كيف تحولت العلاقات الاقتصادية بين الصين وأميركا اللاتينية إلى روابط سياسية؟

لم تستبدل بكين الجيوسياسة بالسلع الأساسية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الصيني شي جين بينغ والبرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والتشيلي غابرييل بوريك، والكولومبي غوستافو بيترو، قبل افتتاح الاجتماع الوزاري الرابع لمنتدى الصين ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي في بكين في 13 مايو 202

كيف تحولت العلاقات الاقتصادية بين الصين وأميركا اللاتينية إلى روابط سياسية؟

على مدى عقدين من الزمان، كان الحضور الصيني المتنامي في أميركا اللاتينية يُفسَّر في المقام الأول عبر بوابة السلع الأساسية والتجارة والقروض السيادية؛ غير أن هذا التفسير بات اليوم قاصراً عن إحاطة الواقع بواقعه. إذ تتسع أجندة بكين الإقليمية لتشمل الموانئ، والشبكات الرقمية، والطاقة، والصناعات التحويلية المتقدمة، والتنسيق السياسي، والتعاون الأمني. بل إن وثيقة السياسة الصينية لعام 2025 تُقدِّم أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي بوصفها قوة متميزة ضمن نظام دولي أكثر تعددية للأقطاب. ويُشكل هذا العلاقات المتسعة تحولاً بارزاً، وإن لم يكن قطعاً كاملاً مع الماضي.

فلا تزال السلع الأساسية تحتل موقع الصدارة، حتى مع استناد أشكال التعاون الحديثة إلى روابط اقتصادية أُرسيت قواعدها قبل وقت طويل من بدء انضمام دول أميركا اللاتينية إلى مبادرة "الحزام والطريق"- وهي البرنامج العالمي لبكين في مجال البنية التحتية والترابط. وقد تكمن الأهمية الجيوسياسية الحقيقية فيما تتيحه هذه الروابط اليوم؛ حيث تترسخ الصين بشكل أعمق في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والمؤسسات الإقليمية، مما يمنح حكومات أميركا اللاتينية هامشاً أكبر لتنويع الشراكات وتحقيق أولوياتها الوطنية. وفي المقابل، باتت واشنطن تنظر إلى دور بكين بمزيد من الصراحة والوضوح بوصفه منافسة استراتيجية. إن تجاوز نطاق "السلع الأساسية" يضع هذه التحولات في سياق جيوسياسي أرحب، في وقت تسعى فيه حكومات أميركا اللاتينية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في علاقاتها الخارجية، وتواجه فيه الولايات المتحدة نصف كوكب الأرض الذي لم يعد فيه نفوذها أمراً مسلماً به.

مرتكزات قديمة وأبعاد جديدة

إن فكرة دخول مرحلة جديدة تتطلب بعض التحفظ؛ إذ لا تزال علاقة الصين بأميركا اللاتينية متجذرة في الظروف التي غذت نموها خلال طفرة السلع الأساسية في العقد الأول من القرن الحالي، عندما أدى الطلب الصيني على المواد الخام إلى تحول جوهري في التجارة الإقليمية. ولا يزال تأمين إمدادات المعادن والطاقة والمنتجات الزراعية يمثل أولوية استراتيجية. كما أن مبادرة "الحزام والطريق" لم تحدث التحول الذي يُنسب إليها أحياناً، بل بَنَت على جهود سابقة لتمويل البنية التحتية وتعزيز الروابط التجارية. ويظهر هذا الاستمرار جلياً اليوم؛ إذ تمد أميركا اللاتينية الصين بنحو ثلاثة أرباع وارداتها من فول الصويا وشبه كامل وارداتها من كربونات اللثيوم عام 2024، مما يوضح كيف يستمر أمن الموارد في قيادة المصالح التجارية لبكين في المنطقة حتى مع تطور تركيزها.

تضع وثيقة السياسة الصينية لعام 2025 أميركا اللاتينية ضمن تصور أوسع لـ"الجنوب العالمي" ونظام دولي أكثر انتشاراً وتعدداً

ومع ذلك، شهدت هيكلية النشاط الاقتصادي الصيني تغيراً ملحوظاً؛ إذ تراجعت الحقبة التي كانت تسيطر عليها القروض السيادية ومشروعات البنية التحتية المدعومة من الدولة، لتركّز الشركات رؤوس أموالها في قطاعات الاتصالات، والطاقة المتجددة، ونقل الكهرباء، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، والصناعات التحويلية المتقدمة. وأظهرت أبحاث أجراها "حوار الدول الأميركية"(Inter-American Dialogue) ، و"مركز سياسات التنمية العالمية" بجامعة بوسطن، أن إقراض بنوك التنمية الصينية للمنطقة بلغ في المتوسط ما يزيد قليلاً على 1.3 مليار دولار سنوياً بين عامي 2019 و2023، وهو مستوى يقل كثيراً عن ذروته السابقة. وفي تحليل آخر، تبين أن الصناعات المصنفة ضمن "البنية التحتية الجديدة" استحوذت على 58 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي عام 2022. ويعكس هذا التطور الأهداف الاقتصادية المحلية داخل الصين بقدر ما يعكس الاعتبارات الجيوسياسية الإقليمية، ولا سيما سعي بكين لتعزيز الصناعات المتقدمة تكنولوجياً وتأمين أسواق جديدة للشركات الصينية.

وسياسياً، لم تتخلَّ الصين عن السلع الأساسية، بل أضافت إليها طبقات تكنولوجية وبنيوية ومؤسسية تربط بكين عن قرب بالقطاعات التي تشكل معالم التنمية المستقبلية لأميركا اللاتينية. ومع تشابك هذه الروابط وتعددها، أصبحت القرارات المتعلقة بأنظمة الطاقة، والشبكات الرقمية، والسياسات الصناعية، وسلاسل الإمداد متداخلة مع السياسة الخارجية، مما يمنحها أهمية تتجاوز مجرد الاستثمارات الفردية، ويجعل من الصعب على بكين أو الحكومات الإقليمية أو واشنطن التعامل معها كأنشطة تجارية بحتة.

رويترز
الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا خلال حفل استقبال أقيم في قاعة الشعب الكبرى في بكين، الصين، في 13 مايو 2025

عندما تتحول الأبعاد الاقتصادية إلى أبعاد سياسية

يبرز البعد السياسي بأوضح صوره في الهيكلية المؤسسية المحيطة بتفاعل بكين مع المنطقة. إذ تضع وثيقة السياسة الصينية لعام 2025 أميركا اللاتينية ضمن تصور أوسع لـ"الجنوب العالمي" ونظام دولي أكثر انتشاراً وتعدداً، مع اعتماد مجتمع دول أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي (CELAC) كمنصة إقليمية رئيسة. يضم هذا التكتل- الذي أنشئ عام 2011- في عضويته 33 دولة من أميركا اللاتينية والكاريبي دون مشاركة الولايات المتحدة أو كندا، ويحافظ على منتدى رسمي مع الصين منذ عام 2014. وتستهل خطة العمل المشتركة بين الصين وتكتل (CELAC) للأعوام من 2025 إلى 2027 بنودها بالتركيز على العلاقات السياسية، داعية إلى حوار رفيع المستوى وتنسيق أقوى في الشؤون الدولية، إلى جانب التبادل بين المجالس التشريعية، والحكومات المحلية، والجامعات، ومراكز الفكر، والأحزاب السياسية. وبموجب هذه الخطة، تعهدت بكين بدعوة 300 مسؤول حزبي سنوياً من دول التكتل إلى الصين اعتباراً من عام 2025، بالتوازي مع برامج مخصصة للأكاديميين والمهندسين والصحافيين وغيرهم من المهنيين. وتُشير هذه المبادرات إلى محاولة لترسيخ العلاقات عبر مؤسسات وشبكات قابلة للاستمرار عبر تعاقب الحكومات.

ويحمل هذا التوسع أبعاداً جيوسياسية دون أن يثبت بالضرورة أن دول أميركا اللاتينية تدور في فلك بكين. فمن خلال الهياكل الإقليمية للتنسيق السياسي، تكتسب بكين مسارات لمنافسة جوانب من الهيمنة الأميركية دون مواجهة مباشرة، مع شمول بنود التنسيق لمجالات الأمن السيبراني، ومكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وتدريب الشرطة، وتكنولوجيا الفضاء، وحوكمة الذكاء الاصطناعي. وتوفر هذه المجالات لقنوات إضافية لبناء الاتصالات السياسية، رغم أن إدراجها في الاتفاقيات المشتركة لا يعني القبول الموحد أو التنفيذ المتماثل عبر منطقة تتسم بالتنوع السياسي. وتتميز خطة العمل بمرونة المشاركة وطوعيتها، مما يتيح لكل حكومة تحديد مستوى انخراطها وفق إرادتها.

تتجلى الإرادة المستقلة لدول أميركا اللاتينية بوضوح في ميناء شانكاي في البيرو، والذي يشكل اختباراً عملياً لكيفية التقاء المشاركة الصينية مع المصالح الإقليمية دون أن يذوب أحدهما في الآخر

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين "النفوذ" و"السيطرة السياسية"؛ إذ لم تجد الأبحاث أي دليل أسلوبي/منهجي يشير إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني قد نشر أنظمة الحكم الاستبدادية في أميركا اللاتينية، وهو ما يتحدى المزاعم بأن الاعتماد الاقتصادي يؤدي حتماً إلى تآكل السيادة السياسية. إن تدفقات رؤوس الأموال، والروابط المؤسسية، والعلاقات المستدامة مع النخب قد تجعل الصين في تواصل أكثر انتظاماً مع صناع القرار دون أن تحسم مسبقاً كيفية استجابة الحكومات. فالآثار السياسية تعتمد في نهاية المطاف على الخيارات التي تتخذها دول أميركا اللاتينية بنفسها.

أ.ف.ب
صورة جوية لمصنع إيرامين لاستخراج الليثيوم في سالار سينتيناريو راتونيس بمقاطعة سالتا، الأرجنتين، بتاريخ 4 يوليو 2024

ولم تستجب حكومات أميركا اللاتينية للأهمية الإقليمية المتزايدة للصين بنقل ولائها من قوة عظمى إلى أخرى؛ بل يشير سلوكها إلى نهج انتقائي موجه بالمصالح الوطنية وبالفرص التي يتيحها نظام دولي أقل تمركزاً. وكشف تحليل للتصويتات المثيرة للجدل في الجمعية العامة للأمم المتحدة بين عامي 2001 و2023 أن معظم دول أميركا اللاتينية الديمقراطية تقاربت كثيراً مع الصين في القضايا الاقتصادية، لكنها ظلت أقرب بكثير إلى الولايات المتحدة والدول الغربية في قضايا حقوق الإنسان والسيادة والسلامة الإقليمية- وهو نمط لم يتغير كثيراً بتغير التوجه السياسي للحكومات المحلية. ومن ثم، يمكن للعلاقات مع بكين أن تتعمق دون أن تنتج محاذاة جيوسياسية موازية، مما يسمح للحكومات بتقسيم علاقاتها الخارجية وفقاً للمصالح الخاضعة للرهان.

بين بكين وواشنطن

تتجلى الإرادة المستقلة لدول أميركا اللاتينية بوضوح في ميناء شانكاي في البيرو، والذي يشكل اختباراً عملياً لكيفية التقاء المشاركة الصينية مع المصالح الإقليمية دون أن يذوب أحدهما في الآخر. غالباً ما يُعرض الميناء عبر منظار النفوذ الإقليمي لبكين، خاصة وأن شركة الملاحة المملوكة للدولة الصينية (COSCO Shipping) تمتلك حصة الحاكمية في تشغيله. وبالنسبة لليما، يحقق المشروع طموحاً طال انتظاره لتعزيز موقع البيرو كبوابة على المحيط الهادئ بين أميركا الجنوبية وآسيا، وهو هدف تدعمه أوقات الشحن القليلة إلى الصين وعمليات إعادة الشحن الإقليمية الضخمة. وتتقاطع الاستثمارات الصينية مع الأهداف البيروفية دون أن تتطابق؛ إذ توفر الملكية التجارية للشركة نفوذاً تجارياً كبيراً، في حين تظل الجمارك والأمن البحري والسيادة الوطنية بيد السلطات البيروفية. ويقدم ميناء شانكاي نموذجاً ملموساً لكيفية بناء بنية تحتية تفيد بكين وفي الوقت نفسه تحقق أهدافاً حددتها دولة في أميركا اللاتينية.

وترى واشنطن هذا النوع من البنية التحتية بنظرة مختلفة، كما تُظهر دراسة أجراها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"  (CSIS)عام 2025. فقد حددت الدراسة 37 مشروع ميناء تتشارك فيها شركات صينية عبر أميركا اللاتينية والكاريبي، وقيمت أهميتها الاستراتيجية من حيث المزايا المحتملة التي قد تجنيها بكين ودرجة الانكشاف الأميركي. والأهم من ذلك أن عشرة مشاريع فقط شملت مرافق نشطة تمتلكها أو تشغلها شركات صينية، بينما اقتصرت المشروعات الأخرى على التمويل أو البناء أو توريد المعدات. ولا تدعي الدراسة إثبات النوايا الصينية، لكن تحليلها يوضح كيف تفسر واشنطن البنية التحتية التجارية من منظور ثغرات أمنية مستقبليّة محتملة. فالموانئ قد تكتسب أهمية جيوسياسية لأنها تقع عند نقطة تقاطع سلاسل الإمداد، والبيانات، والوصول البحري، والدعم اللوجستي العسكري، حتى عندما يكون هدفها المباشر تجارياً محضاً.

دخل التفاعل الصيني مع أميركا اللاتينية مرحلة سياسية أكثر وضوحاً، وإن كانت بكين لم تستبدل الجيوسياسة بالسلع الأساسية؛ إذ لا تزال التجارة وأمن الموارد يحددان جانباً كبيراً من نشاطها الاقتصادي في المنطقة

وتعكس التفسيرات المتنافسة لمشروع شانكاي تحولاً أوسع نطاقاً؛ حيث ترى بكين في البنية التحتية وسيلة لتوسيع الترابط مع المنطقة، وتسعى البيرو لتحقيق التنمية والوصول إلى الأسواق الآسيوية، بينما تنظر واشنطن إلى الأصول ذاتها باعتبارها تغييراً للبيئة الاستراتيجية في نصف كرتها الأرضي. ويمكن لهذه القراءات أن تتعايش، مما يؤكد كيف يمكن للنشاط التجاري الصيني أن يكتسب بعداً استراتيجياً دون أن يتوقف عن خدمة أغراضه الاقتصادية. إن المنافسة الناشئة لا تعود فقط إلى طموحات بكين ومحاولات واشنطن للحفاظ على نفوذها، بل ترجع أيضاً إلى قرارات حكومات أميركا اللاتينية بشأن المجالات التي يخدم فيها التعاون مع أي من القوتين مصالحها الخاصة.

رويترز
رافعة تنقل حاوية في الميناء الضخم الجديد الذي تبنيه شركة كوسكو للشحن الصينية المملوكة للدولة، والذي يُتوقع أن يُقلّص المسافات البحرية إلى آسيا للبضائع البيروفية وبعض البضائع البرازيلية، في شانكاي، بيرو، 24 أكتوبر 2024

لقد دخل التفاعل الصيني مع أميركا اللاتينية مرحلة سياسية أكثر وضوحاً، وإن كانت بكين لم تستبدل الجيوسياسة بالسلع الأساسية؛ إذ لا تزال التجارة وأمن الموارد يحددان جانباً كبيراً من نشاطها الاقتصادي في المنطقة، ينضم إليها الآن مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة، فضلاً عن أجندة تتركز على التنسيق الدبلوماسي والتعاون الأمني. وما برز ليس قطيعة مع النموذج السابق، بقدر ما هو تراكم للروابط التجارية والدبلوماسية والمؤسسية التي لا يمكن فهمها بأساس اقتصادي أو استثماري فحسب.

ولا يعني هذا التحول أن المنطقة تتجه مبتعدة عن واشنطن ونحو بكين؛ بل احتفظت حكومات أميركا اللاتينية بنطاق واسع للتعاون الانتقائي مع الصين، سعيًا نحو تنويع الاستثمارات والدبلوماسية دون قبول التحيّز الجيوسياسي المطلق. وفي الوقت نفسه، باتت واشنطن تتعامل مع الانخراط الصيني في قطاعات كانت تُعتبر سابقة تجارية بحتة من خلال لغة الأمن القومي والنفوذ الإقليمي. ويعكس الطابع الجيوسياسي لهذه التفاعلات ثلاثة تطورات متزامنة: بناء بكين لروابط عبر قطاعات متعددة، واستجابة الولايات المتحدة بصرامة أكبر، وسعي دول أميركا اللاتينية إلى الحفاظ على استقلاليتها في التعامل مع الطرفين. وتشكل هذه الديناميكية التغير الأساسي الحاسم، مما يجعل الصين جزءاً لا يتجزأ من الحسابات التي تفاوض من خلالها حكومات أميركا اللاتينية على موقعها في نظام دولي لم تعد فيه الهيمنة الأميركية مطلقة.

font change

مقالات ذات صلة