طائرة ورقية فوق غزة

طائرة ورقية فوق غزة

لا، إسرائيل ليست خائفة من الطائرات الورقية.

ولا، إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة للتنكيل بالفلسطينيين.

تبنّي ذلك– أي فكرة إسرائيل المذعورة- ليس بطولة. إنه يصبّ في صلب الرواية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وفي عقيدة "الدفاع عن النفس" المخاتلة. إسرائيل "تؤدّب" الفلسطينيين، كما تفعل مع اللبنانيين والسوريين. ووسيلتها التأديبية هي القتل، ثم القتل، ثم القتل. هذه اللغة الوحيدة التي تعرفها، وهذه الرسالة الوحيدة التي تريد إيصالها، إلى الفلسطينيين، والعرب، والعالم.

لقد ظنّ العالم لوهلة، ولا يزال بعضه يطيب له أن يظن، أن "النصر" الإسرائيلي، يكون في هزيمة "حماس" أو "حزب الله" أو إيران. البعض يصفق لإسرائيل بناء على هذه النظرية. "فخار يكسر بعضه"، كما نقول في الأمثال، أو "اضرب الظالمين بالظالمين". قول ذلك سهل. أسهل مما تتمنى أو تريد إسرائيل نفسها. المنطقة ستكون أخيرا مكانا سعيدا، مزدهرا، آمنا، بفضل فاتورة القتل الإسرائيلية المفتوحة هذه. على كل حال، هذه ليست المرة الأولى التي يختبر فيها العرب مقولة "الظالمين بالظالمين"، جربوها من قبل مع العراق وصدام حسين. الحكاية انتهت بأن الولايات المتحدة سيطرت على كلّ شيء، لأن "الفائز يأخذ كلّ شيء"، كما تقول الحكمة الأميركية. دروس التاريخ تعلّم أكثر من ذلك. الأساس الخطأ لا يمكن أن يعطي نتيجة صالحة وقابلة للحياة. لم يستطع العرب بناء ديمقراطيات حقيقية، ولا دولا حقيقية، ولا تفاهمات أو دفاعات مشتركة حقيقية، ولا حتى لغة مصالح متبادلة حقيقية، فانتهى الأمر إلى الصورة التي نراها اليوم في عموم المنطقة. لم تأت البندقية الأميركية أو الإسرائيلية بأيّ خير لأي مكان في العالم، فلماذا يكون الأمر عندنا مختلفا؟

رسالة الطائرات الورقية لا تخص الفلسطينيين وحدهم. الثمن الدموي الحالي ربما يخصهم وحدهم، لكن الثمن الإسرائيلي أبعد بكثير، وهو يخص الجميع. الطائرات الورقية هي الذروة المنطقية لفكرة هدم البيوت، أو تدمير المساجد والكنائس، أو تحطيم النصب التذكارية، أو الرقص فوق الجثث، أو اعتقال الأطفال، وغير ذلك من ممارسات لا تمت إلى الضرورات الأمنية أو العسكرية بصلة. الهدف الوحيد من ذلك كله هو الإذلال. علينا أن نعتاد هذه الكلمة من الآن فصاعدا. إسرائيل لا تحارب أحدا. لا تسعى إلى تحقيق أهداف عسكرية. إنها تمارس الإذلال الفج، الواضح، والصريح. وهذا الإذلال لا يستثني أحدا.

الطائرات الورقية هي الذروة المنطقية لفكرة هدم البيوت، أو تدمير المساجد والكنائس، أو تحطيم النصب التذكارية، أو الرقص فوق الجثث

كل من زار الأراضي الفلسطينية، قبل السابع من أكتوبر، واليوم، يصدم من كمية الحواجز الإسرائيلية التي تكاد تجعل التنقل مستحيلا. الهدف هنا أيضا ليس أمنيا. إنها محض سياسة منهجية للإخضاع والإذلال والتذكير المستمر بمن هو السيد ومن هو العبد. كناية "السجن الكبير" التي كانت تطلق على غزة، لطالما كانت تنطبق على عموم الأراضي الفلسطينية، لكننا اخترنا أن نغض الطرف عن ذلك، لأن الشعور بالذل ليس سهلا. ألم الذل يجب أن يشعر به الفلسطيني أينما كان، وأيا تكن مواقفه السياسية أو انتماءاته العقائدية. الضابط أو الجندي الإسرائيلي– واليوم قطعان المستوطنين في كل مكان– حين يذل إنسانا فلسطينيا، بذريعة أو بغير ذريعة، في عقله وخياله، هو يخاطب العرب جميعا، بمن فيهم الذين ليس لديه مشكلة مباشرة معهم.

هذه كانت المسألة ولا تزال. لقد أدرك الإسرائيلي منذ زمن طويل، وبما لا يدع مجالا للشك أن شعوب هذه المنطقة لا تحبه. قد لا تفعل شيئا تجاه شعورها العميق هذا. قد تركن إلى الصمت، قد تنشغل عنه بأسباب فشلها الخاصة، قد تصل حتى حد التواطؤ معه. لكنها لم تقبله ولن تقبله. ذاكرة الذل التي رسخها الإسرائيليون على مر العقود، مطبوعة في الوجدان العربي. الفارق اليوم أنهم ما عادوا مضطرين إلى الادعاء. الأوراق جميعها على الطاولة، وفي مقدمها ورقة العنف الأقصى والقتل الذي لا يعرف الحدود. وفوق ذلك كله، ورقة الإذلال العاري. إسرائيل تعرف جيدا أنه ليس من بيت عربي لا يصله هذا الشعور المرير بالإذلال حين يصرح رأس السلطة فيها بأنه لن يتهاون مع إطلاق الأطفال الطائرات الورقية في سماء غزة. تعرف أيضا، لأن كل شيء يقول لها ذلك، أنه لا بأس بذلك. لم يحصل شيء حين قتلت مئة ألف فلسطيني، فلماذا سيحصل شيء من أجل لعبة أطفال؟ لا شيء سيحدث. الشعور العميق بالذل سيترسب أعمق فأعمق، حتى يحسب صاحبه أنه جزء أصيل من هويته.

الرهان الإسرائيلي لم يعد على قمع أي قوة عربية أو إقليمية. إنه رهان على الشعور الساحق بالهزيمة، والعجز التام الذي يعقب ذلك

سرقة كل القرون، سرقة بلد بأكمله، وربما منطقة بأكملها، ما كانت لتتم وتستمر بوسائل أخرى. والرهان الإسرائيلي لم يعد على قمع أي قوة عربية أو إقليمية قد تلوح في الأفق. إنه رهان على الشعور الساحق بالهزيمة، والعجز التام الذي يعقب ذلك. هذا ما جربته إسرائيل طوال ثمانين عاما، وأعطاها حتى الآن نتائج مبهرة. فلماذا لا تستمر بذلك وتمضي به إلى حده الأقصى؟

font change