"الميركاتو" الكروي... هل لا يزال الملعب كافيا لشرح ما يحدث؟

من بوسمان إلى البريميرليغ والدوري السعودي... رحلة في سوق النجوم والصناعة التي تحكمها المليارات

بيت رينولدس
بيت رينولدس

"الميركاتو" الكروي... هل لا يزال الملعب كافيا لشرح ما يحدث؟

عندما دخل المهندس ورجل الأعمال الإسباني فلورينتينو بيريز معركة انتخابات رئاسة نادي ريال مدريد في صيف العام 2000، كان عليه أن يتحالف مع الخيال ليصل إلى كرسي الرئيس. النادي بطل أوروبا بالفعل في ذلك العام، لم يكن في حاجة لمن ينادي بإنقاذه من أزمة نتائج لم تكن موجودة أصلا، وأمام منافسه الرئيس لورينزو سانز المنتشي بلقبين في دوري أبطال أوروبا في سنوات ولايته، كان بيريز في حاجة إلى قنبلة يفجر بها ذلك المشهد في طريقه لتولي رئاسة النادي الأعرق في كرة القدم الأوروبية.

والقنبلة كانت التعهد بضم البرتغالي لويس فيغو، الذي كان وقتها قائد الغريم التقليدي برشلونة، مقابل تفعيل شرطه الجزائي البالغ 10 مليارات بيزيتا، أي نحو 60 مليون يورو.

كانت تلك الورقة كافية لقلب موازين السباق، ووصل بيريز بفضلها إلى مقعد رئاسة النادي الملكي، ليبدأ عهدا بقي فيه رئيسا لريال مدريد، مع انقطاع بين ولايته الأولى وعودته إلى الرئاسة عام 2009. ومنذ تلك اللحظة، بدأت سوق الانتقالات تتحول تدريجيا إلى بطولة في حد ذاتها، وظاهرة لم تعد على هامش اللعبة الجميلة بقدر ما أصبحت لعبة داخل اللعبة، بكل ما تعنيه الكلمة.

بعد ربع قرن من ذلك الزلزال في مدريد، لم يعد مبلغ الستين مليون يورو الذي نقل فيغو من برشلونة إلى الريال حاضرا في قائمة أغلى خمسين صفقة في تاريخ انتقالات لاعبي الكرة، ولم يعد كافيا بمعايير السوق الحالية ليضمن انتقالا لأحد لاعبي الصف الأول في كرة القدم العالمية. فالسوق التي لا يتوقف قطارها لم تعد حقيقة الملعب وحدها كافية لشرح حقيقة ما يحدث فيها، بل تحولت إلى مشهد تتشابك فيه مصالح رؤوس الأموال ووكلاء اللاعبين مع مطالب الجماهير والزخم التسويقي لبعض الأسماء ، في معادلة قد لا تضع في الضرورة أولويات الملعب واحتياجات الفرق في المقام الأول.

شهدت سوق الانتقالات تحولا كبيراً منذ منتصف التسعينيات بفضل حكم "بوسمان" عام 1995، الذي سهّل انتقال اللاعبين الأوروبيين بعد انتهاء عقودهم وألغى القيود على عدد لاعبي دول الاتحاد الأوروبي، مما أعاد رسم موازين القوى بين البطولات الكبرى

في المقابل، تكافح القواعد التنظيمية وكأنها متأخرة بخطوة عن الحركة الدائمة لجيوش المديرين التنفيذيين والوكلاء والمحامين الباحثين دائما عن الثغرات التي تحرر موكليهم من قيود يقعون أسرى لها في مشهد دائم السيولة.

البريميرليغ على رأس هرم سوق الانتقالات

سوق الانتقالات الكروية، التي شهدت تحولا كبيرا منذ منتصف التسعينيات، كانت من أبرز المستفيدين من حكم "بوسمان" الصادر في عام 1995، الذي كرّس حق اللاعبين في الاتحاد الأوروبي في الانتقال إلى أندية أخرى داخل دول الاتحاد بعد انتهاء عقودهم من دون دفع رسوم انتقال إلى أنديتهم السابقة، إلى جانب إلغاء القيود المفروضة على عدد اللاعبين من جنسيات دول الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين، أخذت موازين القوى في سوق اللاعبين تتأرجح على مر السنين بين البطولات الكبرى في القارة الأوروبية.

لاعب نادي تشيلسي مورغان روجرز المنضم حديثا إلى الفريق قادما من أستون فيلا، لندن 15 أغسطس 2026

تمتعت الكرة الإيطالية بأفضلية لافتة في التسعينيات، مدفوعة بوفرة مالية وقدرة استثمارية جعلتا أندية الـ"سيري أيه" من أكبر القوى في سوق اللاعبين والبطولات الأوروبية. وكان من أبرز نماذج هذا النفوذ رئيس الوزراء الراحل سيلفيو بيرلسكوني، الذي ضخ أموالا كبيرة في ناديه "إيه سي ميلان" بعد الاستحواذ عليه عام 1986، قبل أن يقوده إلى واحدة من أكثر الفترات نجاحا في تاريخ النادي. وفي منافسة ميلان، برزت أندية أخرى مدعومة أيضاً برؤوس أموال كبيرة، في مقدمتها "يوفنتوس" المملوك لعائلة أنييلي التي ارتبط اسمها كذلك بإمبراطورية "فيات" للسيارات.

من ثم جاء الدور لإسبانيا وتحديدا عملاقها ريال مدريد ليتصدر عالم الصفقات الكبيرة في مطلع الألفية، تماشيا مع رؤية رئيسه فلورنتينو بيريز الذي نظر إلى ناديه كصالة عرض لكبار نجوم اللعبة، ليس فقط لتعزيز قوته على أرض الملعب، وإنما أيضا لرفع مبيعات القمصان وتوسيع العلامة التجارية وجذب المزيد من عقود الرعاية. هكذا أصبح التعاقد مع النجوم جزءا من نموذج اقتصادي متكامل، وإن لم يضمن اجتماع تلك الأسماء دائما الانسجام والبطولات المنشودة على أرض الملعب. وتُعرف هذه السياسة بـ"غالاكتيكوس".

وفي الخلفية، كان الدوري الإنكليزي الممتاز يحضر بهدوء ليتحول إلى القوة المهيمنة على سوق انتقالات اللاعبين في أوروبا، بعد عقد من اتساع الفجوة المالية مع منافسيه في القارة. وفي صيف هذا العام، بلغ إنفاق أنديته نحو 4 مليارات يورو، ليتجاوز إجمالي إنفاق أندية الدوريات الإيطالية والفرنسية والإسبانية والألمانية مجتمعة، في مشهد يلخص إلى أي مدى أصبح التفوق المالي الإنكليزي عاملا حاسما في إعادة رسم خريطة سوق اللاعبين الأوروبية.

لعل أبرز تلك العوامل كان الانفتاح على الملكية الأجنبية للأندية، مما منح الأندية الإنكليزية فرصة الاستفادة من أموال طائلة أنفقها ملاك أثرياء. وكان الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش أبرز من جسّد هذا التحول، باستحواذه على نادي تشيلسي عام 2003 في صفقة بلغت قيمتها نحو 140 مليون جنيه إسترليني

مع تلك القوة الشرائية بات الدوري الإنكليزي المصب الذي تلتقي فيه مواهب كرة القدم، سواء كانت الناشئين الواعدين في أفريقيا وأميركا الجنوبية، أو نجوم البطولات الكبرى في أوروبا الذين يرغبون في اختبار أنفسهم في قمة المستوى التنافسي الكروي.

وأصبحت منافسة الأندية الإنكليزية على انتقال لاعب مهمة شديدة الصعوبة، في ظل توفر المغريات المادية والوعد بالمنافسة مع صفوة لاعبي العالم. ولم يكن غريبا أن يتصدر الدوري الإنكليزي البطولات التي قدمت لاعبين الى كأس العالم الأخيرة بفارق كبير عن بقية بطولات الكرة الدولية.

الكرة الإنكليزية تحصد ثمار ما زرعته

التفوق الكبير للدوري الإنكليزي في سباق الانتقالات بدا وأنه ثمرة أمور تميزت بها البطولة عن بقية البطولات الكبيرة في القارة الأوروبية، ولعل أبرز تلك العوامل كان الانفتاح على الملكية الأجنبية للأندية، مما منح الأندية الإنكليزية فرصة الاستفادة من أموال طائلة أنفقها ملاك أثرياء. وكان الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش أبرز من جسّد هذا التحول، باستحواذه على نادي تشيلسي عام 2003 في صفقة بلغت قيمتها نحو 140 مليون جنيه إسترليني. وكان النادي يعاني آنذاك من ديون تُقدّر بنحو 80 مليون جنيه إسترليني. بعد الاستحواذ، ضح أبراموفيتش سريعا أكثر من 120 مليون جنيه إسترليني في تعاقدات الموسم الأول وحده. وبين صيف 2003 ونهاية الموسم، وصل إجمالي استثماره في النادي إلى نحو 300 مليون جنيه إسترليني، وفق تقديرات "ديلويت" آنذاك.

أ.ف.ب.
مالك نادي تشيلسي السابق رومان أبراموفيتش خلال حضوره مباراة في لندن بملعب الفريق ، في 21 مايو 2017

وفي الموسم نفسه، ارتفعت إيرادات تشلسي بأكثر من 50 مليون جنيه إسترليني إلى 144 مليونا، وأصبح النادي رابع أغنى نادٍ في العالم وفق المقياس الذي استخدمته "ديلويت". وبفضل هذا التدفق المالي غير المسبوق، انتقل تشيلسي خلال عامين فقط من وصيف للدوري الإنكليزي إلى بطل للمسابقة، منهيا انتظارا دام نحو نصف قرن للحصول على اللقب، ومطلقا في الوقت نفسه حقبة جديدة في اقتصاد كرة القدم الإنكليزية.

وقد تجاوز إجمالي ما ضخّه أبراموفيتش في تشيلسي ملياري جنيه إسترليني خلال نحو 19 عاما من ملكيته للنادي، قبل أن يضطر إلى بيعه في مايو/أيار 2022 تحت وطأة العقوبات البريطانية التي فُرضت عليه عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد بلغت القيمة الإجمالية لصفقة البيع  4.25 مليارات جنيه إسترليني، منها 2.5 مليار جنيه ثمنا للنادي و1.75 مليارا التزامات استثمارية فيه وفي بنيته التحتية.

ساعد نموذج الملكية الخاصة للأندية والانفتاح على المستثمرين الأجانب الدوري الإنكليزي الممتاز في جذب رؤوس الأموال، مقارنة بقيود تواجه دوريات أوروبية أخرى، منها قاعدة "50+1" في ألمانيا، وصعوبات ملكية وتطوير الملاعب في إيطاليا، ونموذج العضوية في ريال مدريد وبرشلونة 

احتضنت الكرة الإنكليزية تلك الحالة الاستثمارية لتجذب ملاكا أثرياء آخرين، كالشيخ منصور بن زايد آل نهيان، الذي استحوذ على مانشستر سيتي عام 2008، ليتحول النادي تحت ملكيته إلى أحد أهم فرق الكرة عالميا، ونيوكاسل يونايتد، الذي أعاده صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى الواجهة بعد سنوات من التذبذب، كان أبرزها هبوطه إلى الدرجة الثانية في موسم 2016-2017. فضلا عن عدد كبير من المستثمرين الأميركيين الذين فتحت جماهيرية الدوري المتنامية حول العالم شهيتهم لامتلاك أندية بحجم أرسنال وليفربول ومانشستر يونايتد.

كان المناخ في إنكلترا، حيث الملكية الخاصة للأندية والقدرة على جذب المستثمرين الأجانب أصبحت أمرا راسخا منذ عقود، عاملا ساعد الدوري الإنكليزي الممتاز في التحول إلى وجهة رئيسة لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستثمار في اللعبة الشعبية الأولى، خصوصا بالمقارنة مع نماذج أكثر تقييدا في بعض الدوريات الأوروبية الكبرى. ففي ألمانيا، تقيد قاعدة "50+1" سيطرة المستثمرين الخارجيين، إذ تشترط احتفاظ النادي الأم بغالبية حقوق التصويت.

وفي إيطاليا، شكلت صعوبة تطوير وامتلاك الملاعب، التي لا يزال كثير منها مملوكا للبلديات، أحد العوائق أمام زيادة الإيرادات والاستثمار الطويل الأجل. أما في إسبانيا، فلا يزال ريال مدريد وبرشلونة يعملان وفق نموذج عضوية الأندية، في حين تكافح أندية أخرى لمجاراة قوتهما التجارية والمالية، رغم اعتماد لا ليغا نظاما مركزياً لتوزيع حقوق البث.

أ.ف.ب.
رئيس نادي نيوكاسل يونايتد السعودي ياسر الرميان (في الوسط)، والمالكة الإنجليزية صاحبة الحصة الأقلية في النادي أماندا ستافيلي (يمين الوسط)، يجلسان في مقعديهما خلال مباراة بين نيوكاسل يونايتد وتوتنهام، في مدينة نيوكاسل 17 أكتوبر 2021

المناخ الاستثماري الدولي ليس وحده ما يمنح الدوري الإنكليزي تلك القوة في سوق الانتقالات، فالمال الذي يدرّه الدوري على أنديته من حقوق البث التلفزيوني والعائدات التجارية المركزية، يوفر حتى لأندية الوسط قاعدة مالية قوية تساعدها في مجاراة كبار الأندية في البطولات الأوروبية الأخرى. ففي إنكلترا، يُوزَّع نصف عائدات البث المحلي بالتساوي بين الأندية العشرين، فيما يوزع ربعها وفق الترتيب النهائي للدوري والربع الأخير بحسب عدد المباريات التي تُبث تلفزيونيا لكل نادٍ، بينما تُقسَّم العائدات التجارية المركزية بالتساوي بين الأندية. وقد ساعد هذا النموذج في الحد من الفوارق المالية داخل الدوري، ومنح أندية خارج دائرة العمالقة التقليديين قدرة أكبر على الإنفاق والمنافسة في سوق اللاعبين الأوروبية.

أرقام الموسم قبل الماضي الصادرة عن البطولتين يمكنها توضيح ذلك، حيث يظهر ثالث البطولة الإسبانية أتلتيكو مدريد وقد حصد 108.17 مليون يورو من حقوق البث التلفزيوني، وهو مبلغ يقل بكثير، حتى مع حساب فارق العملة، عن 116.9 مليون جنيه إسترليني حصدها نادي ليستر سيتي الإنكليزي الذي أنهى ذلك الموسم هابطا إلى دوري الدرجة الثانية.

شهد هذا الصيف على سبيل المثل انتقالين لنجمين لم يتجاوزا الخامسة والعشرين هما مورغان روجرز (من أستون فيلا إلى تشيلسي بـ117 مليون جنيه استرليني) وإيليوت أندرسون (من نوتنغهام فورست إلى مانشستر سيتي بـ 116 مليون استرليني) ليتحطم الرقم القياسي لأغلى لاعب بريطاني مرتين في أسابيع قليلة

وبات مجرد الصعود إلى الدوري الإنكليزي مرتبطا بعوائد مالية ضخمة، إذ يحصل النادي الصاعد على أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني من المدفوعات المركزية المرتبطة بالدوري، قبل احتساب الإيرادات التجارية ومداخيل المباريات، وهو رقم يوضح حجم الفارق الذي يفصل البريميرليغ عن بقية البطولات الأوروبية. وفي المقابل، تجاوزت عوائد أرسنال من مشاركته في دوري أبطال أوروبا في موسم 2025-2026 حاجز 120 مليون جنيه إسترليني (نحو 142 مليون يورو) بعد بلوغه النهائي، وفق تقديرات إيرادات البطولة.

من هنا، غدت الأندية الصاعدة محركا أساسيا لارتفاع إنفاق أندية الدوري الإنليكزي بحثا عن البقاء بين فرق القمة والاستفادة من استدامة تلك العوائد. ووصل الأمر في سوق الانتقالات صيف 2026 إلى أن إبسويتش تاون، الصاعد حديثا من الدرجة الثانية، أنفق نحو 220.7 مليون يورو على التعاقدات، ليحتل المركز التاسع بين أكبر المنفقين في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، متقدما على برشلونة وبايرن ميونيخ ويوفنتوس وباريس سان جيرمان.

الملعب لم يعد الفصل الوحيد

السطوة الإنكليزية على سوق الانتقالات تزامنت مع ارتفاع قياسي في صفقات انتقال اللاعبين بين أندية الدوري وبعضها البعض. فقد شهد هذا الصيف على سبيل المثل انتقالين لنجمين لم يتجاوزا الخامسة والعشرين هما مورغان روجرز (من أستون فيلا إلى تشيلسي بـ117 مليون جنيه استرليني) وإيليوت أندرسون (من نوتنغهام فورست إلى مانشستر سيتي بـ 116 مليون استرليني) ليتحطم الرقم القياسي لأغلى لاعب بريطاني مرتين في أسابيع قليلة.

رويترز
رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز يقف في اليسار خلال مراسم التوقيع مع النجم البرتغالي لويس فيغو قادما من برشلونة، مدريد 24 يوليو 2000

المسألة ربما تخضع في ظاهرها لقواعد العرض والطلب ورغبة الأندية في حسم المنافسة لصالحها على اللاعبين المميزين. لكن الأمر يمتد الى بعد آخر يستمد منه اللاعب المتكوّن محليا قيمة إضافية في السوق، وهو أمر متعلق بقاعدة "اللاعب الناشئ محليا" التي تفرض على الأندية ألا تضم قائمة فرقها أكثر من 17 لاعبا لا يستوفون شرط التكوين المحلي، بما يعني تخصيص ما يصل إلى 8 مقاعد من قائمة الـ25 للاعبين الذين قضوا ثلاثة مواسم كاملة أو 36 شهرا، متصلة أو غير متصلة، مسجلين لدى أندية تابعة للاتحاد الإنكليزي أو الويلزي قبل بلوغهم 21 عاما. ولا يشترط القانون أن يكون اللاعب إنكليزيا، مما يعني أن القاعدة قد ترفع أيضا قيمة لاعبين أجانب استوفوا شروط التكوين المحلي.

تلك القاعدة ليست سوى مجرد مظهر واحد من مظاهر عدة باتت ترسم خريطة السوق الكروية في كل صيف. فالفرق التي توضع تحت مجهر عقوبات قواعد الربح والاستدامة (التي ألزمت الأندية في الدوري الإنكليزي حدا أقصى للخسائر يبلغ 105 ملايين جنيه استرليني في ثلاثة مواسم) تضطر لبيع بعض كبار لاعبيها في الموسم التالي لاستثمار مالي لم يحقق الأرباح المرجوة رياضيا.

الأندية التي تشارك في المسابقات الأوروبية عليها الخضوع لقواعد اللعب المالي النظيف التي قد تكون أكثر تشددا في بعض جوانبها من قواعد البريميرليغ

والأندية التي تشارك في المسابقات الأوروبية عليها الخضوع لقواعد "اللعب المالي النظيف" التي قد تكون أكثر تشددا في بعض جوانبها من قواعد البريميرليغ. وقد دفعت هذه القيود المتشددة الأندية إلى ابتكار وسائل عدة للحفاظ على قدرتها على مواصلة الإنفاق في السوق.

ومن بين هذه الوسائل العقود الطويلة التي اشتهر نادي تشيلسي بإبرامها في السنوات الأخيرة، والتي تجاوزت في بعض الحالات ست سنوات، بما سمح له بتوزيع أعباء صفقات اللاعبين على دورات مالية متعددة، قبل أن يضع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حدا لهذا الأسلوب عبر قصر فترة إهلاك تكلفة انتقال اللاعب على خمس سنوات. ومنها أيضا توسع بعض الملاك في نموذج "الأندية الشقيقة" وامتلاك أندية في بطولات أخرى، بما يتيح تطوير اللاعبين وتدويرهم بين أندية المجموعة، قبل بيعهم لاحقا، بحيث تتحول مكاسب بيع حقوق تسجيلهم إلى أرباح في الحسابات المالية للنادي البائع.

أ.ف.ب.
احتفالات المنتخب الإسباني بالفوز بكأس العالم، في نيويورك 19 يوليو 2026

كان آخر الأمثلة على ذلك انتقال الباراغوياني خوليو إنسيسو إلى إبسويتش تاون مقابل نحو 30 مليون يورو، بعدما كانت مجموعة "بلو كو" المالكة لتشيلسي قد اشترته لنادي ستراسبورغ الفرنسي مقابل نحو 9.5 ملايين يورو فقط في الموسم السابق.

وباتت الحسابات ومتطلبات الميزانية تتمتع بالأهمية ذاتها لمتطلبات المدرب وأحلام الجماهير في تشكيلاتها المتخيلة. وهو ما يصنع أحيانا من سوق الانتقالات موسما كئيبا لمشجعي بعض الأندية، مثل الذي عاشه مشجعو أستون فيلا الإنكليزي هذا الصيف، وهم يشاهدون فريقهم يبيع بعض أبرز نجومه، مثل إزري كونسا ومورغان روجرز ويوري تيليمانس، سعيا منه لتلبية المتطلبات المالية للاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها ألا تتجاوز تكلفة التشكيلة، التي تشمل رواتب اللاعبين والمدربين وإهلاك رسوم الانتقالات وتكاليف الوكلاء، نسبة 70 في المئة من إيرادات النادي المتعلقة بكرة القدم.

ويبقى كسر الدائرة الحالية رهناً بحركة المال التي صنعت الديناميكية التي تدور بها عجلة سوق الانتقالات في الوقت الراهن

وبينما تقول الهيئات المنظمة لكرة القدم إن تلك القواعد جاءت لضبط التدفقات المالية وحماية المنافسة من ضخ مالي غير مستدام قد يؤدي لسقوط بعض الأندية في فخ الديون وخطر الإفلاس، تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في بعض من تلك القيود. ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أنها  تحرم بعض الفرق من تطوير طموحها وتجبرها في نهاية المطاف لبيع كبار لاعبيها لمصاف المنافسين الكبار في كل موسم، الذين يبدو أنهم يجدون طريقة للإنفاق في كل موسم اعتمادا على قوة علاماتهم التجارية والنجاحات الرياضية التي تحققها فرقهم والتي بني بعضها على ضخ مالي قد لا تسمح به القواعد الحالية.

هل يفكك رأس المال التسلسل الهرمي؟

في حين يبدو الدوري الإنكليزي وكأنه قد استتب له الأمر على قمة هرم الانتقالات العالمية بفضل رؤوس الأموال التي يجذبها والعوائد التي يجنيها من تحوله الى ظاهرة كونية تحظى بمتابعة لا نظير لها عالميا، ظهرت بعض المؤشرات في السنوات الأخيرة التي قد تعطي مؤشرا الى حركة يمكنها على المدى البعيد أن تسهم في تغيير الخريطة المتعلقة بصفقات اللاعبين.

النجم البرتغالي كرستيانو رونالدو، في مبارة مع فريقه النصر ضد نادي الرياض، في ملعب الأمير فيصل بن فهد، في الرياض 21 أغسطس 2026

فكانت موجة الاستقطابات التي رعتها السعودية في السنوات الأخيرة لجلب نجوم عالميين من أمثال كريستيانو رونالدو وكريم بنزيما ونيمار إلى الدوري المحلي سلاحا ذا حدين بالنسبة للأندية الأوروبية بعدما وصلت في صيف 2023 بحسب مجموعة "ديلويت" إلى 957 مليون دولار متقدمة على جميع بطولات الدوري العالمية، عدا البريميرليج.

فمن ناحية، منحت المبالغ المالية المغرية أندية أوروبا متنفسا سمح لها بالمزيد من الحركة في السوق وتجديد صفوفها بالمزيد من اللاعبين، بينما مثلت من جانب آخر ورقة ضغط تهدد استمرار نجومهم الكبار معهم لحظة يصلهم عرض من الدوري السعودي، وترفع سقف المطالب المالية في عقود التجديد إلى مستويات لا يمكن الأندية الأوروبية أن تجد لها جدوى اقتصادية في كشوفاتها الخاضعة لقواعد الهيئات المنظمة.

الموجة السعودية تلاها دخول الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" على خط الاستثمار في بطولات الأندية، موزعا ما مجموعه مليار دولار أميركي على الأندية المشاركة في النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية التي أقيمت صيف العام الماضي. وهو أمر قد يبدو كفيلا بزيادة مداخيل الفرق الأوروبية الكبيرة ورفع حدة المنافسة بينها على اللاعبين إلى أرقام قياسية، لكنه يمكن في الوقت نفسه أن يمثل شريان حياة لفرق أخرى اكتفت بدور المتفرج في السنوات الأخيرة، إذا تمكنت من الوصول إلى تلك البطولة واقتناص جوائزها المالية الكبيرة في منافسات محدودة المدى زمنيا، قد لا تتطلب القدر ذاته من الاستمرارية والنفس الطويل الذي تفرضه مسابقات الدوري.

ويبقى كسر الدائرة الحالية رهنا بحركة المال التي صنعت الديناميكية التي تدور بها عجلة سوق الانتقالات في الوقت الراهن. وبينما تتهاطل الملايين إلى جيوب اللاعبين ووكلائهم في كل صيف، محولة صفقة لويس فيغو إلى مجرد لحظة تاريخية رسمت الطريق لما ستكون عليه السوق في القرن الجديد، يبقى نهم الجمهور إلى المزيد من كرة القدم، الذي تجلى في كأس العالم الأخيرة، شبه مكتمل الحضور رغم ارتفاع أسعار تذاكره وكثرة مبارياته وامتداد فترته الزمنية، وقودا لمزيد من الأرقام القياسية في عقود اللاعبين، حتى وإن كانت إمكانات بعضهم تدفع إلى التساؤل عما كان ليكون عليه ثمن قدم دييغو مارادونا اليسرى لو عُرضت للبيع في مزاد "ميركاتو" هذه الأيام.

font change

مقالات ذات صلة