لبنان... القوة البديلة لـ"اليونيفيل" من حفظ السلام إلى فرضه؟

خلاف أميركي-فرنسي حول المرجعية

رويترز
رويترز
عناصر من قوات "اليونيفيل" يراقبون الأجواء بحثا عن طائرات مسيّرة على طول الطريق الساحلي المؤدي إلى الناقورة بجنوب لبنان، 11 سبتمبر 2026

لبنان... القوة البديلة لـ"اليونيفيل" من حفظ السلام إلى فرضه؟

في انتظار انعقاد الجولة الثامنة للتفاوض اللبناني- الإسرائيلي في روما خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يجري العمل دوليا على مرحلة ما بعد "اليونيفيل" في جنوب لبنان، والقوة البديلة التي ستتحقق من نزع سلاح "حزب الله" في إطار المناطق التجريبية التي نص عليها "الاتفاق الإطاري"، الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.

خارطة الدول المهتمة

يريد لبنان التمديد لـ"اليونيفيل"، أقلّه حتى آخر سنة 2029. وسعى لبنان لتحقيق ذلك، لكنه لم ينجح، فقد طلبت فرنسا عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، وقدّمت طلباً لتمديد ولاية القوة، وفق مهمتها الحالية. إلا أن واشنطن لم توافق على التمديد. ويبقى إرسال قوة متعددة الجنسيات مطروحا، كما حصل في غزة.

وهناك رحب مجلس الأمن بإنشاء مجلس السلام من الولايات المتحدة وبإرسال قوة من هذا النوع. والبحث حالياً، وبالتزامن مع التحرك في مجلس الأمن، يتركّز على تشكيل هذه القوة للبنان: من أي دول ستتألف، وما صلاحياتها ومهامها بالتحديد، وكيف سيتم تمويلها، وكيف ستتعاون مع الجيش اللبناني، وما آليات هذا التعاون.

لبنان يسعى جاهدا لتلافي الفراغ الأمني في الجنوب. وقال رئيس الجمهورية جوزف عون لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" الأربعاء، إنّ لبنان يريد إيجاد قوة بديلة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونفيل"، تجنباً لأي فراغ بعد انتهاء ولايتها. وشدد على أن "الأهم ألا يحصل فراغ، وأي قوة تأتي تحت أي مسمى ينبغي أن يوضع لها إطار قانوني. والمبدأ الأساسي في الإطار القانوني، هو سيادة الدولة". كما أكد أن الهدف من وجود قوة في جنوب لبنان "هو أن تساعد الجيش وتقوي الدولة، لا أن تحل محل الدولة". وطالب بدعم أميركي وأوروبي وعربي للجيش، "لتحمل المسؤولية معنا لدعم الجيش وتقوية الدولة اللبنانية".

في سياق متصل فإن "حزب الله" لا يريد حتى الآن أية قوة بريطانية وأذربيجانية، وفي المقابل وضعت إسرائيل فيتو على مشاركة فرنسا وإسبانيا. وهي لا تبدو أيضا راغبة في المشاركة الإيطالية، أو في مشاركة أية قوة ستأتي بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل". ما تريده إسرائيل فقط هو التنسيق بين جيشها والجيش اللبناني حول آليات العمل جنوباً لنزع السلاح والتأكد من تحقيقه.

ومع ذلك يبدو حتى الآن أن الأوفر حظاً في قيادة هذه القوة هي إيطاليا. ووفقا لما قاله الاتحاد الأوروبي، هناك عشر دول أوروبية مهتمة للمشاركة في قوة ما بعد "اليونيفيل". كما تريد تركيا المشاركة في أية قوة متعددة لدعم الجيش اللبناني في الجنوب، لكن إسرائيل أبلغت أكثر من طرف دولي أنها لا تريد وجوداً تركياً في الجنوب. والموقف التركي يأتي في سياق دعم تركيا لاستقرار لبنان ولأمنه، ولفكرة الترابط الأمني بين أنقرة وبيروت ودمشق، كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تتعقد التحضيرات للمرحلة المقبلة في ضوء موقفي "حزب الله" وإسرائيل. كما يزيد التباعد بين الولايات المتحدة وفرنسا من تعقيد المشهد، خصوصاً حول المرجعية التي يفترض اعتمادها في الجنوب.

وتفيد معطيات خاصة بـ"المجلة" بأن فرنسا، ومعها المملكة العربية السعودية، تؤيدان أن يكون القرار 1701 هو المرجعية. وهذا هو أيضاً ما يريده لبنان. في المقابل، تريد الولايات المتحدة اعتماد "الاتفاق الإطاري" مرجعية للمرحلة المقبلة. وهذا التباين يجعل التفاوض حول مرحلة ما بعد "اليونيفيل" بالغ الصعوبة.

دور لبنان أساسي

تكشف المعطيات، أن دور لبنان أساسي في تحديد مهمة أية قوة ستأتي لتحل محل "اليونيفيل". فلا دولة ستقبل أن تعرّض جنودها للخطر، من دون مهمات واضحة، وأهداف واضحة، وآلية عمل واضحة. من هنا تأتي أهمية أن يحدد لبنان مهمة هذه القوات، وكيفية دعمها للجيش اللبناني وبماذا ستدعمه، وكيف ستكون عملية بسط السيادة. فهناك خطة لنزع السلاح أقرت في مجلس الوزراء اللبناني في الخامس والسابع من أغسطس/آب 2025. هذه الدينامية تحدد الخيارات التي أمام لبنان.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس اللبناني جوزيف عون في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026

في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، ظهر اتجاه لدى لبنان لتكريس القرار 1701. إنها معركة لمصلحة لبنان، فأين أصدقاء لبنان الذين يفترض أن يساعدوه في حصر السلاح بيد الدولة، واستكمال مسار التعافي. وبالتالي، في النهاية، السؤال موجه إلى كل من الحكومة اللبنانية، والجيش اللبناني، حول ما المقصود بحصر السلاح؟ هل الجيش سيدخل إلى المنازل ليأخذ السلاح. والدول تقول استناداً إلى هذه المعطيات، إن على لبنان تحديد ماذا يريد من الدول التي ستدعم الجيش في مهمته، إن الأمر هو شأن لبنان.

أزاحت واشنطن فرنسا من أمام ما اعتبرته مسؤوليتها في الاهتمام بترتيب الوضع اللبناني، ووضعتها جانباً. وبدأت بحصر الاهتمام في يدها

لقد تحدثوا في لبنان عن إشارة قضائية للدخول إلى المنازل وتفتيشها. والأمر ليس مساراً يحدده المجتمع الدولي. فقط لبنان والجيش يحددان ذلك. ومن بعد هذه الخطوة، يأتي دور الدول لدعم التوجه لتمكين الجيش اللبناني للقيام بمهماته، التي حددتها الحكومة.

وتتضمن هذه المعطيات، أنه ليست هناك قوة دولية في العالم ستقوم بالمهام الملقاة على أية دولة، لمساعدتها بالحلول محلها. بل ستكون عاملاً مساعداً لها. من سيقوم بالمهمة هو الجيش اللبناني، والمتوقع من إسرائيل أن تطلب ضمانات. القوة الدولية الجديدة يمكنها تقديم ضمانات، وذلك ضمن إطار واضح، هو مجلس الأمن.

لكن إسرائيل تريد نموذج غزة، أي الضمانات الأمنية عبر شركات أمنية خاصة. ولن تتراجع فرنسا عن اهتمامها بالوضع الجنوبي. وهي التي دعت إلى جلسة مجلس الأمن، يوم 28 أغسطس/آب الماضي. ودعمت طلب لبنان التمديد لولاية "اليونيفيل" سنةً إضافية. وعلى الرغم من كل ذلك، أفضت النقاشات في المجلس إلى رفض الطلب اللبناني من جانب واشنطن ما أدى إلى تعذر التمديد لها. لكن الباب بقي مفتوحاً أمام النقاشات المتصلة بمرحلة "ما بعد اليونيفيل"، والقرار 1701 وطبيعة عمل القوة الجديدة التي ستحل محلها، وطبيعة تفويضها وولايتها.

وإذا كانت "اليونيفيل" غير المرضي عنها من واشنطن وتل أبيب، تقع ولايتها تحت الفصل السادس، فهل ستكون أية قوة جديدة في إطار الفصل السابع عملياً، وسيطلب إليها الردع، أي استخدام القوة؟ وإذا حصل ذلك، فهل سيعني أن وضعية الجنوب ستنتقل في مراقبته من حفظ السلام إلى فرضه فرضاً؟

لا يستبعد مصدر واسع الاطلاع أن تبقى القوة الدولية في سنة 2027  كاملة في لبنان، إذ تقوم بواجباتها ضمناً دون تكليف مجلس الأمن لها بذلك، في الوقت الذي تكون في حالة نقل تجهيزاتها ولوجستياتها من لبنان. لذلك سيكون هناك حل وسطي، يقوم على القواعد الآتية:

- الإطار الشرعي الدولي، أي أن يطبق "الاتفاق الإطاري" في إطار الشرعية الدولية عبر مراقبته من جانب مقتضيات القرار 1701، وعبر قرار جديد من مجلس الأمن.

رويترز
قافلة تابعة لـ"اليونيفيل" تسير على الطريق بالقرب من مناطق تحتلها إسرائيل متجهة نحو رميش في جنوب لبنان، 12 سبتمبر 2026

- بدء التحضير اللبناني لتقديم طلب رسمي إلى الأمم المتحدة، لوجود قوة عسكرية دولية مشتركة، ويتضمن الطلب تحديد مهامها بكيفية وآلية دعمها للجيش في مهمته، بالتزامن مع تقديم ضمانات لإسرائيل وللولايات المتحدة، أنه هو سيقوم بمهامه.

الفرنسيون يعتبرون أن هناك منافسة بين الخط الأصفر الاسرائيلي وخطوط الهدنة لعام 1949، والخط الأزرق أيضاً المعني به القرار 1701. وبالنسبة إلى غالبية المجتمع الدولي، هناك الخط الأزرق، وليس الخط الأصفر. في رأي الأميركيين بات الخط الأصفر واقعاً ويجب أن تتم معالجة هذا الاحتلال. إنها معادلات مختلفة، ما يؤشر إلى خطورة الوضع.

وفي المنطق الأميركي أيضاً، أن "اليونيفيل" هي قوة دولية، ولم تتمكن مرة واحدة على الأقل من أن تتحقق من خلو منطقة عملياتها من السلاح. ولم تكن قوة ردع أيضاً منذ العام 1978 حتى هذه السنة 2026.

ترى فرنسا أن هذا المنطق يحمل واقعية ما، إن جاء ذلك من الأميركيين، أو من الإسرائيليين. لذلك يأتي دور القوة الدولية الجديدة، لتقديم ضمانات وشرعية لـ"الاتفاق الإطاري"، الذي يعتبر إطار تفاهم بين لبنان وإسرائيل، إنما الضمانات والشرعية الدولية والمراقبة والتحقق برأي السعودية وفرنسا، والاتحاد الأوروبي، بحسب المعطيات، يجب أن تأتي من الشرعية الدولية، لأن لا عودة إلى "اليونيفيل" التقليدية، وهذا الأمر بات محسوماً.

"اليونيفيل" بصيغتها الحالية انتهت. والآن يأتي دور القوة المتعددة الجنسية لتساعد الجيش ليقوم بمهامه، تحت إشراف مجلس الأمن الدولي... هناك منطلقات متباينة بين المقاربة الأميركية-الإسرائيلية في شأن مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، والمقاربة الفرنسية-الأوروبية.

التباعد الأميركي-الفرنسي

يفترض أن يعلن لبنان طلبه الرسمي، وما يريده بالتحديد من الوجود الدولي الجديد على أرض الجنوب. وقد أزاحت واشنطن فرنسا من أمام ما اعتبرته مسؤوليتها في الاهتمام بترتيب الوضع اللبناني، ووضعتها جانباً. وبدأت بحصر الاهتمام في يدها، تحديداً، بعد تسلّم الرئيس دونالد ترمب الحكم في العشرين من يناير/كانون الثاني 2025.

الأميركيون لا يريدون حرباً لتسليم السلاح. لكنهم يريدون تنفيذ "الاتفاق الإطاري" بحذافيره. وهم رعاته حصراً، ولا دخل للفرنسيين به

ولم تمر ردة الفعل الفرنسية من دون ما تسمّيه دوائر دبلوماسية واسعة الاطلاع، بـ"الحرد" الفرنسي، كون فرنسا كانت تلقّب بـ"الأمّ الحنون" للبنان. وهي اهتمت ولا تزال بكل تفصيل لبناني عبر التاريخ حتى الآن. فانكفأت فرنسا بهدوء لكن مع رغبتها الدائمة بالعودة إلى الملف اللبناني، ولو أنها تدرك أنها لا يمكن أن تكون وحيدة فيه. فهناك الأميركيون، وهناك اللاعبون الخليجيون، وهناك الدور التركي، ودول "اتفاق مكة"، وهناك إسرائيل. وتركيا تريد لعب دور في الاستقرار في الجنوب من خلال الإعراب عن مشاركتها في أية قوة جديدة تنتشر في الجنوب. ورغم ذلك، إسرائيل لا توافق على أي دور تركي في الجنوب.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يحضران مؤتمرا صحفيا لإعلان مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس، في 21 أبريل 2026

حتى مرحلة التوصل إلى اتفاق السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت لا تزال فرنسا في قلب المشهد اللبناني. فهي شاركت في صياغة هذا الاتفاق مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق آموس هوكشتاين، وهي عضو في اللجنة الدولية لمراقبة وقف النار التي تضمّنها الاتفاق.

ولكن عند التنفيذ، ومع وصول ترمب إلى السلطة، حصلت انعطافة فعلية في الدور الفرنسي من جراء إبعاد كل الأدوار، والإمساك الأميركي بلبنان. فبدأت بالتبعيّة تُسجّل تراجعاتٍ في هذا الدور في لبنان، وظهرت خصوصاً في أداء الأميركيين في اللجنة، حيث لم يكن الموقف الفرنسي مسموعاً، فتباينت وجهات النظر داخل اجتماعات اللجنة، والموقف من وقف النار، ومن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومن طريقة التعامل مع حصر السلاح بيد الدولة، وهي تؤيده، بشرط أن يتم بيد الجيش، وليس بيد إسرائيل.

كما كانت رافضة لفكرة تسليم السلاح بالقوة. مع الإشارة، إلى الخطوط الفرنسية المفتوحة مع "حزب الله" وإيران، على الرغم من أن إيران لم تستجب لفرنسا، ولم تقبل في أية مرحلة، من المراحل، أن تبيع الفرنسيين موقفاً. بل كانت تصر على رفع الثمن، والبيع للأميركيين فقط.

الأميركيون لا يريدون حرباً لتسليم السلاح. لكنهم يريدون تنفيذ "الاتفاق الإطاري" بحذافيره. وهم رعاته حصراً، ولا دخل للفرنسيين به. حتى إن فكرة انعقاد مؤتمر لدعم الجيش، والذي تريد فرنسا دائماً رعايته، ودعت حالياً إلى انعقاده في 17 سبتمبر/أيلول 2026، قد لا يفضي إلى دعم فعلي. ذلك لأنه من دون الضوء الأخضر الأميركي، لن يكون هناك تمويل خليجي ودولي في النهاية. إن دبلوماسيين في الأمم المتحدة يقولون إن دعم الجيش مرتبط بالتقدم في تنفيذ "الاتفاق الإطاري" على الأرض، ونزع السلاح. كما يرتبط بالتأكد من أن التزود بالسلاح للجيش والدعم لن يذهب إلى أية جهة مسلحة.

فرنسا "حاملة القلم" حول لبنان في مجلس الأمن ستبقى. لكن كيف سيتبلور دورها؟ هذا يتوقف على الظروف الجديدة. السفير الفرنسي الجديد في بيروت باتريك دوريل سيلعب دوراً كبيراً لاستعادة اهتمام فرنسا إلى الواجهة، فهل ينجح؟

font change