أعادت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تشكيل علاقة العالم بأمن الطيران المدني والسفر. فمنذ ذلك الحين، لم تعد إجراءات التفتيش، وتحصين قمرة القيادة، والتدقيق في هويات المسافرين، مجرد ترتيبات إدارية روتينية، بل أصبحت ركائز لمنظومة أمنية عالمية تشكلت تحت وطأة تلك اللحظة الفارقة. غير أن الأثر الاستراتيجي الأعمق لم يقتصر على أمن المنافذ، بل امتد إلى إعادة تعريف الإرهاب في العلاقات الدولية، وتحديد طبيعة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد "القاعدة" وشبكاتها.
من الجهاد العالمي إلى شبكات نفوذ محلية عابرة للحدود
وبعد ربع قرن على تلك الهجمات، لم تعد "القاعدة" التنظيم الذي عرفه العالم في أفغانستان، كما لم تعد تعمل بالهيكلية المركزية التي دفعت واشنطن إلى إعلان الحرب العالمية على الإرهاب. فقد تراجع الثقل العملياتي لقيادتها المركزية، وقُتل عدد من أبرز قادتها التاريخيين، وتقلصت قدرتها على التخطيط لعمليات استراتيجية عابرة للقارات. لكن هذا التراجع لا يعني نهاية التنظيم، بل يعكس نجاحه في إعادة توطين نفسه في بيئات الدول الهشة، واستثمار الحروب الأهلية والفراغات الأمنية، معتمداً بصورة متزايدة على فروع إقليمية تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية في الحركة واتخاذ القرار.
وإذا كانت أفغانستان تمثل المهد التاريخي لـ"القاعدة"، فإن الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي واليمن تمثل اليوم مراكز الثقل الجديدة لفروعها، ومصادر أساسية لقدرتها على البقاء والتكيف. ولم يعد التهديد يتمثل في وجود تنظيم مركزي يخطط لهجوم مروع بحجم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل في شبكة لامركزية تتجذر في النزاعات المحلية. وهي شبكة تجمع بين العنف المسلح، والسيطرة على خطوط الإمداد والمجتمعات الطرفية، وجباية الموارد، ونسج تحالفات نفعية مع قوى محلية.
وفي هذا السياق، برزت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في الساحل و"حركة الشباب" في الصومال بوصفهما من أكثر فروع "القاعدة" نشاطاً وقدرة على التمدد، بينما تحافظ "القاعدة" في جزيرة العرب على حضور مؤثر في المشهد الأمني والسياسي اليمني المضطرب.
وعليه، لم يعد السؤال المحوري هو مدى قدرة "القاعدة" على تكرار هجمات مماثلة، بل كيفية تقييم خطرها الحقيقي اليوم، هل يُقاس بقدرتها على استهداف العواصم الغربية، أم بقدرتها على إدارة الهوامش الجغرافية، وفرض الجباية، واستقطاب المقاتلين، وإضعاف مؤسسات الدولة من الداخل؟ هنا تتجلى طبيعة التحول الذي طرأ على "القاعدة": من مشروع مركزي يراهن على الضربات الرمزية الكبرى، إلى شبكة من الفروع المحلية العابرة للحدود، تستمد قدرتها على الاستمرار من هشاشة الدولة واستدامة النزاعات الإقليمية.
11 سبتمبر...نقطة تحول عالمية
لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر مجرد هجوم إرهابي كبير، بل شكلت لحظة فارقة أعادت تعريف الأمن الدولي والسياسة الخارجية الأميركية، ونقلت العنف الجهادي من هامش الاهتمام الأمني إلى صدارة أجندة النظام الدولي.

فمن تلك اللحظة انطلقت الحرب في أفغانستان، قبل أن تتسع تداعياتها لتشمل غزو العراق، وإنشاء منظومات للاحتجاز السري، والتوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، وتوسيع أدوات المراقبة والاستخبارات. كما تركت آثاراً عميقة في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، وفي موقع الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط.








