أصوات مطلوبة وشراكة مؤجلة... كيف تخاطب الأحزاب الإسرائيلية الناخب العربي؟

جدل "ماهية إسرائيل"

"المجلة"
"المجلة"

أصوات مطلوبة وشراكة مؤجلة... كيف تخاطب الأحزاب الإسرائيلية الناخب العربي؟

تُجرى الانتخابات العامة للكنيست السادس والعشرين في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهي الأولى التي تنظم في موعدها المحدد منذ عام 1988 ويعمل قبلها الكنيست لولاية كاملة من أربع سنوات.

ينظر لهذه الانتخابات في الشارع العربي الذي يشكل أكثر من عشرين في المئة من السكان في إسرائيل بأنها انتخابات مصيرية يميل البعض أيضا لوصفها بالوجودية في ظل المناخ السياسي الحزبي اليميني والمزاج الشعبي الذي يميل لليمين أيضا، والمخاوف من أحداث أو تغييرات مختلقة قد تحمل الناخبين العرب على عدم المشاركة الواسعة في الانتخابات، وبالتالي تفوت عليهم فرصة التأثير في النتائج وتغيير الحكومة الحالية التي تعد الأكثر تطرفا ليس على صعيد سياستها حيال القضية الفلسطينية فحسب، بل من ناحية التعامل مع قضايا المواطنين العرب وحقوقهم الأساسية كالحق في البناء والمسكن إلى جانب سياسة التهميش والإهمال التي يعانيها المواطن العربي.

وأدت بشكل تراكمي إلى تصاعد نسب الجرائم المنظمة في المجتمع العربي وساهمت في حالة الإحباط وغياب الشعور بالأمن الشخصي.

أما في أذهان الإسرائيليين عموما فقد ترسخت الولاية المنتهية بأنها الأكثر حدة وجدلية خاصة في ظل حدثين مركزيين زادا حدة التوتر والشرخ في المجتمع الإسرائيلي اليهودي، الأول بدأ مع بداية ولاية حكومة بنيامين نتنياهو من خلال الإجراءات التي شرعت بها الحكومة لتقويض جهاز القضاء وإضعافه بشكل اعتبر في أوساط معارضيه انقلابا قضائيا يضعف الديمقراطية ويلتهم مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية).

أما الحدث الثاني فهو هجمات السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب مستمرة على قطاع غزة وتأخر في إعادة المحتجزين الإسرائيليين وغياب للانتصار المطلق الذي وعد به بنيامين نتنياهو الإسرائيليين، وعدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية تتقصى أسباب الإخفاق الإسرائيلي في تقدير قدرات "حماس" ونياتها، وتفحص التعامل الإسرائيلي السياسي والأمني والعسكري مع تلك الأحداث لحظة وقوعها.

شكل هذان الحدثان نقاط النقاش المركزية في الرأي العام الإسرائيلي، وزاد تحول المناخ العام نحو اليمين وباتت القضايا الأمنية تحتل الأولوية الأولى لدى الإسرائيليين على اختلاف مواقفهم السياسية على حساب القضايا المعيشية والمقارنة السياسية بين المعسكرات.

وقد ساهم في هذا الأمر إلى جانب الأوضاع الأمنية والجبهات التي فتحت بعد بداية الحرب على قطاع غزة، تماهي المعارضة السياسية مع موقف الحكومة من الحرب والغياب شبه المطلق للصوت المشكك بسياسة الائتلاف ووقف الاحتجاج على الإجراءات التشريعية ضد جهاز القضاء.

أضف إلى ذلك أن المعارضة نفسها تعد خليطا من اليمين والمركز والأحزاب العربية وبقايا اليسار التي لا تجمعها قواسم كثيرة سوى نية التخلص من حكومة بنيامين نتنياهو.

أ.ف.ب
يحمل محتجّون عرب إسرائيليون لافتات خلال تظاهرة في تل أبيب للفت الانتباه إلى تصاعد معدلات الجريمة في مجتمعهم،في 31 يناير2026

على هذه الأرضية لا يبدو أن الانتخابات في إسرائيل هذه المرة ستدور حول القضايا التقليدية بين اليمين واليسار أو المركز على الرغم من أهمية تلك القضايا خاصة المعيشية منها وارتباطها بكل الأحداث الدائرة في إسرائيل في الآونة الأخيرة.

فقراءة متأنية لما يكتب ويقال في أوساط السياسيين والباحثين والمواطنين على حد سواء تخلص إلى أن الإسرائيلي يصوت هذه المرة على ماهية إسرائيل وجوهرها أكثر من أي وقت مضى، إذ يضاف إلى السؤال الذي طرح خلال الأعوام الأخيرة بشأن "نعم لنتنياهو" أو "لا لنتنياهو" سؤال جوهري آخر من وجهة نظر الإسرائيليين، وهو: أي دولة يريدون لأنفسهم وأي قيمة ستغلب في تعريف تلك الدولة، اليهودية أم الديموقراطية؟

يتأرجح تصويت الناخب اليهودي بين معسكرين، نتنياهو وقوى اليمين المتشدد والحريديم الذي يركز على الطابع اليهودي قبل النظام الديمقراطي، وغادي آيزنكوت الذي يرى أنصاره أن إسرائيل يجب أن تكون ديمقراطية غربية منفتحة

منذ إنشاء إسرائيل بعد نكبة عام 1948 بقي المفهوم الذي نصت عليه "وثيقة الاستقلال" بشأن إسرائيل اليهودية والديمقراطية راسخا إلى حد كبير وخاضعا لمفاهيم خلق التوازن بين القيمتين اليهودية والديمقراطية، قبل اتساع رقعة الخلاف بين المتدينين والعلمانيين والتي تعززت خلال حكومات نتنياهو المتعاقبة التي تحالفت مع المتدينين وساهمت في توجيه إسرائيل نحو التدين، أي تديين أو إضفاء الطابع الديني، وقدمت مزيدا من التسهيلات للحريديين خاصة في مسألة إعفائهم من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية وهو ما زاد حدة النقاش بين أطياف المجتمع الإسرائيلي، لا سيما في أوج الحروب التي اندلعت خلال هذه الولاية للكنيست وتطلبت مشاركة واسعة في صفوف الجيش حمل أعباءها العلمانيون وواصل المتدينون حلفاء نتنياهو محاولات تشريع قوانين تعفي أبناءهم من الخدمة العسكرية.

ومع اختفاء اليسار بصورته التقليدية، عزز هذا الغياب الجمود السياسي الذي فرضته حكومات نتنياهو في مسألة حل الصراع وتنامي الفكر اليميني الذي يميل لتغليب اليهودية على الديمقراطية، وظهور المركز الذي يميل إلى المناخ العام اليميني في مواجهة اليمين التقليدي.

رويترز
يختار إسرائيلي يهودي من الحريديم ورقة اقتراعه يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية في مركز اقتراع في القدس في 1 نوفمبر 2022

وبات  تصويت الناخب الإسرائيلي اليهودي يتراوح بشكل أساسي بين معسكرين، ذلك الذي يقوده بنيامين نتنياهو وقوى اليمين المتشدد والحريديون ويركز بشكل أساسي على الطابع اليهودي لإسرائيل قبل النظام الديمقراطي وقد سعى لتحقيق ذلك خلال ولاية كاملة، والمعسكر الآخر الذي تمنح استطلاعات الرأي حاليا قيادته لغادي آيزنكوت رئيس "حزب يشار" ورئيس هيئة الأركان الأسبق، والذي يرى أنصاره أن إسرائيل يجب أن تكون ديمقراطية غربية تأخذ  فيها القيمة اليهودية بعدا أكثر انفتاحا ولا تتدخل في شكل الحكم وأنماط الحياة.

مع الإشارة إلى أن هذا المعسكر يشمل في أطيافه جزءا من  أنصار اليمين الليبرالي الذين لا يختلفون كثيرا عن اليمين المتشدد خاصة  في المسألة الفلسطينية والاستيطان "المضبوط" في الضفة الغربية.

تزايدت الحملات ضد المواطنين العرب في الجليل والمثلث والنقب بمصادرة ما تبقى من أراضيهم والملاحقات السياسية على خلفية الانتماء الفلسطيني، وانتشار الجريمة، لذا سيصوت الشارع العربي على أساس استمرار بقائه وحياته

وبالعودة إلى المواطنين العرب في إسرائيل، فهم- وإن كانوا على هامش النقاش الداخلي الذي يخص ماهية إسرائيل- المتأثرون الأساسيون من أي انحراف في السياسة الإسرائيلية المبنية بشكل أساسي لخدمة المواطنين اليهود والتضييق على العرب.

فخلال ولاية الكنيست الأخير تزايدت الحملات التي طالت المواطنين العرب الذين يعيشون في الجليل والمثلث والنقب وما بات يعرف بالمدن المختلطة، مدن الساحل التاريخية، في مختلف نواحي حياتهم، إذ تزايدت مصادرة ما تبقى من أراضيهم وعمليات هدم منازلهم في ظل غياب التخطيط الهيكلي وفرض القيود على تراخيص البناء.

كما اشتدت الملاحقات السياسية على خلفية  الانتماء الوطني الفلسطيني والحرب على غزة ووصلت حد الاعتقالات على أساس المشاركة في الاحتجاجات على الحرب أو التعبير عن الرأي في مواقع التواصل ووسائل الإعلام. كل ذلك تزامنا مع اشتداد الأزمة الرئيسة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في إسرائيل منذ سنوات مع انتشار السلاح والجريمة وازدياد معدلات القتل على خلفية الإجرام المنظم الذي يحصد مئات الأرواح سنويا ويكاد لا يجد رادعا أو محاسبا من جانب الحكومة الإسرائيلية.

رويترز
يدلي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصوته في الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود قبيل الانتخابات العامة الإسرائيلية في أكتوبر إلى جانب زوجته سارة نتنياهو، في القدس، 17 أغسطس 2026

بناء على هذه الحالة، نجد أن الشارع العربي في إسرائيل سيصوت في الانتخابات القريبة على أساس استمرار بقائه وحياته أصلا في بلاده، وسيصوت المجتمع العربي الفلسطيني هذه المرة لمعسكرين عربيين باتت ملامحهما شبه واضحة هما معسكر "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، و"التجمع  الوطني الديمقراطي"، و"الحركة العربية للتغيير" والذي يسعى إلى الإطاحة بنتنياهو والبحث عن آليات للتعامل مع الحكومة الجديدة والمناخ السياسي العام وتعزيز الهوية الوطنية للفلسطينيين.

فيما المعسكر الآخر الذي تقوده "القائمة العربية الموحدة" وأساسها الحركة الإسلامية، وتسعى لتوسيع صفوفه وبناء شراكات سياسية جديدة، يهدف إلى استبدال نتنياهو والعمل على الانضمام للحكومة الجديدة للتأثير في كل القضايا التي تخص المواطنين العرب من صفوف الائتلاف والحكومة.

بينما يسعى نتنياهو للحسم والضم والاستيلاء في الضفة الغربية وغزة، ينقسم المعسكر المناهض، فآيزنكوت يرى أن الدولة الفلسطينية لن تقوم في عهد الحكومة المقبلة، وبينيت يؤيد ضم المناطق المصنفة "ج"

وتظهر استطلاعات الرأي في هذه المرحلة نتائج متفاوتة للقائمتين العربيتين بانتظار التحالفات النهائية قبل تقديم القوائم للجنة الانتخابات المركزية، وسط التشديد على حقيقة أن ارتفاع نسبة التصويت لدى المواطنين العرب من شأنه أن يلعب دورا أساسيا في حسم الانتخابات.

القضية الفلسطينية بين الغياب والتغييب

تغيب القضية الفلسطينية أو تُغَيّب في معظم الحالات عن الحملات الانتخابية  للأحزاب، ولعل هذا الغياب هو النتيجة الواضحة للتوجه نحو اليمين وأيديولوجيا الحسم على الأرض بدلا من الاتجاه نحو الحلول، إلى جانب أن الشارع أُشغل في قضايا داخلية تعد مصيرية وحاسمة تتعلق بنظام الحكم والأمن، لكن مع ذلك يمكن رصد بعض من مواقف التيارات السياسية المتنافسة حيال القضية الفلسطينية.

ففي حين سعى ائتلاف بنيامين نتنياهو والأحزاب اليمينية المتشددة منذ لحظاته الأولى إلى تطبيق سياسة الحسم والضم والاستيلاء في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقويض السلطة الفلسطينية ودورها من منطلقات فكرية أيديولوجية وانتخابية قائمة على أساس كسب الرأي العام من خلال تعزيز السياسة الأمنية والإجراءات، يبدو أن المعسكر الآخر منقسم على نفسه في هذه القضية.

فإذا افترض أن قيادة المعسكر لغادي آيزنكوت تماشياً مع نتائج الاستطلاعات الحالية نجد أن رئيس الأركان الأسبق يقول بوضوح إن الدولة الفلسطينية لن تقوم في عهد الحكومة المقبلة ويفضل  بالمجمل عدم الحديث في المسألة الفلسطينية لتجنب  تأليب أوساط في اليمين ضده، لكنه يميل  لتطبيق  وجهة النظر العسكرية من حيث ضرورة الإبقاء على السلطة الفلسطينية والتوصل إلى حلول موضعية ومع الإبقاء على الوجود الاستيطاني "المضبوط والمراقب" في الضفة الغربية بشكل لا يثير المواقف الدولية ضد إسرائيل.

أ.ف.ب
يلتقي غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب يشار مع الناس في مقهى ضمن حملته الانتخابية قبيل الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس ، 12 أغسطس 2026

أما نفتالي بينيت الذي يتحالف مع يائير لابيد ولا يزال يرى نفسه قائدا محتملا للمعسكر المناهض لبنيامين نتنياهو فيقف إلى يمين نتنياهو في قضايا تخص الفلسطينيين بما في ذلك تأييده لضم المناطق المصنفة "ج" وفق "اتفاق أوسلو".

أما أفيغدور ليبرمان زعيم "إسرائيل بيتنا" فيعارض أيضا إقامة دولة فلسطينية ويدعو إلى تسوية عامة على أساس تبادل الأراضي، فيما يؤيد حزب "الديمقراطيون" الذي يقوده يئير غولان ويعد شراكة بين بقايا "العمل" و"ميرتس"، فيعتبر نفسه الحزب اليساري الإسرائيلي الوحيد ويرى الانفصال عن الفلسطينيين أمرا مهماً لمصلحة الإبقاء على طابع إسرائيل اليهودي.

من هنا إلى أين؟

مما لا شك فيه أن الانتخابات المقبلة في إسرائيل تعد الأكثر مصيرية وأهمية منذ عقود، وقد أسس لهذه الأهمية وجود اليمين وبنيامين نتنياهو في سدة الحكم لمدة طويلة، باستثناء حكومة بينيت/لابيد بين2021-2022، شملت تغييرات تشريعية وسياسية عززت قوة الأحزاب الدينية والحلول الأمنية وسياسات فرض الأمر الواقع في مختلف المجالات.

لكن التغيير الذي تنشده أوساط واسعة لن يكون سهلا حتى بهزيمة نتنياهو الذي رسخ وقائع جديدة يحتاج التعامل معها لسنوات طويلة ولغياب الوحدة في رؤية المعسكر المناهض.

نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستحسمها عوامل كثيرة لا تتوقف عند ما تظهره استطلاعات الرأي من ناحية رغبة الإسرائيليين في استبدال حكومة بنيامين نتنياهو الحالية فحسب، بل تتعلق بنسب الإقبال على صناديق الانتخاب ومصير الأحزاب الجديدة التي تريد لنفسها أن تكون بين المعسكرين الأساسيين وكلها أحزاب يمينية سيحاول المعسكران إضعافها وامتصاص أصواتها إن لم يتسن لهما كسب بعضها في التحالفات المحتملة.

font change