خلال الأسابيع القليلة الماضية أو الأيام الصعبة الأخيرة التي تلتها، كانت محافظة تعز الاستراتيجية، وسط اليمن، محط أنظار كثيرين في المنطقة وحول العالم، بعد أن شهدت أخطر وأغرب منعطفات الصراع الدائر في جنوب البحر الأحمر بوصول الحوثيين الموالين لإيران إلى مضيق باب المندب في الجنوب الغربي للمحافظة.
كان الهجوم الحوثي على مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز على الساحل الغربي لليمن قد انطلق بعد معارك طاحنة دارت في عدد من قرى ومرتفعات مديرية مقبنة القريبة، مُنيت الميليشيات الحوثية خلاله بخسائر بشريةٍ كبيرة. غير أنها تمكنت في النهاية من الوصول إلى معسكر خالد بن الوليد، وهو أكبر قاعدة عسكرية في البلاد ومنه إلى جبل النار مقر قيادة المعسكر، وذلك بعد الدفع بموجات بشرية متلاحقة والقتال بأنساقٍ متوالية وغطاءٍ ناري شديد الكثافة أطلقت الميليشيات خلاله ما يزيد على مئة صاروخ باليستي وما يقارب أو يزيد على ذلك من الطائرات المسيرة وقذائف المدفعية وأسلحة متنوعة أخرى.
وقد ساعد على انتقال الميليشيات الحوثية إلى مدينة المخا انسحابُ نحو ثمانية ألويةٍ تابعة لـ"قوات العمالقة" و"المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة اليمنية، وذلك من بلدة حيس جنوب الحديدة إلى جنوب المخا، ثم إلى بلدة ذوباب على الساحل نفسه، لتتوالى انسحابات إلى مواقع أخرى جنوب غرب اليمن ما أفسح المجال أمام آلاف من عناصر الميليشيات للاندفاع من جنوب الحديدة نحو المخا والالتحام بعناصرها القادمة من تعز، وبالتالي اجتياح المخا دون مواجهةٍ تذكر، والانتقال منها إلى ذوباب ثم الوصول إلى جزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب.
كما ذهبت الميليشيات بحراً نحو جزر أرخبيل حنيش التابعة لمحافظة الحديدة وهي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى وزُقَر، حيث لم يكن يقوم على حمايتها سوى نحو 250 جندياً. وهي الجزر التي كانت الجارة إريتريا قد احتلتها في 5 ديسمبر/كانون الأول 1995 ثم استعادها اليمن بمقتضى تحكيم دولي في نوفمبر/تشرين الثاني 1998 تمكن اليمن فيه من تقديم البراهين والوثائق الدالة على أحقيته بجزر الأرخبيل.

لا يزال الغموض يحيط بملابسات وأسباب الانسحابات. لكن قوات المقاومة الوطنية نشرت تسجيلاً مزوراً بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما قالت، لقائدها الفريق طارق محمد عبدالله صالح وهو يعطي توجيهات لألويتها بالانسحاب من جنوب الحديدة نحو المخا جنوباً. لكن من المؤكد أن طرفاً ثالثاً هو من قام بـ"فبركة" ذلك الاتصال يُرجح بقوة أن يكون "الحرس الثوري" الإيراني الذي تتهمه الحكومة اليمنية بالوقوف وراء التصعيد الذي قام به الحوثيون باستخدام تقنيات عالية اخترقت أجهزة الاتصالات بما حال دون اتصال تلك القوات بقائدها للتأكد من جدية وصحة تلك التوجيهات.



