مصر تريد مضاعفة صادراتها… فهل تستطيع فكّ عقدة الواردات؟

استراتيجيا لرفع الصادرات إلى 100 مليار دولار في 2030 تواجه تحديات ضعف المكوّن المحلي وفجوات المهارات والصناعات المغذية

رويترز
رويترز
عامل مصري يعمل في مصنع بمدينة العاشر من رمضان، مصر، 3 مارس/آذار 2026

مصر تريد مضاعفة صادراتها… فهل تستطيع فكّ عقدة الواردات؟

تواجه مصر معضلة تصديرية حادة. فقد وضعت لنفسها هدفا طموحا يتمثل في رفع صادراتها غير النفطية إلى نحو 100 مليار دولار في عام 2030، مقارنة بنحو 48 مليار دولار حاليا، وفق تصريحات وزير الصناعة خالد هاشم.

ولم يتبق سوى بضع سنوات، فيما يواصل الوقت مروره سريعا. غير أن بلوغ هذا الهدف سيتطلب استيراد مدخلات إنتاج بقيمة تقارب 130 مليار دولار، بما يزيد اتساع العجز التجاري للبلاد، بحسب وزير الصناعة خالد هاشم.

وقال الوزير في منتصف يونيو/حزيران: "نحن في حاجة ماسة إلى استراتيجيا واضحة لزيادة الصادرات من دون أن نكتفي بتضخيم فاتورة الواردات".

وأشار أيضا إلى أن 12 من أصل 13 مجلسا تصديريا محليا تسجل بالفعل عجزا في موازينها التجارية، في ظل اعتماد كبير على المدخلات الوسيطة المستوردة.

عملت وزارة الصناعة بجد على تيسير تخصيص الأراضي للمستثمرين الصناعيين، وبذلت جهودا لمعالجة مشكلات إمدادات الطاقة للمنشآت الصناعية، وأنشأت نافذة موحدة لإصدار تراخيص المصانع

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن في يوليو/تموز 2020، خلال افتتاح المنطقة الصناعية في الروبيكي، تطلعه إلى رفع صادرات مصر إلى 100 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين، أدرج الهدف ضمن خطط مصر الأوسع للتنمية الصناعية وزيادة الإنتاج.

كما اكتسب هذا الهدف الطموح زخما من سلسلة تعديلات تشريعية استهدفت جذب مزيد من الاستثمارات الصناعية وفتح الباب أمام ثورة صناعية في بلد ظل ينظر إلى نفسه طويلا بوصفه مركزا للإنتاج الزراعي.

وعملت وزارة الصناعة بجد على تيسير تخصيص الأراضي للمستثمرين الصناعيين، وبذلت جهودا لمعالجة مشكلات إمدادات الطاقة للمنشآت الصناعية، وأنشأت نافذة موحدة لإصدار تراخيص المصانع.

قضية وجودية

لكن مصر أدركت فجأة أن زيادة صادراتها إلى الأسواق الخارجية تتطلب أكثر من هذه الإجراءات كلها. عندما حدد الرئيس عبد الفتاح السيسي هدف الـ100 مليار دولار ، كان يدرك أن زيادة الصادرات ضرورية لبقاء اقتصاد بلاده.

أ.ف.ب
مركز الأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، شرق العاصمة القاهرة، 1 أغسطس/آب 2023

وفي الوقت نفسه، يصف اقتصاديون زيادة الصادرات بأنها أولوية مصيرية لمصر، وقضية لا يمكن أن تنتظر أو تؤجل. وقال الخبير الاقتصادي المستقل وليد جاب الله في حديثه إلى "المجلة" إن الصادرات لا تنفصل عن الاستقرار الاقتصادي في مصر، وإنها تؤثر مباشرة في قدرة البلاد على المضي نحو التنمية المستدامة. وأضاف جاب الله: "ليس من المبالغة وصف الصادرات بأنها قضية تتعلق بالبقاء الاقتصادي".

وقال إن زيادة الصادرات سترفع تدفقات النقد الأجنبي، وتحد من الاعتماد على القروض الخارجية، وتؤثر بالتالي في مخصصات الموازنة العامة، بما ينعكس في نهاية المطاف مباشرة على الظروف المعيشية للمصريين العاديين.

الصادرات لا تنفصل عن الاستقرار الاقتصادي في مصر، وتؤثر مباشرة في قدرة البلاد على المضي نحو التنمية المستدامة

وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي

وتستند هذه الرؤية إلى حقيقة اقتصادية مهمة، مفادها أن رفاه الناس في شوارع هذا البلد المكتظ بالسكان يتوقف على المساحة التي تحتلها المنتجات المصرية على رفوف ومنصات العرض في الأسواق الأجنبية.

ويرى اقتصاديون أن زيادة تدفقات النقد الأجنبي شرط أساس لاستقرار سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار الأميركي، وهو العملة الرئيسة في معاملات الاستيراد والتصدير في البلاد.

وترتبط قوة العملة الوطنية أيضا ارتباطا وثيقا بأسعار السلع في السوق المحلية، وهو ما ينعكس بدوره على القدرة الشرائية للمصريين العاديين.

رويترز
متجر صرافة لبيع العملات، القاهرة، 9 مارس/آذار 2026

وقد هبطت القدرة الشرائية للمصريين إلى أدنى مستوياتها بسبب الخفوضات المتكررة لقيمة الجنيه المصري خلال السنوات القليلة الماضية. وتكتسب الصادرات أهمية أيضا في خلق فرص العمل وزيادة التوظيف في البلاد.

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل البطالة في مصر 6 في المئة من إجمالي قوة العمل البالغة 35.4 مليون شخص خلال الربع الأول من عام 2026، بانخفاض من 6.2 في المئة في الربع السابق.

ويقول البنك الدولي إن نحو 1.3 مليون مصري يدخلون سوق العمل كل عام، في حين لا يستحدث سوى نصف مليون وظيفة.

ضرورة زيادة المحتوى المحلي

واجهت مصر الآن حقيقة قاسية: عليها أن تغير هيكل منتجاتها بصورة جذرية إذا أرادت زيادة صادراتها من دون استيراد المزيد. وتخرج نسبة كبيرة من السلع المصنعة محليا حاليا في صورة أجزاء مجمعة، تشكل المكونات الأجنبية معظم المنتج فيها. وقال متخصصون في الصناعة إن تغيير هذا الوضع يتطلب توسيع التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على المكونات الواردة من الخارج.

رفع نسبة المكونات المحلية في المنتجات النهائية سيخفض تلقائيا الاعتماد على الواردات

مصطفى البهي، عضو لجنة الصناعة في البرلمان المصري

وقال مصطفى البهي، عضو لجنة الصناعة في البرلمان المصري، لـ"المجلة": "إن رفع نسبة المكونات المحلية في المنتجات النهائية سيخفض تلقائيا الاعتماد على الواردات". لكنه حذر في الوقت نفسه من الحملة الوطنية لتقليل الواردات من دون توفير بدائل مصنعة محليا.

وأضاف: "سيؤدي ذلك إلى توقف الإنتاج وارتفاع أسعار السلع في السوق المحلية". وفي عام 2025، بلغت واردات مصر الإجمالية نحو 115 مليار دولار، وفق بيانات التجارة الدولية.

ويمثل قطاع صناعة السيارات في مصر مثلا واضحا على ذلك. فالحكومة المصرية تستهدف توسيع الإنتاج المحلي لتلبية احتياجات السوق، والاستفادة من موقع البلاد لتحويلها إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والإقليمية. وتستهدف استراتيجيا صناعة السيارات إنتاج أكثر من 100 ألف سيارة سنويا في عام 2030، ورفع المكوّن الصناعي المحلي المستهدف إلى أكثر من 35 في المئة، والقيمة المضافة المحلية إلى 60 في المئة.

رويترز
هيكل حديد لحافلة في خط إنتاج، في مدينة العاشر من رمضان، مصر 3 مارس/آذار 2026

ومع ذلك، لا يزال القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على المكونات المستوردة. ووفق رابطة مصنعي السيارات، بلغت نسبة المكوّن المحلي نحو 45 في المئة في سيارات الركوب في يناير/كانون الثاني 2026، مقابل 60 في المئة في سيارات النقل والسيارات التجارية، مما يعني أن المكوّن غير المحلي يمثل نحو 55 في المئة و40 في المئة على التوالي.

وتحاول الأجهزة الصناعية في البلاد تطبيق النهج نفسه على منتجات أخرى. وقد بدأت وزارة الصناعة بالفعل تنفيذ استراتيجيا جديدة لزيادة نسبة المكونات المحلية في السلع المصنعة محليا.

وقال الوزير هاشم إن الاستراتيجيا ستدعم الصناعات التكميلية والمغذية بهدف زيادة المكوّن المحلي وربط الموردين المحليين بالشركات الكبرى، بما يساعد في بناء سلاسل إمداد أكثر تكاملا وتقليل الاعتماد على الواردات.

يتطلب الانتقال من التجميع إلى التوطين الصناعي الحقيقي جذب الموردين القادرين على الوفاء بمعايير الجودة وحجم الإنتاج ومواعيد التسليم، ودمجهم في سلاسل الإنتاج، بحسب متخصصين في الصناعة

وأضاف أن الاستراتيجيا حددت 7 صناعات ذات أولوية، تشمل الملابس الجاهزة والمنسوجات والصناعات الغذائية والدوائية وصناعة السيارات والمعدات الكهربائية والهندسية والإلكترونيات، إلى جانب صناعات تمكينية مثل معدات الطاقة الشمسية والمتجددة، والماكينات والتصنيع المعدني، والروبوتات الصناعية.

عوائق هيكلية... ما هي؟

قال متخصصون إن خطة وزير الصناعة لزيادة الصادرات المستدامة من خلال خفض واردات مدخلات الإنتاج تواجه سلسلة من العقبات، من بينها، اعتماد مصر الكبير على الواردات وعدم اكتمال سلاسل القيمة، ولا سيما أن معظم القطاعات الموجهة للتصدير لا تزال تستورد الجزء الأكبر من المواد الخام والمدخلات الوسيطة والمكونات.

وفي الوقت نفسه، يتطلب الانتقال من التجميع إلى التوطين الصناعي الحقيقي جذب الموردين القادرين على الوفاء بمعايير الجودة وحجم الإنتاج ومواعيد التسليم، ودمجهم في سلاسل الإنتاج، بحسب متخصصين في الصناعة.

رويترز
عامل يحصي الجنيهات في متجر مجوهرات، القاهرة، 5 فبراير/شباط 2026

وقال الخبير الصناعي المستقل خالد القط إن وجود هؤلاء الموردين لا غنى عنه لزيادة المكونات المحلية في العمليات الصناعية في وجه عام.

وأضاف القط لـ"المجلة": "يمكن أن يؤدي غياب هؤلاء الموردين إلى إفشال خطة زيادة الصادرات بأكملها".

ويشكل نقص العمالة الماهرة والفنيين، ولا سيما في القطاعات المتقدمة مثل السيارات والإلكترونيات، تحديا آخر.

سيتوقف تحول هدف الـ100 مليار دولار إلى مصدر حقيقي للنقد الأجنبي والقدرة على الصمود الاقتصادي على مدى سرعة نجاح مصر في تعميق قاعدتها الصناعية خلال السنوات القليلة المقبلة

وقد أشار الوزير هاشم إلى الحاجة المتزايدة إلى العمالة الفنية المدربة والمؤهلة في القطاع الصناعي، واضعا تنمية العنصر البشري ورفع كفاءته ضمن أولويات وزارة الصناعة، في ظل سعيها لتلبية احتياجات المصانع من الكوادر الفنية.

وتشمل التحديات الأخرى فجوات مستمرة بين مخرجات التعليم والتدريب المهني واحتياجات الصناعة، مما يحدّ من قدرة الشركات على الحصول على المهارات اللازمة للتكيف مع التغير التكنولوجي وتبنّي عمليات إنتاج جديدة وتحسين الإنتاجية والجودة، وفق دراسات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية.

وتشمل التحديات الأخرى استمرار الحاجة إلى استكمال ترفيق وتجهيز عدد من المناطق الصناعية، ولا سيما شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق الداخلية. وقد دفعت هذه التحديات الحكومة إلى توجيه الجهات المعنية بتسريع أعمال الترفيق والتزام جداول زمنية لاستكمال البنية الأساس اللازمة لاستقبال الاستثمارات الصناعية.

Shutterstock
عمال يؤدون أعمالهم داخل مصنع العرب لتجميع اللوحات الكهربائية، في الإسكندرية، مصر، 18 فبراير/شباط 2025

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت هيئة التنمية الصناعية طرح 1,272 قطعة أرض صناعية كاملة المرافق بمساحة إجمالية 9.78 مليون متر مربع في 35 منطقة صناعية و23 محافظة، وهو ما يعكس استمرار الدولة في توفير أراضٍ مرفقة لتلبية الطلب الصناعي. وفي يونيو/حزيران 2026، طرحت الهيئة 400 قطعة أرض صناعية مرفقة بمساحة نحو 900 ألف متر مربع في 24 منطقة صناعية و15 محافظة، مع طرح بعض الأراضي لأول مرة بمنتجات محددة لتوطين الصناعات المغذية وسد فجوات الاستيراد.

وسيتوقف تحول هدف الـ100 مليار دولار إلى مصدر حقيقي للنقد الأجنبي والقدرة على الصمود الاقتصادي على مدى سرعة نجاح مصر في تعميق قاعدتها الصناعية خلال السنوات القليلة المقبلة. ويرى المتخصصون أن نجاح هذه الجهود من شأنه أن يدفع مصر إلى بدء التحول من اقتصاد يجمع المنتجات ويعيد تصديرها إلى اقتصاد يصنع بقيمة محلية حقيقية، بما يضيق تدريجيا الفجوة بين نمو الصادرات والاعتماد على الواردات.

font change

مقالات ذات صلة