى تحرر العناصر من مواقعها التقليدية ودخولها في علاقات جديدة أكثر انفتاحا. فالعناصر تبدو أشبه بالوشوم التي ترصع سطح اللوحة كالنجوم حاضرة ومنفردة، لكنها في الوقت نفسه مندمجة في نسيجها العام. وهذا التفكيك لا يحتاج إلى صياغة ثقيلة أو إلى بناء صارم، إذ يكفي أحيانا خفق جناح طائر أبيض علقه الفنان في فضاء اللوحة ليصبح جسرا بصريا أو أطلقه ليعبر المكان بانسياب، من دون أن يزعزع ثبات المدينة وتوازنها.

عالم فهد الخليف يقوم على شبكة من الرموز البصرية التي تتكرر من عمل إلى آخر حتى أصبحت جزءا من معجمه التشكيلي 

هذه القدرة على حشد التفاصيل في فضاء مفتوح قد تكون من الأسباب التي جعلت الفنان يحب العمل على لوحات واسعة، بما في ذلك الجداريات، إذ تظل أطر المساحات التشكيلية مفتوحة، ويمكن أن تتمدد وتتسع دون أن يحدث أي خلل في البنيان العام للعمل الفني. ونذكر من الجداريات تلك التي عرضت في مطار الملك عبد العزيز الدولي. وإذا كان المتابع لأعماله السابقة يبحث في لوحاته الجديدة، على سبيل المثل، عن الكرسي والطاولة اللذين كانا يحضران بوصفهما عنصرين محددين في بناء المشهد، فإنه سيعثر عليهما وقد ذابا في أجواء المدينة متدثرين ببيوتها وأحوالها، حتى أصبحا جزءا من نسيجها البصري وذاكرتها.

Fahad Kholaif-facebook
من أعمال الخليف

المدن الممطرة

من تلك الذاكرة، ومن ذلك الفضاء الماطر، تولد كما أسلفنا مدن منشأة بالخيال أكثر مما هي مشيدة ببناء هندسي متماسك، لا تنفك تتبدل وتتغير من لوحة إلى أخرى تعكس ملكة الدهشة التي يتمتع بها فهد الخليف إزاء ما يحيط به، وتشكل أحد المحركات لغزارة إنتاجه من جهة، ولغرابة هندسته المقنعة من جهة أخرى. إنها هندسة سمح لها الفنان بأن تنمو بحرية من غير أن تلتزم في كثير من الأحيان قواعد المنظور أو البناء الهندسي التقليدي.

وما على الناظر إلى لوحة واحدة، أو إلى مجموعة من لوحاته إلا أن يتراجع بضع خطوات إلى الوراء حتى يكتشف مدنا ممطرة تنهمر أبنيتها من السماء لتستقر بثبات على الأرض. ويعزز هذه الرؤية تمكن الفنان من التلاعب بالمنظور ومن دفع المستويات البصرية إلى التراكب والتدافع في أنماط متعددة تتحدى المنطق أحيانا وتهادنه أحيانا أخرى من غير أن تفقد اللوحة توازنها أو قدرتها على إقناع العين بما تراه.

إن كانت مكة المكرمة والباحة وغيرهما من المناطق التاريخية، حفرت في مخيلة الفنان آثارا جمالية، فإن مدينة جدة المطلة على البحر الأحمر، يبدو أنها غرست في أعماقه مفردة الزرقة. فقد دخل اللون الأزرق إلى لوحاته بقوة حتى بات جزءا أصيلا من بنيانها التشكيلي. حل الأزرق بلون الإيقاع والاتساع في أعماله متوجا بجميع تدرجاته، من الداكن إلى الفاتح، ومن الصافي إلى المشوب بالرمادي، وهي تدرجات تستدعي في كثير من الأحيان ألوان الأسماك التي تعيش في مياه جدة والبحر الأحمر، بأجسادها الزرقاء المخضرة وجوانبها الفضية اللامعة التي تتحرك في أسراب لترسم تحت سطح الماء خطوطا لا تكف عن التشكل.

Fahad Kholaif-facebook
من لوحات الخليف

وباقتران اللون الأزرق بأجواء الدهشة التي تفيض بها لوحاته، ومع ذلك الانهمار الإنشائي للبيوت المتراصة، نشأت تراكيب تبدو في الواقع مستحيلة. ففي هذا العالم البصري تطوف الزوارق وتسبح عموديا كأنها اكتسبت من الفضاء المحيط بها رطوبة خاصة ليست رطوبة البحر وحده ولا رطوبة المطر، بل حالة معلقة بين الاثنين يصعب الفصل فيها بين الماء والسماء. تستدعي هذه الأعمال إلى الذاكرة، من حيث الإحساس البصري لا من حيث التشابه المباشر، لوحة للفنان رينيه ماغريت بعنوان "غولكوندا" حيث تبدو الشخوص هاطلة من السماء مثل قطرات المطر في مشهد يتحدى قوانين الجاذبية، كما تتحدى مدن الفنان منطق المكان والبناء.

في هذا العالم البصري تطوف الزوارق وتسبح عموديا كأنها اكتسبت من الفضاء المحيط بها رطوبة خاصة

بعد عام 2018، ظهرت مدن تمطر في لوحاته وقوارب تحتل أحيانا مواضع تليق بالنوافذ والشرفات. قوارب زرقاء تجمع بين الحراك والثبات، وبين فكرة التنقل من دون مغادرة فعلية وكأنها تعبر داخل الذاكرة أكثر مما تعبر في المكان. وهذا، في جوهره ما تشير إليه أعماله بعدما تبلورت شخصيته الفنية الخاصة: استحضار بريق الماضي فوق سطح بحر الحاضر حيث لا تكف المدن عن المطر.

font change