بعد ربع قرن من 11 سبتمبر... أين أصبحت "القاعدة"؟

ظلٌ يتمدد في الفراغ

بعد ربع قرن من 11 سبتمبر... أين أصبحت "القاعدة"؟

أعادت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تشكيل علاقة العالم بأمن الطيران المدني والسفر. فمنذ ذلك الحين، لم تعد إجراءات التفتيش، وتحصين قمرة القيادة، والتدقيق في هويات المسافرين، مجرد ترتيبات إدارية روتينية، بل أصبحت ركائز لمنظومة أمنية عالمية تشكلت تحت وطأة تلك اللحظة الفارقة. غير أن الأثر الاستراتيجي الأعمق لم يقتصر على أمن المنافذ، بل امتد إلى إعادة تعريف الإرهاب في العلاقات الدولية، وتحديد طبيعة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد "القاعدة" وشبكاتها.

من الجهاد العالمي إلى شبكات نفوذ محلية عابرة للحدود

وبعد ربع قرن على تلك الهجمات، لم تعد "القاعدة" التنظيم الذي عرفه العالم في أفغانستان، كما لم تعد تعمل بالهيكلية المركزية التي دفعت واشنطن إلى إعلان الحرب العالمية على الإرهاب. فقد تراجع الثقل العملياتي لقيادتها المركزية، وقُتل عدد من أبرز قادتها التاريخيين، وتقلصت قدرتها على التخطيط لعمليات استراتيجية عابرة للقارات. لكن هذا التراجع لا يعني نهاية التنظيم، بل يعكس نجاحه في إعادة توطين نفسه في بيئات الدول الهشة، واستثمار الحروب الأهلية والفراغات الأمنية، معتمداً بصورة متزايدة على فروع إقليمية تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية في الحركة واتخاذ القرار.

وإذا كانت أفغانستان تمثل المهد التاريخي لـ"القاعدة"، فإن الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي واليمن تمثل اليوم مراكز الثقل الجديدة لفروعها، ومصادر أساسية لقدرتها على البقاء والتكيف. ولم يعد التهديد يتمثل في وجود تنظيم مركزي يخطط لهجوم مروع بحجم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل في شبكة لامركزية تتجذر في النزاعات المحلية. وهي شبكة تجمع بين العنف المسلح، والسيطرة على خطوط الإمداد والمجتمعات الطرفية، وجباية الموارد، ونسج تحالفات نفعية مع قوى محلية.

وفي هذا السياق، برزت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في الساحل و"حركة الشباب" في الصومال بوصفهما من أكثر فروع "القاعدة" نشاطاً وقدرة على التمدد، بينما تحافظ "القاعدة" في جزيرة العرب على حضور مؤثر في المشهد الأمني والسياسي اليمني المضطرب.

وعليه، لم يعد السؤال المحوري هو مدى قدرة "القاعدة" على تكرار هجمات مماثلة، بل كيفية تقييم خطرها الحقيقي اليوم، هل يُقاس بقدرتها على استهداف العواصم الغربية، أم بقدرتها على إدارة الهوامش الجغرافية، وفرض الجباية، واستقطاب المقاتلين، وإضعاف مؤسسات الدولة من الداخل؟ هنا تتجلى طبيعة التحول الذي طرأ على "القاعدة": من مشروع مركزي يراهن على الضربات الرمزية الكبرى، إلى شبكة من الفروع المحلية العابرة للحدود، تستمد قدرتها على الاستمرار من هشاشة الدولة واستدامة النزاعات الإقليمية.

11 سبتمبر...نقطة تحول عالمية

لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر مجرد هجوم إرهابي كبير، بل شكلت لحظة فارقة أعادت تعريف الأمن الدولي والسياسة الخارجية الأميركية، ونقلت العنف الجهادي من هامش الاهتمام الأمني إلى صدارة أجندة النظام الدولي.

رويترز
مقاتلون أفغان مناهضون لحركة "طالبان" يراقبون عدة انفجارات ناجمة عن قصف أميركي في جبال تورا بورا بأفغانستان، في 16 ديسمبر 2001

فمن تلك اللحظة انطلقت الحرب في أفغانستان، قبل أن تتسع تداعياتها لتشمل غزو العراق، وإنشاء منظومات للاحتجاز السري، والتوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، وتوسيع أدوات المراقبة والاستخبارات. كما تركت آثاراً عميقة في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، وفي موقع الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط.

بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، لم يعد التهديد كامنا في تنظيم مركزي يخطط لهجوم بحجمه، بل في شبكة لامركزية تتجذّر في النزاعات المحلية، وتجمع بين العنف والسيطرة على خطوط الإمداد وجباية الموارد ونسج التحالفات

وبعد ربع قرن، لم تعد مكافحة الإرهاب تحتل صدارة الاستراتيجية الأمنية الأميركية كما كانت في العقدين التاليين للهجمات، إذ تراجعت لصالح التنافس الجيوسياسي مع الصين ومواجهة التحديات التي تفرضها روسيا. غير أن تراجع هذا الملف في سلم الأولويات لم يُلغِ البيئات التي أتاح فيها ضعف الدولة والنزاعات المسلحة للجماعات الجهادية النمو والتمدد. بل انتقلت بؤر نشاطها إلى مسارح جديدة، وتكيفت الفروع مع الشروط السياسية والأمنية والاجتماعية الخاصة بكل منطقة.

وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم: هل نجحت واشنطن وحلفاؤها في تحجيم الخطر، أم إن الحصيلة الفعلية لربع قرن من الحرب كانت دفع "القاعدة" إلى إعادة تشكيل بنيتها، وتغيير مسرح عملياتها، وتطوير أدوات تأثيرها؟ "القاعدة" في صورتها الأولى لم تعد موجودة، لكن فروعها لا تزال تستثمر في النزاعات الممتدة وغياب السلطة الوطنية، بما يفرض إعادة تقييم معايير الخطر وجدوى المقاربات التقليدية التي حكمت استراتيجيات مكافحة الإرهاب.

"القاعدة" في 2001...التنظيم الذي أراد إعادة ترتيب العالم

في عام 2001، كانت "القاعدة" تنظيماً مركزياً نسبياً، تقوده شخصيتان تمتلكان رصيدا رمزيا وتنظيميا كبيرا: أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. واستفاد التنظيم من ملاذ آمن في أفغانستان تحت حكم "طالبان"، أتاح له إنشاء معسكرات للتدريب، وبناء شبكات للتمويل والإمداد، وربط مقاتلين قدموا من دول متعددة بمشروع عابر للحدود. فقد كانت أفغانستان آنذاك قاعدة عمليات ومركزا لوجستيا لـ"القاعدة" وشبكات المقاتلين الأجانب، لا مجرد مقر لإقامة قيادتها.

رويترز
أسامة بن لادن يجلس مع مستشاره أيمن الظواهري في تنظيم "القاعدة" خلال مقابلة مع الصحفي الباكستاني حامد مير في صورة زوّدت بها صحيفة "داون" في 10 نوفمبر 2001

واتجه مشروع القاعدة نحو استهداف العدو البعيد، وفي مقدمته الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، باعتبارهم الداعمين الرئيسين للأنظمة الإقليمية التي صنّفها التنظيم ضمن خصومه المحليين. ومن هذا المنطلق، لم تكن الضربات الموجهة إلى العمق الأميركي غاية في ذاتها، بل أداة لاستدراج واشنطن إلى حروب طويلة ومكلفة، تستنزف قدراتها وتدفعها إلى انخراط عسكري مباشر في المنطقة. وقد مثّل هذا الرهان جوهر استراتيجية بن لادن، التي سعت إلى تحويل التفوق الأميركي إلى عبء سياسي وعسكري مستمر.

نجحت "القاعدة" في استفزاز واشنطن ودفعها إلى خوض الحرب في أفغانستان، لكنها أخطأت في تقدير قدرة الولايات المتحدة على تفكيك معسكراتها وملاحقة كوادرها وقياداتها. كما لم تتوقع أن يفتح غزو العراق عام 2003 مساراً جديداً من الفوضى والصراع المسلح، يمهّد لصعود جماعات أكثر عنفاً وتطرفاً، كان "تنظيم الدولة الإسلامية" أبرزها. فقد نشأ التنظيم في بيئة ما بعد الغزو والتمرد المسلح في العراق، وتطور من "تنظيم القاعدة" في العراق إلى منافس مباشر لـ"القاعدة" على قيادة التيار الجهادي وتمثيله.

حرب أميركا الطويلة

لفهم موقع "القاعدة" اليوم، ينبغي الابتعاد عن السرديات التبسيطية التي تفترض نصراً حاسماً أو هزيمة كلية. فقد خسرت "القاعدة" ملاذها الآمن في أفغانستان إثر التدخل الأميركي أواخر عام 2001، وقُتل أو اعتُقل عدد كبير من كوادرها التاريخية وقيادات صفها الأول خلال العقدين التاليين.

وشكلت تصفية أسامة بن لادن في أبوت آباد عام 2011 ضربة قاصمة لرمزية القيادة، بينما كشف مقتل أيمن الظواهري في كابول عام 2022 عن استمرار وجود التنظيم في المجال الأفغاني، وأظهر في الوقت نفسه تآكل مركزية القيادة وافتقارها إلى القدرة التوجيهية التي امتلكها بن لادن.

ونتيجة لهذه الضربات، انحسرت قدرة "القاعدة" المركزية على التخطيط لعمليات استراتيجية كبرى وتنفيذها في العمق الغربي. كما أدت عمليات التتبع الاستخباراتي والضربات الجوية، إلى جانب استهداف شبكات التمويل والتجنيد، إلى تقييد حركة القيادة وإضعاف قنوات التواصل العابرة للحدود التي أتيحت للتنظيم قبل عام 2001.

وظلت منظومة العقوبات الدولية، بما تتضمنه من تجميد للأصول وحظر للسفر والسلاح، أداة مستمرة للحد من قدرة الشبكات المرتبطة بالتنظيم على الحركة وإعادة البناء.

رغم الضربات التي فكّكت قيادتها المركزية، لم تتفكك أيديولوجيا "القاعدة"، بل اكتسبت فروعها الإقليمية استقلالية، مستفيدة من العوامل البنيوية للنزاع من ضعف الدولة والفساد والانقسامات الطائفية والتهميش

في المقابل، لم تتفكك الأيديولوجيا، ولم تتلاشَ الشبكات المحلية التي نمت وتحركت تحت مظلتها. بل اكتسبت الفروع الإقليمية استقلالية عملياتية أكبر، وطورت مواردها الذاتية وخبراتها الميدانية بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القيادة المركزية. واستفادت هذه الفروع من استمرار العوامل البنيوية للنزاع: ضعف مشروعية الدولة الوطنية، وانتشار الفساد، وتصاعد الانقسامات الطائفية والعرقية، والتهميش، وتراجع الخدمات الأساسية.

 وفي بعض الحالات، تحولت تداعيات الحرب على الإرهاب، وما صاحبها من خسائر مدنية وانتهاكات، إلى مادة دعائية استثمرتها تلك الجماعات في بناء خطاب المظلومية وتعبئة أنصار جدد.

من المركز إلى الشبكة... التحول التنظيمي الكبير

لم تعد "القاعدة" تنظيماً موحداً بالمعنى الذي كانت عليه عام 2001، بل أصبحت شبكة عابرة للحدود تتباين فيها درجات التماسك، تجمع بين قيادة مركزية تآكلت قدرتها على التوجيه والعمل المباشر، وفروع محلية تتمتع باستقلالية واسعة وأجندات متباينة. ويمثل هذا الانتقال من مركزية صارمة إلى شبكة فضفاضة التحول الأهم في مسار التنظيم خلال ربع القرن الماضي.

رويترز
مجموعة من رجال الإطفاء يسيرون وسط الأنقاض قرب قاعدة البرج الجنوبي المدمَّر لمركز التجارة العالمي في نيويورك، في 11 سبتمبر 2001

فالقيادة المركزية لم تعد تمتلك القدرة على إدارة الضربات الكبرى أو توجيه الفروع على نحو مباشر، مقابل صعود الفروع بوصفها قوى محلية لها قياداتها ومواردها وتحالفاتها القبلية والسياسية. وتشير التقييمات إلى أن التنظيم نقل جانباً كبيراً من ثقله العملياتي إلى ساحاته الإقليمية، مبتعداً عن نمط التخطيط المركزي المباشر.

وفي هذا السياق، لم تعد الفروع مجرد أدوات تنفذ توجيهات المركز، بل أصبحت تعمل بنموذج أقرب إلى الفرنشايز، حيث تمنح القيادة المركزية الاسم والمرجعية الفكرية وقنوات الاتصال، بينما تدير الفروع عملياتها باستقلال واسع وفق شروط بيئاتها المحلية. وهي تركز على ترسيخ نفوذها الميداني، والسيطرة على الأرياف ومحاور الحركة والتجارة، وجباية الموارد، وبناء ترتيبات نفعية مع المجتمعات المحلية. لذلك، يوفر الارتباط باسم "القاعدة" مرجعية فكرية وقنوات للتنسيق، لكنه لا يعني خضوعاً عملياتياً يومياً أو تطابقاً كاملاً في الأهداف والأولويات. بل إن العلاقة انعكست جزئياً في بعض الساحات، فأصبحت الفروع مصدراً للموارد والشرعية التي تحتاج إليها القيادة المركزية الضعيفة للحفاظ على موقعها الرمزي.

"القاعدة" و"داعش"... صراع الاستراتيجيات

شكّل صعود "تنظيم داعش" محطة فاصلة أنهت احتكار "القاعدة" لزعامة التيار الجهادي العابر للحدود. ولم يكن الخلاف بين التنظيمين مجرد تفاوت في مستوى العنف أو التطرف، بل عكس تنافساً بين استراتيجيتين مختلفتين في إدارة القوة وتوسيع النفوذ. فقد راهن "داعش" على الصدمة، والتوسع العسكري السريع، وإعلان الخلافة، واستخدام العنف بصورة علنية ومكثفة، سعياً إلى فرض سيطرة إقليمية مباشرة في أقصر وقت ممكن.

وقد ارتبط هذا النموذج بمحاولة بناء كيان سياسي على الأرض، ثم توسيع نطاقه عبر الدعاية والتجنيد والعمليات الخارجية.

لم يكن الخلاف بين "القاعدة" و"داعش" مجرد تفاوت في مستوى العنف، بل تنافسا بين استراتيجيتين حين راهن "داعش" على الصدمة والتوسع السريع وإعلان الخلافة، فيما اختارت "القاعدة" التدرج والاندماج في النزاعات المحلية وتأجيل الصدام المباشر

في المقابل، اتبعت فروع "القاعدة" في عدد من الساحات نهجاً أكثر تدرجاً وبرغماتية، يقوم على التكيف مع البيئات المحلية، وبناء علاقات مع فاعلين قبليين واجتماعيين، وتأجيل الصدام المباشر حين تكون كلفته مرتفعة. ولم يكن ذلك تخلياً عن مشروعها الأيديولوجي بعيد المدى، بل طريقة لتثبيت موطئ قدم محلي، وتوسيع النفوذ، وتجنب استنزاف سريع قد يؤدي إلى خسارة الحواضن أو استدعاء رد عسكري واسع.

وتشير الدراسات المقارنة إلى أن "القاعدة" شجعت بعض فروعها على الاندماج في النزاعات المحلية وتخفيف الظهور الفج في فرض رؤيتها، بخلاف "داعش" الذي أعطى الأولوية للسيطرة السريعة والعنيفة على الأرض.

ولم يؤد انهيار الخلافة المكانية لـ"داعش" في العراق وسوريا إلى عودة "القاعدة" إلى موقعها التاريخي بوصفها المرجعية الجهادية الوحيدة، لكنه أعاد إبراز ما تملكه من صبر تنظيمي ومرونة تكتيكية وقدرة على العمل عبر شركاء محليين.

رويترز
مقاتلون من "طالبان" يقودون سيارة في أحد الشوارع عقب مقتل زعيم "القاعدة" أيمن الظواهري في ضربة أميركية، في كابول، أفغانستان، في 2 أغسطس 2022

فالتنظيم لا يسعى، في كثير من ساحاته، إلى إعلان سلطة مركزية عاجلة، بل إلى بناء نفوذ تراكمي داخل بيئات الصراع، يمكن أن يتحول، عند توفر الظروف، إلى سيطرة أوسع أو إلى قدرة مستدامة على تقويض الدولة ومنافسة الفاعلين المحليين. ومع ذلك، لا يعني سقوط الخلافة الإقليمية نهاية "داعش"، إذ بقي التنظيم تهديداً عابراً للحدود وتكيّفا مع خسارته الإقليمية عبر شبكات وفروع وخلايا موزعة.

من مركز جهادي إلى مسارح متباعدة

لا يقتصر التحول في مسار "القاعدة" على تراجع مركزها التنظيمي، بل يشمل أيضا تغير الجغرافيا التي تتحرك فيها. ففي مرحلة ما قبل عام 2001، مثّلت أفغانستان مركزا شبه موحّد للتدريب والتخطيط والربط بين مقاتلين قدموا من دول متعددة. أما اليوم، فتتوزع بؤر التنظيم وفروعه بين سياقات متباينة، أفغانستان بوصفها فضاءً رمزياً ومجالاً لوجود القيادة، واليمن بوصفه ساحة تتصل بأمن الخليج والبحر الأحمر، والصومال والساحل الأفريقي بوصفهما بيئتين تتداخل فيهما هشاشة الدولة مع اقتصاد الحرب والصراعات المحلية.

وتحتفظ فروع "القاعدة" بقدرات عملياتية في الساحل وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مع توسع بعض هذه الفروع في النفوذ ومصادر الإيرادات.

ولا تعني هذه الجغرافيا الموزعة أن الفروع تعمل من خلال غرفة عمليات عالمية موحدة، بل تشير إلى نمط مختلف من التهديد. فالقيادة المركزية تقدم المرجعية الأيديولوجية والرمزية، بينما تحدد البيئات المحلية أولويات الفروع، وتحالفاتها، ومصادر تمويلها، وأنماط عنفها.

لذلك، لا تشكل العلاقة بين أفغانستان والساحل والقرن الأفريقي واليمن سلسلة قيادة خطية، بقدر ما تمثل شبكة مرنة تتقاطع فيها مرجعية "القاعدة" التنظيمية مع دوافع محلية عميقة.

ومن هنا، يصبح ضعف الدولة عاملاً أكثر مركزية من قوة التنظيم المركزي نفسه. ففي المناطق التي تغيب فيها العدالة والخدمات واحتكار الدولة الفعلي للعنف، تستطيع الجماعات المرتبطة بـ"القاعدة" أن تقدم نفسها، بالقسر أو بالمساومة، بوصفها سلطة بديلة أو وسيطا أمنيا أو جهة قادرة على إدارة جوانب من الاقتصاد المحلي. وتفسر هذه القدرة استمرار الفروع، حتى عندما يتراجع المركز أو يُستهدف قادته.

وتبرز "حركة الشباب" في الصومال مثالاً على استغلال فجوات السلطة والانقسامات العشائرية والأزمات الإنسانية، بينما توسعت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في الساحل عبر العمل داخل النزاعات المحلية وتحصيل الموارد.

أفغانستان... الذاكرة والملاذ المحتمل والمركز الضعيف

تحتفظ أفغانستان بقيمة رمزية وتاريخية خاصة لدى "القاعدة"، وقد أعادت عودة "طالبان" إلى السلطة عام 2021 فتح النقاش حول المساحة المتاحة للتنظيمات الجهادية، وقدرة المجتمع الدولي على مراقبة إعادة بناء شبكاتها العابرة للحدود. وأظهر مقتل أيمن الظواهري في كابول عام 2022 أن العلاقة التاريخية بين بعض دوائر "طالبان" وشبكات "القاعدة" لم تنقطع، حتى مع استمرار التباين في تقدير حجم حضور التنظيم وحرية حركته.

رويترز
قوات "طالبان" تقف حارسة أمام مطار حامد كرزاي الدولي في كابول، أفغانستان، في 2 سبتمبر 2021

وتشير تقديرات أممية واستخباراتية إلى أن القيادة المركزية لـ"القاعدة" في أفغانستان أصغر بكثير مما كانت عليه قبل عام 2001، وأنها تعمل بدرجة عالية من الحذر وانخفاض الظهور. لكن حجمها الفعلي، وقدرتها على الحركة والتدريب والتواصل، يظل محل تقديرات متباينة لا تخلو من عدم اليقين.

وقد أفادت تقارير أممية حديثة بوجود أعضاء من "القاعدة" ومنشآت تدريب وإيواء مرتبطة بها في عدد من الولايات الأفغانية، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن قدراتها الحالية لا تسمح لها بتدبير هجمات معقدة بعيدة المدى على نحو وشيك.

تجسد "حركة الشباب" أرسخ نماذج تحول فروع "القاعدة" من هجمات خاطفة إلى حكم موازٍ ينازع الدولة، يفرض جباية وقضاء وإيرادات من الإتاوات تتجاوز 150 مليون دولار سنويا

غير أن الخطر لا يرتبط بالعدد وحده، بل بقدرة البيئة الأفغانية على توفير مساحة للتواصل والتدريب وإعادة وصل الشبكات. فحتى حضور محدود ومنخفض الظهور يمكن أن يتيح دعماً لجماعات إقليمية حليفة، ويوسع هامش الحركة عبر الحدود، ويمنح القيادة المركزية فرصة لإعادة بناء قدراتها على مهل. لذلك، لا تبدو أفغانستان اليوم نسخة من الملاذ الذي وفرته لـ"القاعدة" قبل 2001، لكنها تبقى ساحة ذات قيمة استراتيجية، ينبغي تقييمها من خلال ما تتيحه من بنية تحتية وعلاقات وشبكات، لا عبر عدد الأفراد الموجودين فيها فحسب.

الصومال... "حركة الشباب" ونموذج الحكم الموازي

تمثل "حركة الشباب" في الصومال النموذج الأكثر رسوخاً لقدرة فروع "القاعدة" على التجذر طويل الأمد. فهي لا تعتمد على المعارك المكشوفة أو السيطرة العسكرية المباشرة وحدها، بل تدير شبكة واسعة لتحصيل الموارد، وتفرض الإتاوات، وتعتمد على منظومة قضائية موازية، وتخترق النشاط الاقتصادي في الأرياف والمدن.

ولا يعني ذلك أنها تمارس الحكم بوصفها دولة مكتملة الأركان، لكنها تؤدي، بدرجات متفاوتة، وظائف موازية للسلطة الوطنية من الجباية، إلى الفصل في النزاعات، وصولا إلى استخدام العنف والتهديد للسيطرة على حركة التجارة. وتفيد تقارير أممية بأن إيرادات الحركة السنوية تجاوزت 150 مليون دولار، تُحصل من نقاط التفتيش، وفرض الرسوم على الأعمال التجارية والواردات، والقطاعات الزراعية والحيوانية.

ولهذا تتصدر "حركة الشباب" فروع "القاعدة" بوصفها الأكثر ثراءً وقدرة على الاستدامة التنظيمية. فهي تحتفظ بهياكل نفوذ موازية حتى في المناطق التي تخضع رسمياً للحكومة الفيدرالية الصومالية وحلفائها، بما في ذلك العاصمة مقديشو، حيث تقدم خدمات قضائية، وتفرض جبايتها على الأسواق، وتستند إلى بنية اقتصادية منظمة تجمع بين الأنشطة المشروعة وغير المشروعة.

رويترز
عنصر من القوات الحكومية الصومالية يسير أثناء عمله على تأمين المنطقة التي اقتحم فيها مقاتلو"حركة الشباب" سجنا محصّنا تحت الأرض في مقديشو، الصومال، في 5 أكتوبر 2025

وتؤكد قدرة الحركة على تهديد مقديشو واستمرار نفوذها في أجزاء واسعة من وسط وجنوب البلاد أنها تجاوزت نمط الجماعات التي تنفذ هجمات خاطفة، لتصبح فاعلاً مسلحاً ينازع الدولة على السلطة والموارد.

وتستفيد الحركة في ذلك من تآكل المؤسسات، والاستقطابات السياسية والعشائرية، والهشاشة الاقتصادية والإنسانية. وهذا ما يفسر صمودها أمام ضربات مكافحة الإرهاب والعمليات الأمنية المتلاحقة، ويجعلها تجسيداً لكيفية تحول الجماعات المسلحة إلى شبكات إدارة وهيمنة موازية للدولة.

الساحل الأفريقي... مركز الثقل الجديد وخطر التمدد نحو خليج غينيا

يحتل الساحل الأفريقي اليوم موقعاً مركزياً في خريطة "القاعدة" المعاصرة. فقد صعدت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وهي تحالف جهادي موالٍ لـ"القاعدة" تشكل عام 2017 من اندماج فصائل مسلحة عدة، بوصفها المظلة الأبرز للتنظيم في المنطقة. ولا يستند تمددها إلى الفراغ الأمني الذي عمّقته الانقلابات العسكرية وتراجع الحضور الدولي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر فحسب، بل إلى قدرتها على استثمار المظالم المحلية المتصلة بالتهميش العرقي، والنزاعات الرعوية والمائية، وتآكل خدمات العدالة والتنمية.

ولا يتخذ تمدد الجماعة شكل السيطرة العسكرية المباشرة فحسب، بل يتم عبر بناء تدريجي للنفوذ يستهدف الأرياف والمحاور الحدودية والأسواق، ويتغذى على شبكة تحالفات محلية مرنة.

 ولم يعد نشاط الجماعة محصوراً في الهوامش، إذ كشفت الهجمات المنسقة التي نفذتها في مالي خلال أبريل/نيسان 2026، واستهدفت باماكو وكاتي وغاو وموبتي وسيفاري، عن قدرتها على نقل حرب الاستنزاف من الأرياف إلى العقد السياسية واللوجستية للدولة. كما أظهر استهداف مطار نيامي الدولي في يونيو/حزيران من العام نفسه قابليتها لنقل التهديد عبر الحدود واستهداف بنى تحتية ذات رمزية وأهمية أمنية عالية.

رويترز
دراجات نارية تصطف قرب محطة وقود مغلقة، وسط نقص متواصل في الوقود بسبب حصارٍ فرضه متمردون مرتبطون بتنظيم "القاعدة" في مطلع سبتمبر في باماكو، مالي، في 31 أكتوبر 2025

ويكتسب الاتجاه نحو دول خليج غينيا خطورة استراتيجية خاصة، كونها تنقل مسرح العمليات من فضاء الساحل المغلق إلى دول أكثر اتصالاً بالموانئ وحركة التجارة الإقليمية. فإذا تمكنت الجماعات المسلحة من تثبيت نقاط تمركز مستدامة في الشريط الشمالي والحدودي للدول الساحلية، فلن يظل التهديد محصوراً في نماذج التمرد التقليدية، بل سيمتد ليمس الممرات الاقتصادية والمجتمعات الأكثر اندماجاً في التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، تؤكد التقييمات الدولية أن التحركات في الساحل وشمال نيجيريا تتجه بوتيرة متسارعة لإيجاد موطئ قدم دائم في دول خليج غينيا الساحلية.

اليمن... الجغرافيا البحرية وأمن الخليج الاستراتيجي

تحتفظ "القاعدة" في جزيرة العرب بأهمية استراتيجية لا تنبع من حجمها العددي- الذي انحسر مقارنة بذروة نشاطها السابق- بل من تموضعها في بيئة يمنية منقسمة ومفتوحة على أزمات متداخلة.

فاليمن يمثل عقدة جيوسياسية تصل شبه الجزيرة العربية بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، مما يجعل أي تدهور أمني فيه ذا انعكاسات عابرة للحدود. ولا تزال "القاعدة" في جزيرة العرب تقيم ملاذات ونقاط حركة في مناطق نائية من أبين وشبوة ومأرب وحضرموت، مستفيدة من هشاشة السلطة وتعدد مراكز النفوذ والمصالح.

وفي هذا السياق، لا تُقاس خطورة التنظيم بقدرته الراهنة على إطلاق تهديد بحري مستقل ومنتظم، بل بمهارته في استثمار التشظي السياسي والأمني لإعادة بناء الملاذات والشبكات.

ورغم أن هجمات الحوثيين تصدرت مشهد التهديد الملاحي منذ أواخر 2023، فإن موقع اليمن الاستراتيجي يجعل أي استعادة لقدرات "القاعدة" في هذه الساحة مساساً ببيئة الأمن الإقليمي برمتها.

لا تكمن خطورة "القاعدة" في اليمن في حجمها العددي، بل في موقعها عقدة تربط شبه الجزيرة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر، ما يجعل أي استعادة لقدراتها مساسا بالأمن الإقليمي كله، عبر قنوات لوجستية تصل كوادرها بـ"حركة الشباب" الصومالية

وتزداد أهمية هذا البعد مع التقييمات الدولية التي تشير إلى وجود قنوات لوجستية وعملياتية عبر خليج عدن، تربط كوادر التنظيم في اليمن بـ"حركة الشباب" في الصومال. لذلك، لا ينبغي التعاطي مع "القاعدة" في جزيرة العرب بوصفها مأزقاً يمنياً محلياً فحسب، بل باعتبارها هيكلاً قادراً على الاستفادة من تداخل الجغرافيا البحرية، والهشاشة السياسية، وشبكات التهريب الممتدة بين الضفتين العربية والأفريقية.

سوريا... الشبكات اللامركزية في بيئة مضطربة

في الحالة السورية، لا ينبغي اختزال المشهد في الامتدادات التنظيمية القديمة لـ"القاعدة". فقد شهدت البيئة السياسية والعسكرية تحولات عميقة، وتراجعت قدرة الجماعات المرتبطة المباشرة بالتنظيم على العمل العلني مقارنة بمسارات النزاع المبكرة. غير أن استمرار الهشاشة الأمنية، ووجود كوادر ومقاتلين ذوي خبرات عابرة للحدود، وبقاء خلايا وشبكات قادرة على التخفي والتكيف، يعني أن انحسار الوجود الظاهر لا يعني بالضرورة زوال القدرة الكامنة على إعادة البناء.

وتبقى مسارات دمج المقاتلين في البنى الأمنية المتشكلة، ومدى قدرة مؤسسات السلطة الانتقالية على فرض سيطرتها، من العوامل الحاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الشبكات ستتلاشى أم ستعثر على هوامش جديدة للتحرك.

ديناميكيات البقاء... الدولة الهشة واقتصاد الحرب والبرغماتية المحلية

لا يفسر استمرار "القاعدة" عامل واحد، بل تداخل اللامركزية التنظيمية مع اقتصاد الحرب والهشاشة السياسية. فقد منحت اللامركزية الفروع قدرة عالية على المناورة والاستمرار رغم استهداف القيادة المركزية وتصفية كوادرها التاريخية.

 كما مكّنها الاعتماد المتزايد على الإتاوات، والرسوم القسرية، وخطوط التهريب، والابتزاز المالي، والسيطرة على محاور التجارة، من تقليص الاعتماد على التمويل الخارجي. ولم يعد اقتصاد الحرب أداة لتغطية النفقات التشغيلية فحسب، بل تحول في عدة سياقات إلى ركيزة لبناء النفوذ، وإخضاع المجتمعات المحلية لشبكات مصالح قسرية ومعقدة.

وفي الوقت نفسه، وفرت هشاشة الدولة الوطنية، وانتشار الفساد، وغياب منظومات العدالة، والنزاعات المتصاعدة على الأراضي والموارد، بيئات مثالية للتجنيد والتمدد الميداني. فلم تفرض الفروع نفوذها بالقوة العسكرية المجردة، بل بمهارتها في التكيف مع الاستقطابات المحلية، وبناء ترتيبات برغماتية مع المجتمعات والفاعلين المحليين، وتأجيل الصدام المباشر حين تكون كلفته السياسية والعسكرية مرتفعة.

لماذا لا يُقاس خطر "القاعدة" فقط باحتمال تكرار 11 سبتمبر؟

تبدو قدرة التنظيم الحالية على تخطيط هجوم استراتيجي ضخم عابر للقارات وتنفيذه محدودة للغاية مقارنة بالماضي، في ظل كثافة الرقابة المالية والاستخباراتية والتكنولوجية الدولية. لكن حصر تقييم التهديد في هذا السيناريو وحده يمثل قراءة قاصرة، فالخطر المتصاعد يتجسد اليوم في قدرة الفروع الإقليمية على تقويض الدول الهشة من الداخل، وفرض نفوذ مستدام على الأرياف والمحاور التجارية، وإشعال صراعات ممتدة تنتج النزوح والانهيار المؤسسي.

رويترز
جندي مالي يتمركز في موقعه حاملا سلاحه خلال هجوم على قاعدة "كاتي" العسكرية الرئيسية في مالي بضواحي العاصمة باماكو، مالي، في 25 أبريل 2026

لقد حققت الولايات المتحدة وحلفاؤها نجاحاً ملموساً في تفكيك جانب كبير من البنية القيادية التاريخية لـ"القاعدة"، وحرمانها من الملاذ الأفغاني التقليدي الذي أتاح لها هندسة ضربات كبرى في العمق الغربي. غير أن هذه النجاحات العسكرية لم تقترن بمعالجة حقيقية للبيئات السياسية والاقتصادية التي تنتج التمرد وتتيح له التجدد المستمر.

ومن هنا برزت المعضلة الأبرز لاستراتيجيات مكافحة الإرهاب، كيف يمكن الحفاظ على الضغط الاستخباراتي والعسكري، دون الانزلاق مجدداً إلى حروب برية استنزافية، ودون ترك فراغات سياسية تتحول إلى مجالات نفوذ للجماعات المسلحة؟

وتكشف هذه الحصيلة عن مفارقة جوهرية في استراتيجية السياسة الخارجية والأمنية، فقد نجحت واشنطن في شل البنية التي مكنت التنظيم من تكرار نمط هجمات 11 سبتمبر، لكنها لم تستطع تحويل تفوقها التكنولوجي والاستخباراتي إلى استقرار سياسي دائم في الساحات المضطربة.

صعَدت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" مركزَ ثقل جديدا لـ"القاعدة" في الساحل الأفريقي، ناقلةً حرب الاستنزاف من الأرياف إلى العواصم، مع خطر تصاعد تمددها نحو موانئ خليج غينيا والتجارة الدولية

فالتمدد الجهادي لا ينشأ من الفراغ الأمني فحسب، بل يتغذى بالأساس على الفراغ السياسي وتآكل شرعية الدولة وعجزها عن تقديم الحماية والخدمات. ولذا، تظل العودة إلى خيار التدخلات العسكرية الواسعة مكلفة وغير مجدية، بينما يبقى الاكتفاء بالضربات الجوية والعمليات عن بُعد غير كافٍ لمعالجة الجذور البنيوية للتجدد المحلي.

انتقال الثقل إلى القارة الأفريقية وخطر الأطراف

يبدو أن المسار الأرجح يتجه نحو استمرار هذا النمط اللامركزي وتعميقه. فستبقى القيادة المركزية لـ"القاعدة" محدودة القدرة على التوجيه المباشر، بينما يتعاظم تدريجياً الوزن النسبي للفروع الأفريقية التي تستلهم المرجعية الفكرية للتنظيم وتحافظ على صلاتها به، دون أن تتلقى أمراً عملياتياً يومياً منه. وتؤكد التقييمات الاستراتيجية أن القارة الأفريقية، ولا سيما الساحل والقرن الأفريقي، أضحت المسرح الأبرز لنشاط الشبكات المرتبطة بـ"القاعدة" و"تنظيم داعش" على حد سواء.

ولا يعني هذا التحول أن أفريقيا باتت تشكل نسخة جديدة من أفغانستان، إذ لا توفر الجغرافيا الأفريقية ملاذاً مركزياً موحداً على غرار النموذج الأفغاني ما قبل عام 2001. لكنها باتت البيئة الأكثر ملاءمة لنموذج العمل الشبكي المعاصر: فروع متجذرة في السياقات المحلية، وفضاءات حدودية هشّة، ومؤسسات دولة متآكلة، ومظالم مجتمعية وسياسية قابلة للاستثمار التراكمي.

ومن ثم، فإن تحوّل القارة الأفريقية إلى مركز ثقل للتنظيم ليس مجرد انتقال جغرافي لمراكز التهديد، بل هو إعادة تشكيل لطبيعة الخطر ذاته، من هيكل مركزي يراهن على الاستعراض العابر للحدود، إلى شبكات أفقية تبني نفوذها الهادئ في مناطق الهشاشة وعلى امتداد الأطراف والحدود.

ماذا بعد؟

بعد ربع قرن على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا تبدو "القاعدة" نسخة مصغرة من تنظيم عام 2001، ولا تنظيماً مركزياً يستعد لإنتاج صدمة استراتيجية مماثلة. فقد خسرت قيادات تاريخية، وملاذاً آمناً واسعاً، وحرية الحركة التي أتاحتها لها أفغانستان قبل الغزو الأميركي، كما تراجعت قدرتها على إدارة هجمات معقدة بعيدة المدى.

رويترز
علمٌ صغير مغروس بين الأسماء المنقوشة عند البركة الجنوبية في نصب ومتحف 11 سبتمبر التذكاري، قبيل الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على مركز التجارة العالمي في نيويورك، في 31 أغسطس 2026

لكن التنظيم لم يختفِ، بل غيّر منطق بقائه، فبدلا من مركز عالمي موحد، بات يعتمد على فروع أكثر استقلالا، وبدلا من المعسكرات العابرة للحدود، يستثمر في الفراغات المحلية، وبدلا من الرهان الحصري على الضربة الرمزية الكبرى، يراكم نفوذه في الأرياف والمحاور التجارية والمناطق الحدودية الهشّة.

لذلك، لا ينبغي قياس خطر "القاعدة" اليوم بسؤال ضيق: هل تستطيع تكرار هجمات سبتمبر؟ بل يتصل السؤال الأهم بقدرة فروعها وشركائها على تقويض الدول الهشة، وبناء اقتصادات حرب، وتوسيع دوائر عدم الاستقرار في الساحل والقرن الأفريقي واليمن. وما زالت الفروع الإقليمية تمنح الشبكة مجالا للاستمرار والتكيف، رغم ضعف القيادة المركزية وانحسار قدرتها على التوجيه المباشر.

وتلك هي مفارقة ربع قرن من استراتيجيات مكافحة الإرهاب: أُضعفت قدرة "القاعدة" على ضرب المركز العالمي، لكن الشروط السياسية والاقتصادية والأمنية التي تتغذى عليها لم تُعالج بالقدر الكافي. ولهذا لم تعد القاعدة تقف عند بوابة المتروبول الغربي، بل تتموضع في هوامش دول متآكلة، حيث يتحول غياب الدولة وضعف العدالة إلى موارد مستدامة للنفوذ المسلح.

font change

مقالات ذات صلة