ثغرات في دفاعات السرطان... أدوية ذكية تغير قواعد المواجهة

علاجات السرطان الجديدة تحول جهاز المناعة إلى سلاح ضد الورم

المجلة
المجلة

ثغرات في دفاعات السرطان... أدوية ذكية تغير قواعد المواجهة

لم يعد علاج السرطان في عام 2026 يعتمد فقط على الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي كما كان يحدث لعقود طويلة. فعلى الرغم من أن هذه العلاجات لا تزال مهمة جدا، بل قد تكون أساسية في كثير من الحالات، لكن الطب بدأ يدخل مرحلة جديدة أكثر دقة، فالفكرة لم تعد مجرد مهاجمة الورم بكل قوة، بل فهمه أولا والإجابة عن مجموعة من التساؤلات التي تشمل الطفرات الموجودة داخله وكيفية هروبه من جهاز المناعة والبروتينات التي يعتمد عليها كي ينمو وهل يمكن توصيل الدواء إلى الخلايا السرطانية وحدها بدل أن يتأذى الجسم كله؟

هذا التحول جعل علاج السرطان أقرب إلى خريطة شخصية لكل مريض. فمريضان قد يكون لديهما سرطان في العضو نفسه، لكن العلاج المناسب لكل واحد منهما قد يختلف تماما إذا كان الورم يحمل طفرات مختلفة أو يتصرف بطريقة مختلفة، لذلك أصبحت تحاليل الجينات والبصمات المناعية للورم جزءا مهما من قرار العلاج، خصوصا في سرطانات مثل الرئة والثدي والقولون والمبيض والبنكرياس وبعض سرطانات الدم.

وتعطي الأرقام الحديثة سببا حقيقيا للأمل، لكن بحذر. فمعدل البقاء لخمس سنوات لكل أنواع السرطان مجتمعة في الولايات المتحدة وصل إلى نحو 70% بين المرضى الذين شخصوا خلال الفترة من 2015 إلى 2021، بعدما كان نحو 49% في منتصف السبعينيات. هذا لا يعني أن السرطان أصبح مرضا بسيطا، ولا أن كل أنواعه تحسنت بالدرجة نفسها، لكنه يعني أن التقدم في الكشف المبكر والعلاج والتدخين الأقل والرعاية الأفضل بدأ ينعكس على حياة الناس.

عبء السرطان عالميا.. أعداد الإصابات والوفيات

يعد السرطان أحد الأسباب الرئيسة للوفاة في العالم، إذ أودى بحياة نحو 10 ملايين شخص في عام 2022. ولا يشير هذا المرض إلى حالة واحدة، بل إلى مجموعة واسعة من الأورام الخبيثة التي قد تصيب أي جزء من الجسم، وتتميز بنمو خلايا شاذة خارج السيطرة، وقدرتها على غزو الأنسجة المجاورة والانتقال إلى أعضاء بعيدة، وهي العملية المعروفة باسم النقائل، التي تمثل السبب الأهم لكثير من وفيات السرطان.

وتأتي سرطانات الرئة والثدي والقولون والمستقيم والبروستات بين أكثر الأنواع شيوعا عالميا، بينما يعد سرطان الرئة السبب الأول للوفاة بالسرطان، يليه سرطان القولون والمستقيم والكبد والثدي والمعدة.

يعد العلاج المناعي أحد أهم التحولات في السنوات الأخيرة، وهذا النوع من العلاج لا يعمل مثل الكيميائي التقليدي الذي يهاجم الخلايا السريعة الانقسام، بل يحاول مساعدة جهاز المناعة على رؤية السرطان ومهاجمته

وترتبط نسبة كبيرة من عبء المرض بعوامل يمكن الوقاية منها، إذ يعزى نحو ربع الوفيات الناجمة عن السرطان إلى التدخين، واستهلاك الكحول، وزيادة الوزن، وقلة تناول الفواكه والخضروات، وضعف النشاط البدني، إلى جانب تلوث الهواء الذي يمثل عامل خطر مهما للإصابة بسرطان الرئة.  

رويترز
موظفون يتدربون ليصبحوا متخصصين في العلاج بالخلايا في منشأة التصنيع التابعة لوحدة "كايت" التابعة لشركة "غيلياد" في فريدريك بولاية ماريلاند الأميركية، 14 مارس 2024

كما تلعب العدوى دورا بارزا، خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تسهم فيروسات مثل فيروس الورم الحليمي البشري وفيروسات التهاب الكبد في نحو 30% من حالات السرطان. ورغم ضخامة المشكلة، فإن كثيرا من أنواع السرطان يمكن علاجها والشفاء منها إذا اكتشفت مبكرا وتلقى المريض علاجا فعالا في الوقت المناسب. 

العلاج المناعي للسرطان... كيف غيّر علاج الأورام؟

ويعد العلاج المناعي أحد أهم التحولات في السنوات الأخيرة، وهذا النوع من العلاج لا يعمل مثل الكيميائي التقليدي الذي يهاجم الخلايا السريعة الانقسام، بل يحاول مساعدة جهاز المناعة على رؤية السرطان ومهاجمته. ويعتبر الأطباء السرطان كائنا ذكيا، فهو يستطيع أحيانا أن يضع ما يشبه "فرامل" أمام الخلايا المناعية حتى لا تهاجمه، وهناك العديد من الأدوية -4 تعمل على تحرير هذه الفرامل، فتستعيد الخلايا المناعية قدرتها على التعرف إلى الورم. 

وقد غيّر هذا النوع من العلاج نتائج بعض السرطانات بصورة واضحة، خصوصا سرطان الجلد الميلانيني المتقدم، وبعض حالات سرطان الرئة والكلى والمثانة. في الماضي، كان انتشار الميلانوما إلى أعضاء بعيدة خبرا شديد القسوة، لكن مثبطات نقاط التفتيش المناعية جعلت بعض المرضى يعيشون سنوات أطول، بل إن بعضهم يحصل على استجابة طويلة المدى. لذلك ينظر إلى العلاج المناعي باعتباره واحدا من أهم فصول ثورة علاج السرطان الحديثة. 

في سرطان الرئة، أصبح العلاج اليوم يبدأ بالبحث عن البصمة الجينية للورم، فلم يعد كل المرضى يحصلون على الخطة نفسها. إذا كان الورم يحمل طفرة في EGFR-أي طفرة في مستقبل عامل نمو البشرة- قد يحصل المريض على علاج موجه لهذه الطفرة. وإذا كان لديه تغير داخل جينات تسمى ALK أو ROS1 أو غيرها من العلامات، قد يختار الطبيب دواء آخر. وإذا كان الورم يظهر بروتينات معينة تساعده في الاختباء من المناعة، فقد يكون العلاج المناعي خيارا مهما. في هذا المعنى، أصبح تحليل الورم خطوة لا تقل أهمية عن الأشعة أو العينة نفسها. 

هناك أورام "ساخنة" مناعيا، أي إن جهاز المناعة يكون قريبا منها لكنه يحتاج إلى دفعة. وهناك أورام "باردة" لا تجذب الخلايا المناعية أصلا أو تمنعها من الدخول

ومن الأدوية التي برزت اخيرا في مجال المناعة دواء "نيفولوماب" المعروف تجاريا باسم "أوبديفو الجديد". في 2026 وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على استخدامه مع العلاج الكيميائي لمرضى عمرهم 12 عاما فأكثر مصابين بلمفوما هودجكين الكلاسيكية في المرحلة الثالثة أو الرابعة، ولم يتلقوا علاجا من قبل. أهمية هذه الموافقة أنها تنقل العلاج المناعي إلى خط مبكر من العلاج في هذا النوع من السرطان، بدل أن يكون فقط خيارا بعد فشل علاجات أخرى. 

أ.ف.ب
اختبار مخبري في شركة "ترانسجين" للتكنولوجيا الحيوية، التي تعمل على تطوير لقاح للسرطان يستهدف المستضدات الجديدة، في مدينة إيلكيرش-غراڤنفشتادن شرق فرنسا، 17 نوفمبر 2021

و"لمفوما هودجكين" من سرطانات الجهاز الليمفاوي، وكانت نسب الشفاء فيها تتحسن منذ سنوات، لكن التحدي دائما هو رفع فرص السيطرة على المرض وتقليل الانتكاس والسمية الطويلة المدى، وإدخال "نيفولوماب" مع العلاج القياسي يعكس اتجاها أوسع في طب الأورام، وهو الجمع بين العلاج القديم والعلاج الجديد بدل استبداله بالكامل، فأحيانا لا تكون الثورة في دواء واحد، بل في الطريقة التي ندمج بها الأدوية معا في التوقيت الصحيح. 

العلاج المناعي... لماذا تستجيب بعض الأورام للعلاج أكثر من غيرها؟

لكن العلاج المناعي لا ينجح بالطريقة نفسها في كل الأورام. هناك أورام "ساخنة" مناعيا، أي إن جهاز المناعة يكون قريبا منها لكنه يحتاج إلى دفعة. وهناك أورام "باردة" لا تجذب الخلايا المناعية أصلا أو تمنعها من الدخول، وسرطان البروستاتا المتقدم مثل واضح. إذ لم يستفد كثيرا من بعض أشكال العلاج المناعي التقليدي كما استفادت الميلانوما أو الرئة. لذلك يبحث العلماء عن طرق تجعل الخلايا المناعية تذهب إلى الورم بدل انتظار أن تكتشفه وحدها. 

هنا تظهر فئة مهمة من الأدوية تسمى "مشغلات الخلايا التائية" التي يمكن تبسيط فكرتها بهذا المثل. تخيل أن هناك خلية مناعية قاتلة قريبة من خلية سرطانية، لكنها لا تعرف كيف تمسك بها. هذه الأدوية تعمل كجسر بين الاثنين، طرف منها يمسك بالخلية السرطانية، والطرف الآخر يمسك بالخلية التائية. بهذا الشكل تقرب جهاز المناعة من الورم وتدفعه للهجوم. هذه الفكرة بدأت تحقق نجاحات في بعض سرطانات الدم، وتختبر الآن في أورام صلبة مثل سرطان البروستاتا. 

من أكثر التطورات إثارة في 2026 ظهور أدوية لا تكتفي بتعطيل البروتينات التي يعتمد عليها السرطان، بل تسعى إلى تدميرها بالكامل

وفي سرطانات الدم أيضا، تستمر العلاجات الخلوية مثل "كار تي" في توسيع حدود الممكن. في هذا العلاج، تسحب خلايا مناعية من المريض، وتعدل في المختبر حتى تتعرف إلى السرطان، ثم تعاد إلى الجسم لتهاجم الخلايا الخبيثة، وقد أحدث هذا العلاج فرقا كبيرا في بعض أنواع اللوكيميا واللمفوما والمايلوما، خصوصا عندما تفشل خيارات أخرى. لكنه لا يزال علاجا معقدا ومكلفا، وقد يتسبب بآثار جانبية شديدة، لذلك لا يناسب كل المرضى، ولا يستخدم إلا في مراكز متخصصة. 

أ.ف.ب
امرأة تعمل على لقاح لسرطان الرئة في 1 أكتوبر 2023 في مختبر شركة "أوز إيمونوتيرابيوتكس" في نانت

من أكثر التطورات إثارة في 2026 ظهور أدوية لا تكتفي بتعطيل البروتينات التي يعتمد عليها السرطان، بل تسعى إلى تدميرها بالكامل. لفهم ذلك ببساطة، يمكن القول إن بعض أدوية السرطان القديمة كانت تشبه وضع قفل مؤقت على آلة يستخدمها الورم للنمو. المشكلة أن الورم قد يتعلم كيف يلتف حول هذا القفل. أما أدوية "تحلل البروتين الموجه" فتحاول إزالة جزء مهم من الآلة نفسها، لا تعطيله فقط. 

أبرز مثل حديث هنا هو" فيبديجيسترانت"، الذي حصل على موافقة أميركية في مايو/أيار 2026 لعلاج نوع معين من سرطان الثدي المتقدم أو المنتشر، وبخاصة النوع المعروف باسم سرطان الثدي الإيجابي لمستقبل الإستروجين والسلبي لهرمون يعرف باسم ـHER2، بشرط وجود طفرة في جين يسمى ESR1، وبعد تقدم المرض رغم تلقي علاج هرموني سابق، وهذا التفصيل مهم جدا، لأن الدواء ليس لكل مريضات سرطان الثدي، بل لفئة محددة تختار باختبار معتمد. 

ففي سرطان الثدي الذي يعتمد في نموه على إشارات هرمون الإستروجين، تحاول العلاجات الهرمونية قطع هذه الإشارات أو تعطيلها، لكن بعض الأورام تطور طفرات في ESR1 تجعلها أكثر مقاومة. هنا تأتي أهمية "فيبديجيسترانت"، فهو لا يحاول فقط تعطيل مستقبل الإستروجين، بل يساعد في تكسيره والتخلص منه داخل الخلية. لذلك يمثل خطوة مهمة في مجال العلاج الموجه، خاصة للمرضى الذين بدأ الورم لديهم يفلت من العلاجات الهرمونية التقليدية. 

الأجسام المضادة المقترنة بالأدوية: علاج موجّه للخلايا السرطانية

وفي سرطان المبيض، ظهر دواء مهم من فئة مختلفة اسمها الأجسام المضادة المقترنة بالدواء، هذه الأدوية تشبه "صاروخا ذكيا" وهي عبارة عن جسم مضاد يتعرف الى علامة موجودة على الخلية السرطانية، ويحمل معه مادة قاتلة للخلية، ثم يطلقها عند الهدف. الفكرة هي توصيل قوة الكيميائي إلى الخلية السرطانية قدر الإمكان بدل نشرها في الجسم كله. 

وقد حصل دواء "ميرفيتوكسيماب سورافتانسين" المعروف باسم "إيلاهيري" على موافقة كاملة لعلاج سرطان المبيض أو قناة فالوب أو سرطان البريتون الأولي، في الحالات المقاومة للبلاتين التي يظهر فيها بروتين معين يسمى  FRα، وبعد تلقي علاجات سابقة محددة، وهذا مهم لأن سرطان المبيض المقاوم للبلاتين من الحالات الصعبة التي كانت تحتاج بشدة إلى خيارات جديدة، وبالتالي فالدواء لا يناسب كل الحالات أيضا، بل يحتاج إلى اختبار يثبت وجود الهدف المناسب على الورم. 

أما في سرطان البنكرياس فهناك دواء تجريبي جذب اهتماما كبيرا اسمه "داراكسونراسيب". ويعد سرطان البنكرياس من أكثر السرطانات صعوبة، لأنه غالبا يكتشف متأخرا، ولأن الورم يبني حول نفسه بيئة كثيفة تجعل وصول العلاج أصعب. كما أن نسبة كبيرة جدا من هذه الأورام تحمل طفرات في عائلة من الجينات تسمى RAS، خصوصا جين KRAS، وهي طفرات ظل العلماء لعقود يصفونها بأنها شبه مستحيلة الاستهداف. 

في سرطان المثانة، يبرز اتجاه آخر لا يقل أهمية وهو علاج السرطان مع الحفاظ على العضو ووظيفة المريض اليومية

النتائج الحديثة لدواء" داراكسونراسيب" في تجربة مرحلة ثالثة أظهرت أن المرضى المصابين بسرطان البنكرياس النقيلي سبق علاجهم عاشوا مدة وسطية تقارب 13.2 شهرا مع الدواء، مقارنة بنحو 6.6 إلى 6.7 شهر مع العلاج الكيميائي المستخدم في الدراسة. هذه أرقام لافتة في مرض صعب مثل سرطان البنكرياس. لكن من الضروري توضيح أن الدواء، رغم أهميته، لا يزال يعرض باعتباره علاجا تجريبيا واعدا يحتاج إلى المسار التنظيمي الكامل قبل اعتباره علاجا متاحا على نطاق واسع. 

أ.ف.ب
ممرضات يساعدن في جراحة لسرطان الرئة باستخدام نظام "دافنشي 5" الجديد للجراحة بمساعدة الروبوت، في مستشفى سانت بارثولوميو في لندن، 3 يوليو 2026

ولا تكمن أهمية "داراكسونراسيب" في زيادة مدة البقاء فقط، بل في أنه يفتح بابا كان مغلقا طويلا وهو استهداف طفرات جينات RAS في سرطان البنكرياس. إذا ثبتت النتائج وأصبح الدواء معتمدا، فقد يمثل تحولا كبيرا في علاج واحد من أصعب السرطانات. ومع ذلك، لن يكون علاجا شافيا لكل المرضى، وقد تظهر مقاومة مع الوقت، وسيظل اختيار المريض المناسب وتحليل الورم جزءا أساسيا من القرار. 

علاجات سرطان المثانة: خيارات جديدة للحفاظ على العضو

في سرطان المثانة، يبرز اتجاه آخر لا يقل أهمية وهو علاج السرطان مع الحفاظ على العضو ووظيفة المريض اليومية. بعض حالات سرطان المثانة العضلي الغازي تعالج تقليديا باستئصال المثانة، وهي عملية كبيرة تغير حياة الإنسان بشكل جذري. لذلك تثير التجارب التي تجمع بين العلاج الإشعاعي والكيميائي والعلاج المناعي اهتماما كبيرا، لأنها قد تساعد بعض المرضى في تجنب الجراحة الكبرى. 

من الأدوية المهمة هنا "دورفالوماب" وهو علاج مناعي جرى اختباره مع العلاج الكيميائي والإشعاعي لدى مرضى سرطان المثانة العضلي الغازي، بهدف السيطرة على الورم والحفاظ على المثانة قدر الإمكان. ورغم أن النتائج المبكرة مشجعة، لكنها تحتاج إلى دراسات أكبر قبل أن تصبح قاعدة عامة.  

وهناك كذلك أدوية قيد التطوير لأمراض ورمية نادرة أو حالات صعبة، مثل PAS-004 الذي حصل على صفة المسار السريع من إدارة الغذاء والدواء الأميركية لعلاج الأورام الليفية العصبية الضفيرية المرتبطة بمرض الورام العصبي الليفي من النوع الأول، عندما تتسبب هذه الأورام بمشكلات كبيرة. المسار السريع لا يعني الموافقة النهائية، لكنه يعني أن الجهة التنظيمية ترى أن هناك حاجة طبية غير ملباة وقد تسرع مراجعة الدواء إذا أثبت فائدته وسلامته. 

ولا يقتصر التطور على الأدوية وحدها، بل يشمل طريقة توصيل العلاج. من الأمثلة اللافتة العلاج العنقودي الصوتي الذي تقوم فكرته على حقن فقاعات وقطيرات مجهرية مع العلاج الكيميائي، ثم تنشط بالموجات فوق الصوتية قرب الورم، فتساعد في دفع الدواء إلى داخل النسيج السرطاني بتركيز أعلى. الهدف هنا ليس بالضرورة اختراعا كيميائيا جديدا، بل جعل الدواء الموجود يصل إلى الورم بشكل أفضل، وربما بآثار جانبية أقل. 

التحاليل والأدوية لا تصل إلى كل المرضى بالتساوي. في بعض الأماكن، قد تتوافر الاختبارات الجينية والعلاجات الحديثة بسرعة. وفي أماكن أخرى، قد يتأخر التشخيص أو لا تتوفر الأدوية أو تكون تكلفتها عالية جدا

العلاج الإشعاعي نفسه يتغير، فبدل أن يأتي الإشعاع دائما من جهاز خارج الجسم، تظهر الآن أدوية مشعة تستطيع حمل الإشعاع إلى الخلايا السرطانية نفسها. تعرف هذه العلاجات باسم المستحضرات الدوائية المشعة. بعض الأنواع تستخدم مواد قوية مثل الأكتينيوم-225، الذي يطلق طاقة كبيرة على مسافة قصيرة جدا، في محاولة لقتل الخلية السرطانية من مسافة قريبة جدا مع تقليل الضرر حولها. هذا المجال واعد خصوصا في سرطان البروستاتا وبعض الأورام العصبية الصماوية، وتجري أبحاث لاستخدامه في أورام أكثر صعوبة. 

الكشف المبكر عن السرطان: لماذا يرفع فرص العلاج؟

لا يمكن الحديث عن أدوية السرطان الجديدة دون الحديث عن الكشف المبكر. كلما اكتشف الورم مبكرا، كانت فرص العلاج أفضل. في سرطان الرئة مثلا، يمكن الفحص بالأشعة المقطعية المنخفضة الجرعة أن يقلل الوفيات لدى الفئات العالية الخطورة، لكن معدلات الخضوع للفحص لا تزال أقل من المطلوب في كثير من الأماكن. وفي سرطان البنكرياس، المشكلة الكبرى أن غالبية الحالات لا تكتشف في مرحلة مبكرة، مما يجعل العلاج أصعب. 

أ.ف.ب
فني مختبر يُحضّر إنزيمات تُستخدم في تصنيع لقاح السرطان الشخصي (TG4050) في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لشركة "ترانسجين" في إيلكيرش-غراڤنفشتادن شرق فرنسا، 27 أغسطس 2025

وقد أصبحت الاختبارات الجينية بوابة مهمة إلى الأدوية الجديدة. دواء مثل "فيبديجيسترانت" يحتاج إلى معرفة وجود طفرة ESR1 ودواء مثل "ميرفيتوكسيماب سورافتانسين" يحتاج إلى التأكد من وجود FRα. وعلاجات سرطان الرئة تعتمد في كثير من الحالات على معرفة EGFR أو ALK أو غيرها. معنى ذلك أن المريض قد لا يعرف العلاج الأنسب له من اسم السرطان وحده، بل من تحليل الورم نفسه. 

لكن هناك تحديا مهما، فالتحاليل والأدوية لا تصل إلى كل المرضى بالتساوي. في بعض الأماكن، قد تتوافر الاختبارات الجينية والعلاجات الحديثة بسرعة. وفي أماكن أخرى، قد يتأخر التشخيص أو لا تتوفر الأدوية أو تكون تكلفتها عالية جدا. لذلك فإن ثورة علاج السرطان لن تكتمل إذا بقيت حكرا على مراكز كبرى أو دول غنية أو مرضى قادرين ماليا فقط. 

ويقول العلماء إن الوقاية أيضا جزء أساس من المعركة. لقاح فيروس الورم الحليمي البشري يمكن أن يقلل خطر سرطان عنق الرحم وبعض السرطانات الأخرى، وتقليل التدخين يظل من أهم أسباب انخفاض وفيات السرطان، خصوصا سرطان الرئة، والحفاظ على وزن صحي، والنشاط البدني، والفحوص المناسبة حسب العمر والخطورة، كلها أدوات لا تبدو مثيرة مثل دواء جديد، لكنها قد تمنع المرض من الأساس أو تكشفه مبكرا. 

تدخل علاجات السرطان في 2026 مرحلة أكثر ذكاء، فقد أصبح لدى المرضى أدوية مناعية تساعد الجسم في مهاجمة الورم، وأدوية موجهة تكسر بروتينات يعتمد عليها الورم، وأدوية تحمل سموما دقيقة إلى الخلايا السرطانية، ولدينا أدوية تجريبية واعدة ضد أهداف كانت صعبة جدا في سرطان البنكرياس، ولدينا تقنيات تحاول إيصال العلاج إلى الورم بشكل أدق، سواء بالموجات فوق الصوتية أو بالأدوية المشعة. 

لم نصل بعد إلى نهاية السرطان، لكننا نعيش مرحلة تتغير فيها قواعد المواجهة، فالسرطان لم يعد خصما غامضا كما كان قبل عقود، بل أصبح مرضا يمكن تفكيك أسراره الجينية والمناعية شيئا فشيئا. وكلما زادت قدرة الأطباء على فهم الورم، زادت فرص اختيار العلاج الصحيح في الوقت الصحيح. هذه هي القيمة الحقيقية للأدوية الجديدة: ليست وعدا بالشفاء للجميع، لكنها تمنح مزيدا من المرضى فرصة أفضل، ووقتا أطول، وحياة أكثر جودة. 

font change

مقالات ذات صلة