ضباط سابقون في الصف السياسي الأول... الخلفية العسكرية مؤهلا انتخابيا في إسرائيل

صعود مرشحين من خلفيات عسكرية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي إسرائيلي يدلي بصوته قبل يوم من موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية في قاعدة عسكرية جنوبي إسرائيل قرب الحدود مع قطاع غزة، في 31 أكتوبر 2022

ضباط سابقون في الصف السياسي الأول... الخلفية العسكرية مؤهلا انتخابيا في إسرائيل

ألف ومئة وستة عشر يوما. تلك هي المدة التي ستكون إسرائيل قد أمضتها في حرب متواصلة بحلول موعد الانتخابات الوطنية في 27 أكتوبر/تشرين الأول، أي ما يعادل 36.7 شهر، أو 3.06 عام.

وتمثل هذه المدة أطول فترة قتال متواصل تشهدها إسرائيل منذ قيام الدولة عام 1948. وهي سابقة تلقي بظلال ثقيلة على المجتمع الإسرائيلي، فيما يتوقع أن تمتد تداعياتها لعقود، وأن تظل موضع بحث ودراسة لسنوات طويلة.

للتذكير، بدأت الحرب متعددة الجبهات في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين عبر عناصر من "حماس" من قطاع غزة إلى إسرائيل، فقتلوا 1.200 شخص واحتجزوا 250 آخرين رهائن. وفي غضون ساعات، شنت إسرائيل هجوما على غزة، ثم أخذ نطاق المواجهة يتسع خلال الأيام والأسابيع والأشهر التالية، ليشمل لبنان وإيران وسوريا واليمن والعراق والضفة الغربية.

وتشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أن أكثر من عشرين ألف جندي إسرائيلي قتلوا أو أصيبوا منذ عام 2023 أثناء مشاركتهم في القتال على تلك الجبهات.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على العسكريين وحدهم، إذ تمتد آثارها النفسية إلى المدنيين أيضا. فقد أظهرت دراسة نشرها في وقت سابق من هذا العام أحد أبرز مقدمي خدمات الرعاية الصحية في إسرائيل أن ثلث الإسرائيليين يعتقدون أنهم بحاجة إلى دعم في مجال الصحة النفسية.

أما بين العسكريين، فقد ارتفعت حالات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 40 في المئة منذ عام 2023، وتشير التقديرات إلى أن هذه النسبة قد ترتفع إلى 180 في المئة بحلول عام 2028.

ويقول كوبي ميخائيل، الباحث الأول في شؤون الشرق الأوسط والقضايا العسكرية في "معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي" و"معهد مسغاف": "من الجنون أن نخوض حربا منذ نحو ثلاثة أعوام، فيما يقع العبء الأكبر على جنود الاحتياط في الجيش".

ويضيف: "أمضى جنود الاحتياط ما يصل إلى 700 يوم في الخدمة، أي نحو عامين من أصل العامين والنصف عام الماضيين. لم تعد لديهم حياة طبيعية. فقدوا وظائفهم، وانتهت زيجات بعضهم بالطلاق، فيما حرم كثيرون من رؤية أطفالهم".

ولا تزال الجبهات السبع مفتوحة من دون حسم، فيما برز خلال الأسابيع الأخيرة احتمال فتح جبهة ثامنة مع تركيا، ما أضاف مصدر قلق جديدا.

رويترز
جنود احتياط إسرائيليون يقفون معا خلال تدريب في قاعدة "تسئيليم" العسكرية جنوبي إسرائيل، في 11 يناير الثاني 2009

وبالتالي، ستظل الاعتبارات العسكرية حاضرة بقوة في أذهان معظم الإسرائيليين، وستنعكس، بوعي أو من دونه، على خياراتهم عندما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع في أكتوبر/تشرين الأول.

قضايا متعددة

يتوقع أن تكون هذه الانتخابات من أكثر الانتخابات تأثيرا في تاريخ إسرائيل، داخليا وخارجيا، إذ تتجاوز القضايا التي تشغل الناخبين حدود الحرب مع الجيران. فالثقة بالقيادة السياسية الحالية ضعيفة، والانقسام يتعمق بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليمين المتشدد والمتطرف وقوى الوسط واليسار، فيما تواصل تكاليف المعيشة ارتفاعها، ويثير تصاعد العنف المناهض لإسرائيل والمعادي للسامية حول العالم قلقا متزايدا.

وكان العام الماضي الأكثر دموية لليهود حول العالم منذ عقود، إذ سجل أكثر من 23 ألف اعتداء ضدهم، أسفر 20 منها عن وفيات. وتتوافق هذه الأرقام، التي أوردتها رابطة مكافحة التشهير (ADL)، وهي منظمة يهودية للدفاع عن الحقوق، مع أبحاث تشير إلى قفزة كبيرة في جرائم الكراهية ضد اليهود حول العالم خلال الأسابيع التي تلت هجوم "حماس" عام 2023 والحملات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبته. كما يخشى 52 في المئة من الإسرائيليين الكشف عن جنسيتهم أثناء سفرهم إلى الخارج.

وفي الوقت نفسه، يرى عدد متزايد من اليهود في أوروبا وأميركا الشمالية أن سياسات الحكومة الإسرائيلية باتت تعرض حياتهم للخطر.

وفي الداخل، تدفع الضغوط المعيشية الإسرائيليين أيضا إلى التشكيك في قرارات الحكومة. فثلث السكان يعيشون تحت وطأة الديون، إذ تتجاوز نفقاتهم مداخيلهم مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي المتوسط، تزيد الأسعار في إسرائيل بنسبة 21 في المئة على مثيلاتها في أغنى الدول الأوروبية. فكيلوغرام لحم البقر الذي يبلغ متوسط سعره نحو 15 يورو في السويد، يصل إلى 25 يورو في إسرائيل، فيما يباع لتر البنزين بنحو 2.20 يورو، مقابل 1.80 يورو في ألمانيا وفرنسا.

ولا يثير هذا الارتفاع الحاد في الأسعار خلال السنوات الأخيرة كثيرا من الاستغراب، في ظل تضاعف الميزانية العسكرية، واضطراب سلاسل التوريد بسبب الصراعات، ونقص العمالة الناجم عن القيود المفروضة على العمال الفلسطينيين.

هذه القوى تسعى إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية وإعادة تشكيل إسرائيل وفق نظام إثنوقراطي يقوم على هيمنة الأغلبية

وعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، يزداد الانقسام بين معسكر اليمين والقوى الدينية والمتطرفة من جهة، وقوى الوسط واليسار والشرائح العلمانية من جهة أخرى.

ويستند الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدرجة كبيرة إلى دعم الأحزاب الحريدية وشخصيات من اليمين المتطرف، أبرزها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ويرى أستاذ السياسة المقارنة في جامعة بن غوريون، البروفيسور غاي بن بورات، أن هذه القوى تسعى إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية وإعادة تشكيل إسرائيل وفق نظام إثنوقراطي يقوم على هيمنة الأغلبية. ويقول إن هذا المسعى يهدف إلى "سحق حقوق الأقليات".

وبالمقارنة مع الأنظمة الشعبوية في المجر وبولندا، يحذر بن بورات من تنامي نهج يقوم على اعتبارات عرقية وأمنية في تعامل الدولة مع مواطنيها العرب، الذين يشكلون 25 في المئة من السكان. ويرى أن شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش تستغل الأزمات لتبرير سياسات أكثر قمعا داخل إسرائيل، وكذلك في القدس الشرقية والضفة الغربية، حيث بلغ عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين مستويات قياسية.

مناخ من انعدام الثقة

قد يكون تراجع ثقة الإسرائيليين بحكومتهم من أبرز العوامل المؤثرة في هذه الانتخابات. فقد أظهرت استطلاعات أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، و"معهد القدس للاستراتيجية والأمن"، ومراكز أبحاث أخرى، أن نحو 80 في المئة من الإسرائيليين لا يثقون بقيادتهم السياسية.

رويترز
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدلي بتصريح لأعضاء من الصحافة، في القدس، في 8 سبتمبر 2026

وتراجعت هذه الثقة بصورة حادة بعد هجوم "حماس" متعدد المحاور على إسرائيل عام 2023، إذ أثار إخفاق الحكومة في منع الهجوم وعجزها عن إعادة الرهائن خلال فترة اعتبرها كثيرون معقولة موجة واسعة من التساؤلات والغضب. ومع إطالة أمد الأزمة، تصاعد الإحباط الشعبي وامتدت الاحتجاجات إلى أنحاء البلاد.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، لم يحظ بنيامين نتنياهو، أطول رؤساء الوزراء بقاء في المنصب بتاريخ إسرائيل، بثقة سوى 32 في المئة من الإسرائيليين. كما ترى الغالبية أن سياساته التي تطيل أمد الحرب تحركها اعتبارات سياسية أكثر من دوافع أمنية حقيقية.

وفي أعقاب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استقال كل من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، ورئيس الاستخبارات العسكرية، وقائد القيادة الجنوبية، وقائد فرقة غزة.

في المقابل، بقي نتنياهو ومعه القيادات السياسية الأخرى في مواقعهم. وفي الوقت نفسه، تتواصل الدعوات الشعبية إلى تشكيل لجنة تحقيق تضعها المحكمة العليا للنظر في الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية التي سبقت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن نتنياهو وحكومته يرفضان هذه الدعوات، ويؤكدان أن أي تحقيق ينبغي أن ينتظر إلى "ما بعد الحرب"، ويقترحان بدلا من ذلك تشكيل لجنة "لتقصي الحقائق" يُختار أعضاؤها عبر تعيينات سياسية.

ويحمّل منتقدو نتنياهو رئيس الوزراء مسؤولية الإخفاق في منع الهجوم، ويتهمونه في الوقت نفسه بمواصلة سياسة استرضاء تجاه "حماس" امتدت سنوات، اتسمت بتمرير مساعدات مالية إلى غزة عبر قطر، وصلت أحيانا في حقائب محملة بالنقود، مقابل الهدوء.

الثقة بالجيش

في المقابل، يحظى الجيش الإسرائيلي بثقة واحترام نحو 85 في المئة من الإسرائيليين، وفقا لآخر استطلاعات الرأي، وهي مكانة راسخة وليست وليدة السنوات الأخيرة. فقد أراد له ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، منذ تأسيسه أن يكون بوتقة لبناء الأمة، وأن تسهم الخدمة العسكرية في تشكيل "الإسرائيلي الجديد".

رويترز
زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت يحضر فعالية للكشف عن قائمة مرشحي حزبه السياسي "يشار"، في روش هعاين، إسرائيل، في 7 سبتمبر 2026

وبحسب كوبي ميخائيل، يدرك الجمهور الإسرائيلي أن "هناك فجوة هائلة بين الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية في ما يتعلق بتحمل المسؤولية وممارستها. ولذلك يميل الجمهور الإسرائيلي إلى الاعتماد على المؤسسة العسكرية أكثر بكثير من الطبقة السياسية".

وبعد سنوات من الضغوط والتوترات غير المسبوقة، بات كثير من الإسرائيليين يتطلعون إلى بديل. ويقول ميخائيل: "البديل، في نظر الجمهور الإسرائيلي، لن يأتي من القيادة السياسية المعروفة، بل من أماكن أخرى".

وقد يفسر ذلك الإقبال المتزايد على المرشحين ذوي الخلفيات العسكرية، الذين باتوا يحظون بحضور قوي في السباق الانتخابي وجاذبية واسعة لدى الناخبين.

البديل، في نظر الجمهور الإسرائيلي، لن يأتي من القيادة السياسية المعروفة، بل من أماكن أخرى

ويأتي في مقدمة هؤلاء رئيس هيئة الأركان السابق غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، والمعروف بتوجهه الاستراتيجي. ويتزعم آيزنكوت حزب "يشار"، التي تعني بالعبرية "مستقيم" أو "نزيه". ويطرح برنامجه عشر نقاط تركز على استعادة أمن إسرائيل ووحدتها وتعزيز مؤسساتها الديمقراطية، من دون أن يتضمن تصورا لإقامة دولة فلسطينية مستقبلا. وفي استطلاعات رأي حديثة، تفوق آيزنكوت على نتنياهو عندما سئل المشاركون عمن يرونه الأكثر ملاءمة لقيادة البلاد.

ومن أبرز الوافدين الجدد إلى السباق الانتخابي المرشح القومي الديني عوفر فينتر، الذي أطلق في 25 أغسطس/آب 2026 حزب "عمخا يسرائيل"، أي "شعب إسرائيل".

وفينتر عميد سابق تولى قيادة وحدة "دوفدوفان"، أي "الكرز"، وهي من وحدات النخبة المتخصصة في العمليات السرية. ويدعو برنامجه إلى "الهجرة الطوعية" لسكان غزة، فيما يعلن تمسكه بنتنياهو، مؤكدا أنه لن ينضم إلى أي ائتلاف لا يكون رئيس الوزراء الحالي جزءا منه.

أما اللواء يائير غولان، نائب رئيس هيئة الأركان السابق، فيتولى قيادة حزب "الديمقراطيين" المحسوب على يسار الوسط، وتشير التوقعات إلى فوزه بما بين 10 و11 مقعدا في الكنيست ضمن صفوف المعارضة. وفي المقابل، يقود رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع السابق بيني غانتس حزب "أزرق أبيض" الوسطي الصهيوني، ويرفع شعار إبعاد المتطرفين عن الحكومة ضمن أبرز توجهاته السياسية.

ومن الوجوه الصاعدة يوناتان شاليف، البالغ 23 عاما، وهو قائد سابق في إحدى وحدات الكوماندوز التابعة لقوات النخبة، أمضى مئات الأيام في الخدمة والقتال على جبهات عدة خلال السنوات الأخيرة. وذاع اسمه عام 2025 إثر مشادة حادة مع أعضاء في لجنة الخارجية والدفاع كانوا يؤيدون إعفاء المواطنين الحريديم من الخدمة العسكرية. ولاحقا، أسس شاليف مجموعة "خدمة متساوية للجميع" (Equal Service for All)، التي تضم جنودا من قوات الاحتياط وأصبحت المنظمة غير الحكومية الأسرع نموا في تاريخ إسرائيل.

وفي أبريل/نيسان، اختير شاليف للانضمام إلى حزب "بياحد"، أي "معا"، وهو حزب وسطي مشترك أسسه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ووزير الخارجية السابق يائير لابيد. وإذا فاز في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، فسيصبح أصغر عضو في تاريخ الكنيست.

وفي تقرير أعده بالاشتراك مع العقيد في الاحتياط والبروفيسور غابي سيبوني، الباحث في "معهد مسغاف"، يؤكد كوبي ميخائيل أن إسرائيل لم تعد كما كانت قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ أدت سلسلة الأحداث التي وقعت في ذلك اليوم وما تلاها إلى تقويض افتراضات جوهرية راسخة، إلى جانب نماذج فكرية وتاريخية شكلت طويلا جزءا من مرتكزات إسرائيل.

ويرى التقرير أن كثيرا من تلك الافتراضات لم يعد ملائما للواقع الجديد، ولم يعد قادرا على توفير الأدوات والتصورات اللازمة لضمان بقاء إسرائيل وأمنها وازدهارها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، سيقرر الناخبون الإسرائيليون ما إذا كان هذا التحول الجذري يستدعي بدوره تغييرا شاملا في القيادة.

font change

مقالات ذات صلة