ألف ومئة وستة عشر يوما. تلك هي المدة التي ستكون إسرائيل قد أمضتها في حرب متواصلة بحلول موعد الانتخابات الوطنية في 27 أكتوبر/تشرين الأول، أي ما يعادل 36.7 شهر، أو 3.06 عام.
وتمثل هذه المدة أطول فترة قتال متواصل تشهدها إسرائيل منذ قيام الدولة عام 1948. وهي سابقة تلقي بظلال ثقيلة على المجتمع الإسرائيلي، فيما يتوقع أن تمتد تداعياتها لعقود، وأن تظل موضع بحث ودراسة لسنوات طويلة.
للتذكير، بدأت الحرب متعددة الجبهات في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين عبر عناصر من "حماس" من قطاع غزة إلى إسرائيل، فقتلوا 1.200 شخص واحتجزوا 250 آخرين رهائن. وفي غضون ساعات، شنت إسرائيل هجوما على غزة، ثم أخذ نطاق المواجهة يتسع خلال الأيام والأسابيع والأشهر التالية، ليشمل لبنان وإيران وسوريا واليمن والعراق والضفة الغربية.
وتشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أن أكثر من عشرين ألف جندي إسرائيلي قتلوا أو أصيبوا منذ عام 2023 أثناء مشاركتهم في القتال على تلك الجبهات.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على العسكريين وحدهم، إذ تمتد آثارها النفسية إلى المدنيين أيضا. فقد أظهرت دراسة نشرها في وقت سابق من هذا العام أحد أبرز مقدمي خدمات الرعاية الصحية في إسرائيل أن ثلث الإسرائيليين يعتقدون أنهم بحاجة إلى دعم في مجال الصحة النفسية.
أما بين العسكريين، فقد ارتفعت حالات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 40 في المئة منذ عام 2023، وتشير التقديرات إلى أن هذه النسبة قد ترتفع إلى 180 في المئة بحلول عام 2028.
ويقول كوبي ميخائيل، الباحث الأول في شؤون الشرق الأوسط والقضايا العسكرية في "معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي" و"معهد مسغاف": "من الجنون أن نخوض حربا منذ نحو ثلاثة أعوام، فيما يقع العبء الأكبر على جنود الاحتياط في الجيش".
ويضيف: "أمضى جنود الاحتياط ما يصل إلى 700 يوم في الخدمة، أي نحو عامين من أصل العامين والنصف عام الماضيين. لم تعد لديهم حياة طبيعية. فقدوا وظائفهم، وانتهت زيجات بعضهم بالطلاق، فيما حرم كثيرون من رؤية أطفالهم".
ولا تزال الجبهات السبع مفتوحة من دون حسم، فيما برز خلال الأسابيع الأخيرة احتمال فتح جبهة ثامنة مع تركيا، ما أضاف مصدر قلق جديدا.

وبالتالي، ستظل الاعتبارات العسكرية حاضرة بقوة في أذهان معظم الإسرائيليين، وستنعكس، بوعي أو من دونه، على خياراتهم عندما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع في أكتوبر/تشرين الأول.
قضايا متعددة
يتوقع أن تكون هذه الانتخابات من أكثر الانتخابات تأثيرا في تاريخ إسرائيل، داخليا وخارجيا، إذ تتجاوز القضايا التي تشغل الناخبين حدود الحرب مع الجيران. فالثقة بالقيادة السياسية الحالية ضعيفة، والانقسام يتعمق بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليمين المتشدد والمتطرف وقوى الوسط واليسار، فيما تواصل تكاليف المعيشة ارتفاعها، ويثير تصاعد العنف المناهض لإسرائيل والمعادي للسامية حول العالم قلقا متزايدا.
وكان العام الماضي الأكثر دموية لليهود حول العالم منذ عقود، إذ سجل أكثر من 23 ألف اعتداء ضدهم، أسفر 20 منها عن وفيات. وتتوافق هذه الأرقام، التي أوردتها رابطة مكافحة التشهير (ADL)، وهي منظمة يهودية للدفاع عن الحقوق، مع أبحاث تشير إلى قفزة كبيرة في جرائم الكراهية ضد اليهود حول العالم خلال الأسابيع التي تلت هجوم "حماس" عام 2023 والحملات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبته. كما يخشى 52 في المئة من الإسرائيليين الكشف عن جنسيتهم أثناء سفرهم إلى الخارج.
وفي الوقت نفسه، يرى عدد متزايد من اليهود في أوروبا وأميركا الشمالية أن سياسات الحكومة الإسرائيلية باتت تعرض حياتهم للخطر.
وفي الداخل، تدفع الضغوط المعيشية الإسرائيليين أيضا إلى التشكيك في قرارات الحكومة. فثلث السكان يعيشون تحت وطأة الديون، إذ تتجاوز نفقاتهم مداخيلهم مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة. وفي المتوسط، تزيد الأسعار في إسرائيل بنسبة 21 في المئة على مثيلاتها في أغنى الدول الأوروبية. فكيلوغرام لحم البقر الذي يبلغ متوسط سعره نحو 15 يورو في السويد، يصل إلى 25 يورو في إسرائيل، فيما يباع لتر البنزين بنحو 2.20 يورو، مقابل 1.80 يورو في ألمانيا وفرنسا.
ولا يثير هذا الارتفاع الحاد في الأسعار خلال السنوات الأخيرة كثيرا من الاستغراب، في ظل تضاعف الميزانية العسكرية، واضطراب سلاسل التوريد بسبب الصراعات، ونقص العمالة الناجم عن القيود المفروضة على العمال الفلسطينيين.


