قد تفتح الانتخابات الإسرائيلية المقبلة آفاقا جديدة أمام مسارات سياسية مختلفة للتعامل مع الصراعات والتوترات الإقليمية، من غزة ولبنان إلى سوريا وتركيا وإيران. وسيتوقف الكثير على تركيبة الحكومة الإسرائيلية القادمة، ومدى نجاح الولايات المتحدة في احتواء بؤر الصراع القائمة في محيط إسرائيل. غير أن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول تركت أثرا عميقا في المقاربة الإسرائيلية للأمن، إذ يُتوقع أن تكون إسرائيل أكثر حزما وسرعة في التحرك لحماية نفسها، أيا كانت الظروف، وبصرف النظر عن التغييرات التي قد تشهدها قيادتها السياسية.
كشف استطلاع للرأي أجرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في 14 سبتمبر/أيلول أن 68 في المئة من الإسرائيليين يرون أن القضايا المرتبطة بالهجوم الإرهابي الذي شنته حركة "حماس" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ستحتل موقعا محوريا في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. وفي ضوء ذلك، يُتوقع أن تتشكل ملامح السياسة الأمنية الإسرائيلية، قبل الانتخابات وبعدها، تجاه محيطها المباشر، بما يشمل غزة ولبنان وسوريا، والمنطقة الأوسع، ولا سيما تركيا وإيران، وفق عاملين رئيسين: الدروس التي استخلصها الشارع الإسرائيلي من أحداث السابع من أكتوبر، وطبيعة الائتلاف الحكومي الذي ستفرزه الانتخابات ويتولى السلطة بعدها.
تركت أحداث السابع من أكتوبر أثرا في الوعي الإسرائيلي يفوق، بحسب هذا الطرح، ما خلفه هجوم "بيرل هاربر" أو حتى هجمات 11 سبتمبر/أيلول في الوجدان الأميركي. فمن جهة، أسفرت الأحداث عن مقتل واحتجاز عدد من الإسرائيليين يفوق بكثير حجم الخسائر البشرية في تلك المآسي الأميركية. ومن جهة أخرى، وعلى خلاف بيرل هاربر و11 سبتمبر، بدا وجود إسرائيل نفسه مهددا، أو على الأقل مهددا بالصيغة التي كانت عليها قبل السابع من أكتوبر، ولا سيما لو دخلت إيران ووكلاؤها المواجهة منذ بدايتها، بدلا من انخراطهم فيها لاحقا. وقد ترك هذا الواقع أثرا حاسما في الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى التهديدات المحيطة بها وفي صياغة سياستها الأمنية. وتقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية السائدة اليوم، والتي تحظى بتوافق واسع بين الخبراء العسكريين وقطاع كبير من المجتمع، على مبدأ عدم المجازفة تحت أي ظرف. وبموجب هذه الرؤية، ينبغي التعامل مع التهديدات قبل أن تصل إلى الأراضي الإسرائيلية، وتقييم الخصوم المحتملين انطلاقا من مواقفهم المعلنة تجاه إسرائيل ومن قدراتهم الفعلية، لا من تقديرات إسرائيلية لنواياهم ثبت أنها غير دقيقة وغير موضوعية، وأثبتت أحداث السابع من أكتوبر فشلها بصورة بالغة.
وأفضى ذلك إلى تصعيد عسكري إسرائيلي اتخذ طابعا هجوميا في غزة، واستمر حتى بعد وقف إطلاق النار الذي أبرمه ترمب، كما امتد إلى لبنان ومناطق مختلفة من سوريا وإلى مواجهة مباشرة مع إيران. وفي موازاة ذلك، انخرطت إسرائيل في تحركات دبلوماسية، خصوصا مع اليونان وقبرص، إلى جانب عمليات عسكرية في سوريا استهدفت تركيا. وبصرف النظر عن المكاسب العسكرية الآنية التي قد تحققها مثل هذه العمليات، فإنها تفرض في المقابل تحديات كبيرة على المصالح الأمنية الإسرائيلية بعيدة المدى، بعدما ألحقت ضررا بالغا بدعمها الدبلوماسي، وهو دعم لا تستطيع أي دولة أن تتحمل خسارته إلى أجل غير مسمى.
ولم تكن إسرائيل بهذا القدر من العزلة في المنطقة منذ عام 1948، في ظل ابتعاد شريكي الولايات المتحدة الإقليميين الرئيسين، تركيا والسعودية، عن علاقاتهما السابقة التي كانت أكثر انفتاحا مع إسرائيل.

وفي الداخل الأميركي أيضا، بدأت شخصيات وقوى من الحزبين السياسيين بالابتعاد عن الحكومة الإسرائيلية الحالية، والأكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل أن هذا النفور أخذ يمتد تدريجيا من الحكومة إلى إسرائيل نفسها. ورغم أن إدارة ترمب واصلت تقديم الدعم لإسرائيل في مجالات عدة، فإن الرئيس وكبار المسؤولين في إدارته أعربوا في الوقت نفسه عن مخاوفهم إزاء سلوكها تجاه تركيا، وكذلك سياساتها في غزة ولبنان وسوريا. وفي خضم انشغال إسرائيل بجوارها المباشر وبخلافها مع أنقرة، وهو خلاف يمكن تسويته بسهولة نسبية، تمضي إيران، التي تمثل التهديد الحقيقي الوحيد لوجود إسرائيل، في إعادة ترتيب أوراقها واستعادة موقعها في المنطقة بصورة تدريجية.



