حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن كل من يحمل هاتفا ذكيا يحمل "قطعة من إسرائيل" في يده، بدت العبارة في ظاهرها جزءا من خطاب سياسي مألوف يسعى إلى تضخيم إنجازات قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي. لكن خلف هذه المبالغة حقيقة أكبر من الهاتف نفسه، فقد نجحت إسرائيل خلال العقود الأخيرة في إدخال شركاتها ومهندسيها وتقنياتها إلى طبقات عميقة من الصناعة التكنولوجية العالمية، بحيث أصبح حضورها في بعض الأحيان غير مرئي للمستهلك، لكنه مؤثر داخل المنتج.
لا تتعلق المسألة بهاتف واحد، ولا تعني أن الـ"آيفون" أصبح منتجا إسرائيليا، فالهاتف الذكي الحديث في الأصل نتاج شبكة دولية معقدة، فتصميمه قد يتم في الولايات المتحدة، وبعض شرائحه تصنع في تايوان، وشاشته تأتي من كوريا الجنوبية، ومستشعراته من اليابان، ويتم تجميعه في الصين أو الهند، بينما تتوزع البرمجيات والهندسة والملكية الفكرية بين عشرات الدول والشركات. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: أين صنع الجهاز؟ بل من صمم المكونات التي لا يمكن الجهاز أن يعمل من دونها، ومن يمتلك المعرفة والبراءات والخبرة التي تقف وراءها؟
من هذه الزاوية تبرز التجربة الإسرائيلية. فإسرائيل لم تبن قوتها التكنولوجية على التصنيع الواسع النطاق مثل الصين أو تصنيع أشباه الموصلات مثل تايوان، بل ركزت على مجالات محدودة لكنها عالية القيمة، مثل تصميم الشرائح، والشبكات، والأمن السيبراني، والاتصالات، والرؤية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي والاستشعار، وغالبا لا يرى المستهلك هذا الحضور مباشرة. فقد يستخدم "آيفون" أو خدمات "أمازون" أو تقنيات "إنفيديا" من دون أن يعرف أن شركة أو فريقا إسرائيليا شارك في تطوير بعض مكوناتها. وهنا تكمن طبيعة النفوذ التكنولوجي الحديث، وهو أن تكون جزءا من المنتج من دون أن يظهر اسمك عليه.
حضور خفي
أعاد هاتف "آيفون 17e" النقاش إلى الواجهة، فعند الكشف عنه في مارس/آذار 2026، قالت "آبل" إنه يعمل بمعالج A19 ومودمC1X الذي طورته داخليا لتقليل اعتمادها على الموردين، من دون الكشف تفصيلا عن الفرق الهندسية المشاركة في تطويره.
لاحقا، ربطت تقارير إسرائيلية المودم بفرق السيليكون التابعة لـ"آبل" في إسرائيل، وهو ارتباط لا يبدو مفاجئا بالنظر إلى حضور الشركة هناك منذ أكثر من عقد. فقد استحوذت "آبل" على "أنوبيت" في 2012، و"برايم سينس" في 2013، و"لينكس إيميجينغ" في 2015، و"ريل فيس" في 2017، في مجالات تمتد من ذاكرة الفلاش والاستشعار الثلاثي الأبعاد إلى التصوير الحاسوبي والتعرف الى الوجه.
ولا تبدو هذه الصفقات، عند جمعها، مجرد استحواذات منفصلة، بل هي مسار لبناء خبرات متراكمة في تقنيات تقع في قلب أجهزة "آبل"، عبر ضم فرق هندسية وبراءات اختراع ومعرفة متخصصة يمكن دمجها في منتجات الشركة لسنوات.

