تقود المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية جانبا متزايدا من العلاقات الدولية في ظل تحول تدريجي في النظام العالمي نحو مزيد من البراغماتية والواقعية وتبادل المنافع المتعددة الأهداف. ويبرز هذا التحول مقارنة بمرحلة الحرب الباردة التي اتسمت بدرجة عالية من الاصطفاف الأيديولوجي، واستمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. ومع صعود العولمة، وانتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل، وتوزع الإنتاج عالميا وتعدد مراكز سلاسل الإمداد، أصبحت المصالح الاقتصادية والتجارية عنصرا أكثر تأثيرا في صوغ التحالفات والعلاقات بين الدول.
ولم تعد الدول مرتبطة بمبادئ ومواقف جامدة من قضايا خارجية أو مذهبية بقدر ما أصبحت مُشبكة بمصالح ومكاسب على صيغة رابح رابح. وهذا يقتضي تقديم تنازلات للطرف القوي، سواء تعلق الأمر بمناخ الأعمال وتسهيلات الاستثمار وسهولة ولوج الأسواق، وصولا إلى الممرات البحرية والتجارية والأصول المالية والسيادية أحيانا. وتبدو البراغماتية والمرونة السياسية شعار المرحلة، على غرار ما هو معروض من خيارات في الشرق الأوسط بين نزع سلاح الجماعات المتشددة وعودة مركزية الدولة، مقابل إطلاق برامج إعادة الإعمار والبناء والرفاه الاقتصادي لجميع شعوب المنطقة، تكون مقدمتها اتفاقيات سلام بين الجيران.
سقوط العقيدة الاشتراكية
يذكر التاريخ حادثة "ربيع براغ" عام 1968، عندما قاد الاتحاد السوفياتي قوات حلف وارسو في غزو تشيكوسلوفاكيا لوقف إصلاحات سياسية واقتصادية قادها ألكسندر دوبتشيك، الأمين العام للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 1968، وهدفت إلى تحرير النظام الاشتراكي وتوسيع الحريات السياسية والإعلامية. وخشيت موسكو أن يؤدي استمرار الإصلاحات إلى خروج تشيكوسلوفاكيا عن قبضتها وتشجيع دول الكتلة الشرقية الأخرى على سلوك المسار نفسه. بعد الغزو، تبلورت "عقيدة بريجنيف"، تيمنا بليونيد بريجنيف (Leonid Brezhnev)، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي وأحد أبرز قادة الحرب الباردة، التي كرست حق الاتحاد السوفياتي في التدخل لحماية الأنظمة الاشتراكية عندما يرى أنها مهددة. ويكشف ذلك مدى تداخل الأيديولوجيا والأمن والمصالح الجيوستراتيجية في علاقات الكتلة السوفياتية خلال الحرب الباردة.
وكانت دول عديدة في العالم النامي جزءا من منظومات نفوذ دولية خلال الحرب الباردة، فيما خضعت دول أوروبا الشرقية بصورة خاصة لنفوذ موسكو، وعُرفت دولها الحليفة هناك بـ"الدول التابعة السوفياتية" (Soviet satellite states). وامتد النفوذ السوفياتي خارج أوروبا إلى أجزاء من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، حيث أقام تحالفات وشراكات مع أنظمة وحركات سياسية ذات توجهات اشتراكية أو قومية راديكالية، وإن تفاوتت درجة تبعيتها لموسكو واستقلالها عنها.






