بدأت روسيا منذ مطلع عام 2025 إعادة تنظيم قواتها وأصولها العسكرية في سوريا، في قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس. ومن هنا، يبدو الاتفاق الذي توصلت إليه دمشق وموسكو بشأن إعادة تنظيم هاتين المنشأتين ووضعهما تحت إدارة مشتركة خطوة منطقية تأخرت طويلا. فهو يكرس عمليا نمط العمل القائم في منشأتي اللاذقية وطرطوس، وينقل التفاهمات غير الرسمية إلى إطار تعاقدي وقانوني ينظم مجالات التعاون المتخصص.
وبالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت دمشق وموسكو سلسلة من الخطوات الرامية إلى التقارب في المجالات غير العسكرية. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحا بشأن مدى تعبير الاتفاقات الحالية عن وضع مرحلي للوجود العسكري الروسي في سوريا. فلا تزال في علاقات البلدين ملفات كثيرة يرجح أن تبقى من دون حل.
وفي موسكو، يقر مسؤولون بإمكان إغلاق مراكز التدريب الروسية-السورية المعلن عنها في مرحلة ما، وإنهاء الوجود العسكري الروسي في البلاد نهائيا. وتقول مصادر روسية لـ"المجلة" إن مؤسسات الدولة الروسية لا تزال منقسمة في رؤيتها لمستقبل العلاقات مع سوريا، فيما يسود الكرملين، في المجمل، قدر من التفاؤل.
حل بديهي
كان الاتفاق بين دمشق وموسكو على إعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي في سوريا قرارا متوقعا، وبدا منذ سقوط نظام الأسد أقرب إلى نتيجة حتمية. فمنذ يناير/كانون الثاني 2025، كان الجيش الروسي قد سحب من سوريا إلى روسيا أو ليبيا معظم منظوماته التسليحية، ومن بينها منظومات الصواريخ الساحلية وأنظمة الدفاع الجوي "إس-300" و"إس-400".
كما أن انكشاف قاعدة حميميم الجوية أمام الهجمات، حتى بنيران أسلحة خفيفة تطلق من المرتفعات المشرفة عليها، جعل استخدامها لإسقاط القوة في المنطقة أمرا شديد الصعوبة، بما في ذلك نشر الطائرات الاستراتيجية فيها لفترات قصيرة.

وفي طرطوس، أدى غياب منظومة الحماية التي كانت تؤمنها سابقا الزوارق القتالية على سطح البحر، إلى جانب الغواصين ومشاة البحرية المكلفين بمكافحة أعمال التخريب تحت الماء، إلى جعل إبقاء السفن الحربية في منطقة الانتظار خارج الميناء خيارا محفوفا بالمخاطر.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن يكاد استخدام القيادة العامة للبحرية الروسية لميناء طرطوس يتوقف في ظل الظروف الجديدة. ولم يرتبط الأمر بالتهديدات الأمنية وحدها، ولا بالحاجة إلى مرافقة سفن الشحن الجاف التي تنقل معدات متخصصة بسفن حربية، ولا سيما بعد الهجوم على سفينة الشحن "أورسا ميجور" في ديسمبر/كانون الأول 2024، وإنما أيضا بالحظر الذي تفرضه تركيا على عبور السفن العسكرية مضائق البحر الأسود. وقد جعل هذا الحظر تدوير سفن السرب الروسي في البحر المتوسط انطلاقا من الأساطيل الأقرب أمرا شبه مستحيل.



