معارك الساحل وتعز اليمنية... السباق نحو باب المندب

لم تعد المواجهة، وفق مشهد الاقتتال الدائر حالياً، تدور فقط حول مقبنة أو الكدحة، بل حول منع تغيير الخريطة العسكرية الممتدة من مدينة تعز اليمنية إلى البحر الأحمر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
قوات موالية للحكومة تسير في ميناء مدينة المخا الساحلية غربي اليمن أثناء تقدّمها في محاولة لطرد الحوثيين من ساحل البحر الأحمر، في 9 فبراير 2017

معارك الساحل وتعز اليمنية... السباق نحو باب المندب

لم تعد المواجهة، وفق مشهد الاقتتال الدائر حالياً، تدور فقط حول مقبنة أو الكدحة، بل حول منع تغيير الخريطة العسكرية الممتدة من مدينة تعز اليمنية إلى البحر الأحمر. فالمعارك المشتعلة في غرب تعز والساحل الغربي صارت تتسع. فخلف الاشتباكات الدائرة في مقبنة والكدحة وجبل حبشي، تبرز معركة أكبر تتداخل فيها ثلاثة أهداف: فك الحصار عن مدينة تعز، حماية ميناء المخا، ومنع الحوثيين من هدفهم الاستراتيجي ومبتغى إيران حليفتهم، وهو الاقتراب من مضيق باب المندب.

قد لا يكون المضيق هو الهدف الميداني المباشر للمعركة الحالية، لكنه يمكن أن يكون الهدف الاستراتيجي الأوسع. فكل تقدم يحققه الحوثيون غرب تعز يقرّبهم من الساحل، وكل اختراق باتجاه المخا يضعهم على طريق يمتد جنوباً نحو ذباب والمناطق الأقرب إلى باب المندب والجزر الاستراتيجية، مثل حنيش.

لهذا لم تتأخر التعزيزات الحكومية. فقد وصلت قوات من "ألوية العمالقة" الجنوبية وقوات "درع الوطن" إلى جبهتي تعز الغربية والساحل الغربي، في الحديدة والمخا، بناءً على توجيهات رئاسية مباشرة للرد على تصعيد حوثي واسع.

الهجوم الحوثي... فصل تعز عن الساحل

تركز المعركة الحالية على إحباط محاولة الحوثيين فصل مدينة تعز عن ساحلها الغربي، وقطع صلتها بمدينة المخا، وتأمين المنطقة الخلفية للميناء لمصلحة تقدمهم العسكري.

أ.ف.ب
جسر ملاحة سفينة غارقة هو كل ما يظهر على سطح المياه في ميناء المخا، غداة هجوم للحوثيين على المدينة الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ومقرها عدن، في 10 أغسطس 2026

وقد أطلق الحوثيون 14 صاروخاً باليستياً، إلى جانب عدد من الطائرات المسيّرة، باتجاه مديريات الساحل الغربي في تعز والحديدة. وردت القوات الحكومية بشن هجوم مضاد في جبهتي الكدحة ومقبنة، بالتزامن مع دفع تعزيزات ثقيلة من محور تعز والمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.

الحوثيون حالياً لا يسيطرون على الشواطئ المطلة مباشرة على المضيق ومن هنا تبرز أهمية حصولهم على موطئ قدم ساحلي يمنحهم قدرة أكبر على إطلاق الصواريخ واستخدام الزوارق الانتحارية واستهداف الملاحة الدولية

هذا التصعيد لا يبدو منفصلاً عن نمط عسكري أوسع بدأ منذ يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026. فمنذ ذلك الوقت، كثف الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق على المخا ومناطق الساحل الغربي، بالتوازي مع استهداف سفن في مضيق باب المندب نفسه.

وقد اشتملت المعركة على ضغط بري على جبهات تعز، وضغط على الساحل والميناء، وتهديد بحري يمتد إلى أحد أهم الممرات الدولية.

يقول أحد القادة العسكريين الحكوميين إن الهدف المباشر هو عزل تعز عن ساحلها وقطع خطوط الإمداد عنها. أما الهدف الأبعد، فيتصل بتغيير موازين القوة على البحر الأحمر، والوصول إلى موقع يسمح للحوثيين بزيادة قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية.

ما علاقة باب المندب؟

تقع المخا على بعد نحو 75 كيلومتراً من منطقة المضيق. ولذلك فإن السيطرة على أجزاء من الساحل، أو إضعاف القوات الموجودة فيه، يمكن أن تفتح ممراً للتقدم جنوباً نحو ذباب والمناطق الأقرب إلى باب المندب، وكذلك نحو الجزر الاستراتيجية القريبة، مثل جزيرة حنيش.

وبخلاف ما يتصوره البعض فالحوثيون حالياً لا يسيطرون على الشواطئ المطلة مباشرة على المضيق ومن هنا تبرز أهمية حصولهم على موطئ قدم ساحلي يمنحهم قدرة أكبر على إطلاق الصواريخ واستخدام الزوارق الانتحارية واستهداف الملاحة الدولية.

رويترز
جندي يمني يسير على ساحل مضيق باب المندب في اليمن، في 2 أبريل 2026

وقد حذر مسؤولون حكوميون، بينهم وزير الإعلام معمر الإرياني وطارق صالح والمتحدث باسم المقاومة الوطنية، صراحة من أن الحوثيين يعملون، بدعم إيراني، على التمدد في الساحل الغربي للسيطرة على المضيق أو تحويله إلى ورقة ضغط شبيهة بمضيق هرمز.

الحوثي يعمل على حصار تعز وعزلها عن الساحل وإغلاق ميناء المخا، ويقاتل بشراسة من أجل تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب للضغط على السعودية والتحالف والتجارة الدولية.

ويقول القائد العسكري إنه لا يمكن النظر إلى الجبهة الغربية لتعز باعتبارها جبهة معزولة. فأي تقدم حوثي في مقبنة أو الكدحة أو جبل حبشي لا يتوقف أثره عند حدود تلك المناطق، بل يقرّب الحوثيين جغرافياً من الساحل والطريق المؤدي إلى المضيق وتحويله إلى مضيق هرمز آخر.

وصول قوات "العمالقة" و"درع الوطن"، محاولة لتغيير طريقة إدارة المعركة وربط محاورها بعضها ببعض. وتتمثل الأهداف الرئيسة لهذه التعزيزات في تعزيز القدرة الهجومية للقوات الحكومية وكسر الحصار عن مدينة تعز

ولهذا جاءت سرعة الدفع بتعزيزات العمالقة ودرع الوطن، وهما قوتان لهما انتشار تاريخي قرب باب المندب ورأس العارة. وعلى الرغم من أن التحرك الحكومي لا يزال دفاعياً في معظمه، فإن الرهان الحوثي يبدو أبعد من مجرد السيطرة على مواقع جديدة في مقبنة. وقد أظهرت القوات الحكومية تنسيقا عاليا بين بعضها واستخدمت أسلحة جديدة مثل المسيرات في جمع المعلومات ودك مواقع الحوثيين.

الساحة لـ"العمالقة" و"درع الوطن"

وصول قوات "العمالقة" و"درع الوطن"، محاولة لتغيير طريقة إدارة المعركة وربط محاورها بعضها ببعض. وتتمثل الأهداف الرئيسة لهذه التعزيزات في تعزيز القدرة الهجومية للقوات الحكومية وكسر الحصار عن مدينة تعز، وربط قوات محور تعز بالقوات المشتركة المنتشرة على الساحل، والتي تضم المقاومة الوطنية إلى جانب الدور التاريخي لألوية العمالقة، ومنع الحوثيين من عزل المدينة وقطع خطوط إمدادها.

وتمتلك "ألوية العمالقة" خبرة طويلة في القتال على الساحل الغربي. أما قوات "درع الوطن"، وهي قوات تشكلت خلال عامي 2022 و2023، فلديها وحدات متقدمة في أطراف تعز. ويمثل التنسيق الحالي بين القوتين محاولة لتوحيد الجهد العسكري ضد الحوثيين، في مشهد يمني جديد يؤكد على توحد القوى اليمنية ضد الانقلابيين الحوثيين.

أ.ف.ب
أحد رجال القبائل اليمنية من اللجان الشعبية الموالية للقوات التابعة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يقف على تلة في مدينة تعز وسط اليمن، في 1 نوفمبر 2016

نجاح هذه الخطوة يتوقف على قدرة التشكيلات المختلفة على العمل ضمن مسار ميداني واحد. فالجغرافيا العسكرية في غرب تعز والساحل مترابطة. حيث إن القوات الموجودة داخل جبهات تعز تحتاج إلى فتح طرقها نحو الساحل، والقوات المشتركة في المخا تحتاج إلى تأمين المنطقة الخلفية للميناء، فيما تسعى التعزيزات الجديدة إلى سد الفجوة بين الطرفين.

خمسة كيلومترات قد تغير المشهد

في هذا الأسبوع، حتى 3 سبتمبر/أيلول 2026، كانت المعارك تشتد في غرب تعز وعلى امتداد الساحل. واستعادت القوات الحكومية بعض المواقع في مقبنة والكدحة وجبل حبشي، كما حررت مناطق من بينها القوز والأشروح في جبل حبشي.

تتركز جبهة تعز الغربية حول مجموعة من المدن والمواقع التي تتحكم في مسار الربط بين المدينة والساحل

والتطور الأكثر أهمية أن المسافة الفاصلة بين قوات الجيش في مقبنة والقوات المشتركة على الساحل أصبحت تقارب خمسة كيلومترات فقط في بعض النقاط.

وتختصر هذه المسافة المحدودة أهمية المعركة كلها. فإذا تمكنت القوات الحكومية من ربط مواقعها بقوات الساحل، فقد يتحول الميدان من جبهات منفصلة إلى شريط عسكري متصل، يربط تعز بالمخا ويفتح طريق الإمداد إلى المدينة.

ولهذا يتمسك الحوثيون بالمرتفعات، ويحاولون قطع الاتصالات في جبل حبشي ومقبنة. فالسيطرة على التلال والمواقع المرتفعة تمنحهم القدرة على تعطيل تقدم القوات الحكومية وإبقاء المسافة بين جبهات تعز وقوات الساحل مفتوحة أمام نيرانهم.

وفي المقابل، تواصل القوات الحكومية هجومها المضاد في مقبنة، فيما تشهد الكدحة اشتباكات عنيفة وعمليات لإخماد مصادر النيران الحوثية. أما في جبل حبشي، فتدور المعارك على التلال الأخيرة بعد تحرير أطرافه الغربية.

ووفق الرواية الحكومية، أسقطت الدفاعات الجوية عدداً من الطائرات المسيّرة، بينما لم تؤثر الصواريخ الباليستية بصورة كبيرة على مسرح العمليات.

لكن المواجهات خلفت خسائر بشرية في صفوف الجانبين. وقد تحدثت التقارير عن مقتل 13 فرداً من القوات الحكومية في محاور متعددة يوم 3 سبتمبر فيما يتكتم الحوثيون على خسائرهم التي يعتقد أنها كبيرة.

من تعز إلى المخا

تتركز جبهة تعز الغربية حول مجموعة من المدن والمواقع التي تتحكم في مسار الربط بين المدينة والساحل.

في القلب تقع مدينة تعز، المحاصرة جزئياً منذ سنوات، والتي يمثل فك الحصار عنها الهدف الرئيس للقوات الحكومية. وإلى الغرب منها تقع مقبنة، محور القتال الحالي وميدان الهجوم المضاد المستمر.

لا يزال الوضع الميداني متقلباً، ولم يتحول وصول التعزيزات بعدُ إلى حسم نهائي، لكنه قد يغير التوازن إذا تحقق تنسيق فعلي بين محور تعز والمقاومة الوطنية و"ألوية العمالقة" وقوات "درع الوطن"

أما الكدحة، فتشهد اشتباكات عنيفة ومحاولات لإخماد مصادر النيران الحوثية. وفي جبل حبشي، تحررت أطراف غربية، بينما تستمر المعارك على التلال الأخيرة. وتأتي منطقتا البرح والوازعية ضمن شبكة المناطق التي تربط جبهات تعز بالساحل.

وعلى الجانب الساحلي، تمثل المخا أهم مدينة وميناء محررين، كما تشكل قاعدة رئيسة للقوات المشتركة. وإلى الشمال تقع حيس، وهي جبهة سابقة لألوية العمالقة ونقطة انطلاق محتملة باتجاه الشمال، ثم الخوخة والمناطق الساحلية الممتدة نحو الحديدة.

أ.ف.ب
صورة ملتقطة من الساحل اليمني جنوب غربي مدينة تعز، تُظهر سفينة راسية عند مضيق باب المندب في البحر الأحمر، في 24 يوليو 2026

كما توجد مرتفعات وجزر محررة قرب باب المندب، ما يجعل الدفاع عن الساحل مرتبطاً مباشرة بمنع أي تقدم يغير وضع القوات قرب المضيق.

هذه المواقع ليست نقاطاً منفصلة على الخريطة. إنها حلقات في طريق واحد يبدأ من مدينة تعز، ويمر عبر جبل حبشي ومقبنة والكدحة والبرح والوازعية، ثم يصل إلى المخا والساحل، ويمتد جنوباً باتجاه ذباب وباب المندب.

جبهة واحدة قد تصل إلى الحديدة

تُوصف جبهة تعز والساحل اليوم بأنها "جبهة واحدة". وهذا الوصف يعكس طبيعة التحول الجاري. لم يعد ممكناً فصل القتال في مقبنة عن أمن المخا، أو عزل معارك جبل حبشي عن خطوط الإمداد المؤدية إلى الساحل.

أي تقدم كبير للقوات الحكومية قد يفتح طريق الإمداد إلى مدينة تعز ويزيد الضغط باتجاه الحديدة. وفي المقابل، فإن أي اختراق حوثي يمكن أن يهدد المنطقة الخلفية للمخا، ويضعف ارتباط تعز بساحلها، ويدفع المعركة خطوة إضافية نحو المناطق الأقرب إلى باب المندب.

لهذا تبدو المعركة أكبر من حدودها الحالية. الحوثيون يحاولون التمسك بمواقعهم في المرتفعات وإبقاء القوات الحكومية منفصلة عن القوات المشتركة. والقوات الحكومية تسعى إلى إغلاق المسافة القصيرة المتبقية بين جبهاتها وجبهة الساحل، وتحويل انتشارها إلى خط متصل.

أما وصول "العمالقة" و"درع الوطن"، فيشير إلى أن الطرف الحكومي يتعامل مع التصعيد باعتباره تهديداً واسعاً يتجاوز الدفاع عن مواقع محددة. فالمطلوب ليس فقط وقف الهجوم الحوثي، بل منع عزل تعز، وتأمين المخا، وربط الجبهات، وحماية الطريق المؤدي إلى المضيق.

المعركة خلف المعركة

لا يزال الوضع الميداني متقلباً، والاشتباكات مستمرة على أكثر من محور ولم يتحول وصول التعزيزات بعد إلى حسم نهائي، لكنه قد يغير التوازن إذا تحقق تنسيق فعلي بين محور تعز والمقاومة الوطنية و"ألوية العمالقة" وقوات "درع الوطن".

خلال هذين الشهرين قد تحسم المعركة فك حصار تعز وحماية المخا، ومنع تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية بيد الحوثي وإيران

في الظاهر، تدور المعارك حول مقبنة والكدحة وجبل حبشي. وفي العمق، تدور حول مدينة تعز المحاصرة وميناء المخا وخطوط الإمداد المؤدية إلى الساحل. وهي معارك مهمة. أما في الحساب الاستراتيجي الأبعد، فترتبط بحرب إيران وعلاقة الحوثي بطهران. لهذا يظل باب المندب هدفا خلف كل هذه التحركات. فالحوثيون رغم هجماتهم على السفن عن بُعد لا يسيطرون على الشواطئ المطلة مباشرة على المضيق، والتمدد غرب تعز وإضعاف القوات على الساحل يمكن أن يقربهم منه.

رويترز

والقوات الحكومية في الوقت نفسه لا تدافع فقط عن مواقعها الحالية، بل تقوم بمنع الحوثيين من الحصول على موطئ قدم يمنحهم قدرة أكبر على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية ضد الملاحة. هذه معركة دولية تحت متابعة دقيقة من القوى الإقليمية والدولية.

خلال هذين الشهرين قد تحسم المعركة فك حصار تعز وحماية المخا، ومنع تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية بيد الحوثي وإيران.

حصار تعز لأكثر من 11 سنة

دخلت ميليشيا الحوثي وحلفاؤها مدينة تعز ثالث أكبر المدن اليمنية في 2015، وفرضت حصاراً تدريجياً بإغلاق كل الطرق والمداخل الرئيسة.

منذ ذلك الحين عانت المدينة من عزلة شديدة، واضطر السكان لاستخدام طرق جبلية طويلة ووعرة بدلاً من الطرق المباشرة. وقد فُتحت بعض المعابر جزئياً في فترات لاحقة مثل الطريق الجنوبي عام 2016 والمنفذ الشرقي جزئياً في 2024. لكن القيود لم تُرفع بالكامل، والحصار مستمر حتى اليوم ولم يتبق فيها سوى أقل من نصف مليون نسمة.

font change

مقالات ذات صلة