مدينة تعز... ما أهميتها بعد تهديد الحوثيين باب المندب؟

يعتبر "الحرس الثوري" معركة الساحل الغربي "معركة وجودية" تم التخطيط لها منذ عدة سنوات

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
لقطة من مقطع مصور نشرته قوات "المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة اليمنية تُظهر إطلاق صاروخ من منصة محمولة على مركبة باتجاه مقاتلي الحوثيين على جبهة الكدحة غرب تعز، اليمن ، في 8 سبتمبر 2026

مدينة تعز... ما أهميتها بعد تهديد الحوثيين باب المندب؟

خلال الأسابيع القليلة الماضية أو الأيام الصعبة الأخيرة التي تلتها، كانت محافظة تعز الاستراتيجية، وسط اليمن، محط أنظار كثيرين في المنطقة وحول العالم، بعد أن شهدت أخطر وأغرب منعطفات الصراع الدائر في جنوب البحر الأحمر بوصول الحوثيين الموالين لإيران إلى مضيق باب المندب في الجنوب الغربي للمحافظة.

كان الهجوم الحوثي على مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز على الساحل الغربي لليمن قد انطلق بعد معارك طاحنة دارت في عدد من قرى ومرتفعات مديرية مقبنة القريبة، مُنيت الميليشيات الحوثية خلاله بخسائر بشريةٍ كبيرة. غير أنها تمكنت في النهاية من الوصول إلى معسكر خالد بن الوليد، وهو أكبر قاعدة عسكرية في البلاد ومنه إلى جبل النار مقر قيادة المعسكر، وذلك بعد الدفع بموجات بشرية متلاحقة والقتال بأنساقٍ متوالية وغطاءٍ ناري شديد الكثافة أطلقت الميليشيات خلاله ما يزيد على مئة صاروخ باليستي وما يقارب أو يزيد على ذلك من الطائرات المسيرة وقذائف المدفعية وأسلحة متنوعة أخرى.

وقد ساعد على انتقال الميليشيات الحوثية إلى مدينة المخا انسحابُ نحو ثمانية ألويةٍ تابعة لـ"قوات العمالقة" و"المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة اليمنية، وذلك من بلدة حيس جنوب الحديدة إلى جنوب المخا، ثم إلى بلدة ذوباب على الساحل نفسه، لتتوالى انسحابات إلى مواقع أخرى جنوب غرب اليمن ما أفسح المجال أمام آلاف من عناصر الميليشيات للاندفاع من جنوب الحديدة نحو المخا والالتحام بعناصرها القادمة من تعز، وبالتالي اجتياح المخا دون مواجهةٍ تذكر، والانتقال منها إلى ذوباب ثم الوصول إلى جزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب.

كما ذهبت الميليشيات بحراً نحو جزر أرخبيل حنيش التابعة لمحافظة الحديدة وهي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى وزُقَر، حيث لم يكن يقوم على حمايتها سوى نحو 250 جندياً. وهي الجزر التي كانت الجارة إريتريا قد احتلتها في 5 ديسمبر/كانون الأول 1995 ثم استعادها اليمن بمقتضى تحكيم دولي في نوفمبر/تشرين الثاني 1998 تمكن اليمن فيه من تقديم البراهين والوثائق الدالة على أحقيته بجزر الأرخبيل.

رويترز
أفراد من قوات الحكومة اليمنية يطلقون قذائف دبابة خلال اشتباكات مع الحوثيين في موقع ذُكر أنه قرب مدينة الحزم، اليمن، في 9 سبتمبر 2026

لا يزال الغموض يحيط بملابسات وأسباب الانسحابات. لكن قوات المقاومة الوطنية نشرت تسجيلاً مزوراً بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما قالت، لقائدها الفريق طارق محمد عبدالله صالح وهو يعطي توجيهات لألويتها بالانسحاب من جنوب الحديدة نحو المخا جنوباً. لكن من المؤكد أن طرفاً ثالثاً هو من قام بـ"فبركة" ذلك الاتصال يُرجح بقوة أن يكون "الحرس الثوري" الإيراني الذي تتهمه الحكومة اليمنية بالوقوف وراء التصعيد الذي قام به الحوثيون باستخدام تقنيات عالية اخترقت أجهزة الاتصالات بما حال دون اتصال تلك القوات بقائدها للتأكد من جدية وصحة تلك التوجيهات.

يعتبر "الحرس الثوري" معركة الساحل الغربي "معركة وجودية" تم التخطيط لها منذ عدة سنوات لاستخدام مضيق باب المندب "ورقة" في الصراع مع الولايات المتحدة

غير أن الفريق طارق صالح برر تلك الانسحابات، بأنه هو من أعطى التوجيهات لقواته بالانسحاب إلى مكان أكثر أمناً جنوب المخا "حفاظاً على أرواح الضباط والجنود" ولتموضع قواته في مركز قيادة أفضل، حيث يُعتقد أنه كان في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج جنوب محافظة تعز، مشيراً إلى أن ذلك تم بالتشاور و"التنسيق مع مجلسي القيادة الرئاسي والدفاع الوطني" اللذين أقر أحد قادتهما بخسارة المخا متعهداً باستعادتها ودحر الميليشيات منها، ومؤكداً على أن "المعركة لا تزال في بدايتها، وأن الهدف النهائي لقواته هو صنعاء واستعادة الدولة اليمنية".

وكان إعلام قوات المقاومة الوطنية، التي تتخذ من المخا معقلاً لها في الساحل الغربي قد عرض، الأربعاء الماضي، معلومات قال إنه عُثر عليها في جهاز حاسوب كان بحوزة مسؤول عملياتٍ حوثي وقع في الأسر، تكشف عن خطة "الحرس الثوري" الإيراني للسيطرة على باب المندب.

المعلومات التي جرى العثور عليها، تضمنت خرائط عسكرية تتحدث عن أربع مراحل للتقدم نحو باب المندب والحديدة، وتوضح جانبًا من الخطط والتحركات العسكرية التي كانت الجماعة تعدّ لها، حيث يعتبر "الحرس الثوري" معركة الساحل الغربي "معركة وجودية" بالنسبة له تم التخطيط لها على ما يبدو منذ عدة سنوات استعداداً لمثل هذا اليوم لاستخدام مضيق باب المندب "ورقة" في الصراع مع الولايات المتحدة.

(أ.ب)
عناصر من الحوثيين يسيرون خلال حملة تعبئة في صنعاء، اليمن، في 10 سبتمبر 2026

ولطالما كان مسؤولون إيرانيون كبار قد قالوا غير مرة إنه "إذا تم إغلاق مضيق هرمز فهناك مضيق آخر سوف يغلق"، وذلك في إشارة واضحة إلى مضيق باب المندب.

ما تفسير ذلك؟

أمران اثنان قد يفسّران ما جرى، أولهما أنه أمام الضغط الهائل والحشد الكبير لميليشيات الحوثي في جبهات الساحل فإنه من الأسلم للقوات الحكومية الانسحاب إلى مكان أكثر أمناً حفاظاً على القيادات والضباط والجنود وادخارهم لمعركة قادمة.

الثاني أن كلفة المواجهة الصفرية المباشرة مع عشرات الآلاف من عناصر الميليشيا تعني مجازر مروعة وضحايا من الجانبين، فكلاهما في النهاية يمنيون وأهون من ذلك أن تلجأ قيادة تلك القوات إلى تكتيك يجنبها كل ذلك.

منذ أول يومٍ على انقلاب الميليشيات الحوثية وسيطرتها على السلطة في العاصمة صنعاء وضعت جماعة الحوثيين السيطرة على تعز، المدينة والمحافظة، نصب عينيها

من الطبيعي أن نشاهد اليوم انقساماً وتبادلاً للاتهامات داخل المعسكر الموالي للحكومة بالخيانة أو التواطؤ والتقصير. لكن الأمر يحتاج إلى أكثر من تحقيق مستقل وشفاف لا أظن أن هذا وقته وأوانه، فالمهم اليوم هو تلافي ما يمكن تلافيه من الخسائر، فما لا يدرك كله لا يجب أن يترك كله.

جزيرة ميون... وسيناريو ما بعد المضيق

جزيرة ميون التي تسمى أيضاً بريم، تتبع مديرية باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهي الأكبر مساحة في محافظة تعز، حيث يبلغ عدد سكان المديرية 18115 نسمة وفق تعداد عام 2004. أما الجزيرة فيبلغ عدد سكانها 221 نسمة فقط بحسب تعداد العام نفسه.

وتبلغ مساحة بريم 13 كيلومترا مربعا، وقد تم إنشاء مدرج مطار فيها يستخدم لأغراض عسكرية بطول 1.8 كم. وتعد الجزيرة أقرب إلى اليابسة اليمنية بنحو 25 كيلومتراً منها إلى الضفة الأخرى للمضيق الأوسع والأكثر عمقاً وملاءمة لمرور السفن وناقلات النفط العملاقة، بخلاف الممر الواقع شرقي الجزيرة الذي يكاد لا يفي سوى بمرور بعض السفن والمراكب البحرية الصغيرة. غير أن موقع الجزيرة يسمح لها بالإطلالة على حركة الملاحة التجارية وحتى العسكرية بين البحر الأحمر وخليج عدن.

ويرى خبراء عسكريون أن الجانب اليمني من منطقة جنوب البحر الأحمر لن يعرف الاستقرار، ولن تتمكن الميليشيات الحوثية من تأمين وتثبيت وجودها ومواقعها فيه، إذ سارع الجيش اليمني إلى شن هجمات جوية على تلك المواقع إلى جانب استمرار المواجهات العنيفة مع الميليشيات في مختلف جبهات القتال التي تقدر بأكثر من خمسٍ وثلاثين جبهة على مختلف خطوط التماس بين المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية والمناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين.

(أ.ب)
صورة التقطتها الأقمار الصناعية تُظهر جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم بريم، بعد يوم من سيطرة الحوثيين عليها في اليمن، في 11 سبتمبر 2026

ويوافق محللون عسكريون على أن الميليشيات قد "تحتاج إلى ما يسند ظهرها في باب المندب" من خلال السيطرة على بعض المرتفعات القريبة في محافظة تعز. ولا يستبعد آخرون أن تلجأ الميليشيات إلى التوجه نحو مدينة عدن لإلهاء قوات الحكومة وإرباك خططها لاستعادة السيطرة على مضيق باب المندب وبقية الجزر والبلدات الساحلية غرب البلاد.

لماذا تعز؟

منذ أول يومٍ على انقلاب الميليشيات الحوثية وسيطرتها على السلطة في العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014 وضعت جماعة الحوثيين السيطرة على تعز، المدينة والمحافظة، نصب عينيها فبعد دحرها من عدن في 22 يوليو/تموز 2015 قررت الجماعة إحكام السيطرة على مدينة تعز عاصمة المحافظة، حيث فرضت حصاراً مشدداً على جانبٍ منها لا يزال مستمراً حتى اليوم ليس فقط بسبب الأهمية الاستراتيجية لمدينة تعز من الناحية الجغرافية ولكن بسبب الجغرافيا السياسية والاجتماعية التي تمثلها المدينة مع بقية مديرياتها الثلاث والعشرين.

فقد أطلقت تعز منذ منتصف القرن العشرين الماضي وحتى يومنا هذا، الشرارات الأولى لمعظم الثورات والانتفاضات والاحتجاجات التي عرفها اليمن، كان آخرها تلك المظاهرات التي انطلقت منها في بداية الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد للمطالبة بتنحي الرئيس الراحل علي عبدالله صالح خلال ما عرف بثورات الربيع العربي.

الكثير من أبناء تعز في طليعة المثقفين والقادة القوميين واليساريين، بمعنى لا تدرك معه جماعة الحوثيين أن تعز لا يمكنها بأي حال أن تكون حاضنة لهم، لا بالحرب ولا بالسلم

وقد خاض سكان تعز، ولا يزالون، أعنف المواجهات المسلحة مع ميليشيات الحوثي باستخدام أسلحتهم الشخصية الخفيفة في بداية الأمر قبل أن يتمكنوا اليوم من تنظيم أنفسهم ويفيدون من وجود قوات الجيش إلى جانبهم، في الحفاظ على أغلب مديريات محافظتهم، كما استطاعوا أثناء التصعيد الأخير من قبل الحوثيين إلحاق أفدح الخسائر البشرية في صفوف الميليشيات وأسر العشرات من عناصرها.

تعز... المكان والمكانة

جعل منها موقعها الجغرافي وسط اليمن بمثابة قلب البلاد وشوكة الميزان في كل تحولاتها وصراعاتها، حيث كانت مقراً لإقامة إمام اليمن الراحل أحمد يحيى حميد الدين الذي اتخذ منها عاصمة لحكمه في شمال البلاد بعد مقتل والده، كما سمح لها قربها من مدينة عدن بالإفادة من الازدهار النسبي الذي عاشته هذه المستعمرة البريطانية في مجالاتٍ شتى، اقتصادية وسياسية وثقافية، وقد خرج من عدن تعزيون كبار، رجال مالٍ وأعمال وساسة وأدباء وفنانون كان لهم بفعل ذلك تأثير كبير في حياة اليمن واليمنيين لعقودٍ عدة.

سكانياً، تعد تعز واحدةً من أكثر المحافظات اليمنية من حيث الكثافة السكانية حيث يُقدر عدد سكانها بنحو 3.3 مليون نسمة، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد سكان البلاد البالغ عددهم عام 2025 نحو 41.8 إلى 42 مليون نسمة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة ومؤشرات اقتصادية عدة.

(أ.ب)
شبان يلعبون قرب قارب صيد جانح في منطقة الغيضة بمدينة المكلا، اليمن، في 6 سبتمبر 2026

وتمثل فئة الشباب نسبة عالية من مجموع سكان المحافظة، حيث ينتشرون في معظم محافظات اليمن، بما فيها العاصمة صنعاء، ككوادر مؤهلة وعمالة بشرية ماهرة.

منذ بداية الصراع الذي أشعله الحوثيون حاول هؤلاء استمالة بعض أبناء تعز إلى جانبهم بالترغيب أو الترهيب بدوافع ودواع مختلفة، من بينها ما هو مناطقي أو طائفي. ومن المثير للسخرية أن الحوثيين سعوا إلى العثور على بعض الأشخاص أو العائلات لإذكاء نزعة التعصب عندها بعد أن تجاوزتها بعصور.

وأصبح الكثير من أبناء هذه العائلات من أبناء تعز في طليعة المثقفين والقادة القوميين واليساريين بمعنى لا تدرك معه جماعة الحوثيين أن تعز لا يمكنها بأي حال أن تكون حاضنة لهم، لا بالحرب ولا بالسلم.

font change