جون تيرنوس... ماذا يحمل مهندس "آبل" إلى المستخدم العربي؟

تحديات برمجية معقدة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جون تيرنوس، الرئيس التنفيذي لشركة "أبل"، على المسرح خلال فعالية الشركة التي حملت عنوان "Surprise and Shine" في مقرها الرئيسي "أبل بارك" بمدينة كوبرتينو في ولاية كاليفورنيا، وذلك في 9 سبتمبر 2026.

جون تيرنوس... ماذا يحمل مهندس "آبل" إلى المستخدم العربي؟

في الأول من سبتمبر/أيلول 2026 تولى جون تيرنوس قيادة "آبل" بعد نحو ربع قرن داخل الشركة. يعرف الرجل كيف تُصنع أجهزتها، وكيف تتحول التصميمات إلى منتجات يستخدمها الناس يوميا. لكنه يتسلم المسؤولية في لحظة، يتغير فيها معنى الهاتف الذكي نفسه. فمع تطور الذكاء الاصطناعي أصبح مطلوبا من الهاتف أن يستحق هذه الصفة، بقدرات تتجاوز تشغيل التطبيقات والتقاط الصور. عليه أن يفهم ما يطلبه المستخدم، ويربط بين المعلومات وينفذ مهام نيابة عنه. ومن هنا يبدأ اختبار تيرنوس، فالمهندس الذي أمضى معظم مسيرته في تطوير الأجهزة، أصبح مسؤولا عن تحويل هذه القدرات إلى تجربة يومية يمكن الاعتماد عليها.

درس تيرنوس الهندسة الميكانيكية في جامعة بنسلفانيا، وعمل في شركة "فيرتشوال ريسيرش سيستمز" قبل انضمامه إلى "آبل" عام 2001. بدأ في تصميم المنتجات ثم ترقى إلى نائب رئيس هندسة الأجهزة في 2013. وبعد ثماني سنوات أصبح المسؤول الأول عن القطاع، وخلال مسيرته شارك في تطوير منتجات بينها "آيفون" و"آيباد" و"ماك" و"إيربودز". اختيار تيرنوس يعكس اعتماد "آبل" على شخص تشكلت خبرته داخل الشركة، وعرف تفاصيل العمل الذي تقوم عليه أعمالها.

من أبرز محطاته مشاركته في انتقال حواسيب "ماك" إلى معالجات "آبل" الخاصة. وقد منح التحول الشركة سيطرة أكبر على تطوير الجهاز والبرمجيات معا. وتحت قيادته لهندسة الأجهزة، قدمت "آبل" أيضا "ماك بوك نيو" بهدف إتاحة تجربة "ماك" لشريحة أوسع. وتكشف التجربتان خبرة تتجاوز تحسين المواصفات إلى توسيع ما يستطيع المنتج تقديمه، ومن يستطيع شراءه. وهي خبرة مهمة لرئيس سيحتاج إلى تحويل التطور التقني إلى أسباب مقنعة لاختيار أجهزة شركته.

وفي تشكيلة "آيفون" التي أطلقت في خريف 2025 عمل فريقه على احتياجات مختلفة. ركز "آيفون 17 برو" و"برو ماكس" على الأداء المتقدم. وجاء "آيفون إير" بتصميم شديد النحافة مع الاهتمام بالمتانة. أما تطوير "إيربودز" فامتد من تحسين إلغاء الضوضاء، إلى قدرات لصحة السمع، تشمل استخدام طرازات مؤهلة، كمعينات سمعية من دون وصفة طبية في الأسواق المعتمدة، هذه إنجازات فرق قادها، لكنها توضح قدرته على الإشراف على تطوير منتجات تكتسب وظائف جديدة، مع الحفاظ على متطلبات التصميم والأداء.

مع ذلك ستختبره رئاسة "آبل" خارج تخصصه أيضا، ففي يناير/كانون الثاني 2026 أعلنت الشركة اتفاقا متعدد السنوات مع "غوغل" تستند بموجبه الأجيال الجديدة من نماذجها إلى "جيميني" وتقنيات "غوغل" السحابية. يرث تيرنوس هذه العلاقة، وسيكون عليه ضمان أن تمنح "آبل" القدرات المطلوبة مع الحفاظ على تميز منتجاتها. فقيادة شركة تعتمد على منافس لتطوير جزء أساسي من مستقبل خدماتها، تحتاج إلى قرارات تجارية واستراتيجية لا تحسمها جودة الهندسة وحدها.

"آبل" والعالم العربي... حضور يتجاوز الأجهزة

تبدو علاقة "آبل" بالعالم العربي، أوسع مما توحي به المقارنة مع صفقات "إنفيديا" و"مايكروسوفت" الخليجية. للشركة حضور في تطوير التطبيقات والتدريب والمدفوعات إلى جانب مبيعات الأجهزة. والعربية نفسها موجودة في نظام التشغيل ولوحة المفاتيح والترجمة، وخصائص قراءة الشاشة والتحكم الصوتي. لذلك فإن التحدي أمام تيرنوس، هو تطوير علاقة قائمة بالفعل، ونقلها إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من قيمة المنتج.

بدأ سيري دعم العربية في ديسمبر/كانون الأول 2015 للمستخدمين في السعودية والإمارات. لكن بعد أكثر من عشر سنوات، لا تزال العربية خارج قائمة اللغات المدعومة في "آبل إنتليجنس" المنشورة حاليا. تكشف هذه الفجوة تفاوتا في تطور الخدمات داخل الجهاز نفسه، يستطيع المستخدم قراءة النصوص وترجمتها والتفاعل صوتيا بالعربية، ثم يجد أن الوصول إلى بعض القدرات الأحدث، يتطلب استخدام لغة أخرى. ومع انتقال الهاتف إلى تنفيذ المهام، وفهم السياق يصبح ترتيب إتاحة اللغات مؤثرا في مقدار استفادة المشتري مما دفع ثمنه.

ويأتي ذلك بينما تعمق "آبل" ارتباطها بالاقتصاد السعودي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024 أعلنت أنها أنفقت أكثر من عشرة مليارات ريال، مع شركات في المملكة خلال السنوات الخمس السابقة. ولا يوضح البيان مقدار ما خُصص منه لمصانع أو مراكز بيانات، وقالت أيضا إن أرباح المطورين السعوديين ارتفعت بأكثر من 1750 في المئة منذ 2019، وإن نحو ألفي طالبة أتممن دورات برمجة عبر أكاديميتها في الرياض. ورغم أن نسبة النمو لا تكشف الحجم الفعلي للإيرادات، فإنها تشير إلى وجود نشاط محلي يستفيد من منصتها ويتوسع من خلالها.

بدأ سيري دعم العربية في ديسمبر 2015 للمستخدمين في السعودية والإمارات. لكن بعد أكثر من عشر سنوات لا تزال العربية خارج قائمة اللغات المدعومة في "آبل إنتليجنس" المنشورة حاليا

وتظهر العلاقة بصورة أكثر مباشرة في الخدمات اليومية. فمنذ إطلاق "آبل باي" في السعودية عام 2019 امتد استخدامها إلى النقل العام، وأعلنت الشركة في ديسمبر/كانون الأول 2024 أن الرياض أصبحت أول مدينة في الشرق الأوسط، تتيح دفع أجرة المترو والحافلات بوضع "إكسبريس مود" من دون فتح الهاتف أو الساعة. ثم جاء افتتاح المتجر الإلكتروني السعودي في يوليو/تموز 2025 مع دعم مباشر بالعربية. وفي الإمارات وصل عدد متاجر "آبل" إلى خمسة عند افتتاح متجر العين في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. وهذا الحضور المتفاوت بين الأسواق، يجعل الحديث عن استراتيجية عربية واحدة أمرا يحتاج إلى تدقيق.

مع ذلك يختلف موقع "آبل" عن موقع الشركات التي تدخل في بناء القدرة الحوسبية الخليجية. تستهدف شراكة "إنفيديا" مع "هيوماين" السعودية بنية تصل قدرتها إلى 500 ميغاواط خلال خمس سنوات. وأعلنت "مايكروسوفت" استثمارات وإنفاقا في الإمارات بقيمة 15.2 مليار دولار بين 2023 و2029. وهذه مشروعات تضع الشركتين داخل خطط تطوير البنية التحتية الوطنية، أما "آبل" فتبني علاقتها أساسا حول الأجهزة والتطبيقات والخدمات. واختلاف النشاط يفسر جانبا من اختلاف الحضور، لكنه يترك أمام تيرنوس فرصة لتوسيع مشاركة المطورين والمؤسسات العربية في الاستخدامات الجديدة للذكاء الاصطناعي.

رويترز
جون تيرنوس، يتحدث خلال فعالية تقيمها الشركة في مسرح "ستيف جوبز" بمقرها في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا الأميركية، في 9 سبتمبر 2026

ولرأس المال العربي تاريخ في الشركة أيضا. ففي عام 1997 اشترى الأمير الوليد بن طلال أكثر من خمسة في المئة من أسهم "آبل" مقابل نحو 115 مليون دولار. كان رهانا على تعافي شركة متعثرة عبر شراء أسهم من السوق المفتوحة، ولذلك لا يصح وصفه بتمويل مباشر أنقذها. أما حاليا فتظهر بيانات "فينتل" المستندة إلى الإفصاحات الأميركية أن مبادلة صفّت حيازتها المباشرة المعلنة خلال الربع الثاني من 2026. لكن البيع وحده لا يفسر دوافع القرار، ولا يثبت تحول رأس المال العربي إلى منافسي "آبل".

تكشف هذه الأرقام أن "آبل" بنت في المنطقة مصالح تتجاوز مبيعات الأجهزة، فإنفاقها مع الشركات السعودية يربطها بأعمال محلية، ونمو أرباح المطورين يجعل منصتها مصدر دخل، بينما يدخل "آبل باي" في تفاصيل الحياة اليومية. معنى ذلك أن لديها قاعدة اقتصادية وبشرية، يمكن أن توسع من خلالها استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن هنا تظهر الفجوة: تتعمق العلاقة بالسوق فيما تظل العربية متأخرة في الوصول إلى أحدث قدرات المنتج.

وفي الوقت نفسه تمنح مشروعات الحوسبة "إنفيديا" و"مايكروسوفت" موقعا داخل الخطط التكنولوجية للحكومات الخليجية. اختلاف نموذج الأعمال يفسر هذا التفاوت، لكنه يضع أمام تيرنوس سؤالا عن كيفية تحويل حضور "آبل" القائم إلى دور أكبر في المرحلة المقبلة. أما بيع مبادلة لحصتها، فلا يكفي لإثبات تراجع الثقة العربية بالشركة. المؤشر الأهم سيكون قدرة "آبل" على توسيع ما ينتجه المطورون المحليون، وما ينجزه المستخدمون بالعربية داخل منظومتها.

تكشف هذه الأرقام أن "آبل" بنت في المنطقة مصالح تتجاوز مبيعات الأجهزة. فإنفاقها مع الشركات السعودية يربطها بأعمال محلية، ونمو أرباح المطورين يجعل منصتها مصدر دخل، بينما يدخل "آبل باي" في تفاصيل الحياة اليومية

كيف يمكن أن يصنع تيرنوس الفارق؟

تقدم تجربة "إير بودز" مثالا على ما قد يضيفه تيرنوس، فتطوير قدرات السماعة لتعمل كمعين سمعي أتاح استخداما صحيا لمنتج يملكه المستخدم بالفعل. ويمكن أن تساعده الخبرة نفسها في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل أجهزة "آبل". فقد تصبح قيمة الهاتف مرتبطة بقدرته على فهم طلب يجمع بين رسالة وموعد وصورة ثم تنفيذ المهمة المطلوبة. وهذا اتجاه محتمل استنادا إلى مسيرته وليس خطة أعلنها لإدارته.

أ.ف.ب
هاتف "آيفون ديو" (iPhone Duo) الجديد من شركة "أبل" خلال فعالية "Surprise and Shine" في المقر الرئيسي للشركة "أبل بارك" كوبرتينو بولاية كاليفورنيا، وذلك في 9 سبتمبر 2026

لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب قدرات تتجاوز تخصصه. يستطيع فريق الأجهزة تحسين المعالج والبطارية. أما فهم الطلب وتنفيذه بدقة فيعتمدان على النماذج والبرمجيات وتكامل التطبيقات. وإذا أخفق المساعد في مهمة بسيطة، فلن تعوضه جودة الجهاز. لذلك سيكون أحد اختبارات تيرنوس، قدرته على منح فرق البرمجيات والذكاء الاصطناعي الموارد والصلاحيات اللازمة وحسم المشكلات التي تعطل تعاونها. كما سيتعين عليه إدارة الاعتماد على "غوغل" بحيث تصل التحسينات إلى المستخدم ضمن تجربة متماسكة.

وعربيا توجد فرصة للبناء على "أكاديمية آبل للمطورات" في الرياض. يمكن للشركة ربط التدريب بمشروعات تطبيقية تستخدم أدواتها للذكاء الاصطناعي، لخدمة احتياجات محلية في التعليم والعمل والخدمات اليومية. ووجود مطورين يعرفون اللغة وسياق استخدامها، قد يساعد على اكتشاف مشكلات لا تظهر في الاختبارات العامة. وهذا مسار مقترح لتعميق التعاون، يحتاج إلى أدوات تدعم العربية، وإلى فرصة حقيقية لاختبار التطبيقات وتطويرها.

ويمنحه بقاء تيم كوك رئيسا تنفيذيا لمجلس الإدارة سندا في العلاقات الدولية والتواصل مع صناع السياسات. لكن المسؤولية عن المنتج ستقع عليه، ويمكن تقييم تقدمه عربيا من خلال موعد إتاحة الخصائص وجودة أدائها واتساع استفادة المطورين منها. فالمستخدم سيشعر بالتغيير حين ينجز بلغته مهمة كان يعجز عنها سابقا. والمطور سيختبره حين يستطيع بناء خدمة تصل إلى مستخدمين جدد. عندها تظهر نتيجة القيادة الجديدة في الاستخدام اليومي لأجهزة "آبل".

font change