النضارة أمر لافت في زمن بات فيه كل شيء متاحا بكثرة هائلة، من الصور والمعلومات إلى وسائل الترفيه، ومع ذلك يبدو الملل أكثر حضورا من أي وقت مضى. أما الفنان التشكيلي اللبناني جميل ملاعب (من مواليد 1948)، وعلى الرغم من مرور السنوات وتراكم الأعمال والتجارب، فقد حافظ على تلك القدرة النادرة على أن يرى الأشياء كأنه يراها للمرة الأولى، وأن يحتفظ بدهشة لم تفسدها الكثرة ولا التجارب.
لهذا تصلح الأعمال التي يضمها معرض ملاعب الحالي في "غاليري جانين ربيز" في بيروت، لأن تقرأ بوصفها استعادة لأعمال سابقة. فالفنان عرض أعمالا قديمة في مناسبات مختلفة وفي كل مرة ظلت محتفظة بشيء من بريق الجدة. وكأن الفنان لا يستعيد أعماله بقدر ما يعيد إدخالها في الحاضر.
وإذا كان المعرض يضم نحو خمسين عملا اختارها ملاعب من بين مئات اللوحات التي أنجزها على امتداد سنوات، وبأحجام وأساليب مختلفة، فإن اختيار هذه الأعمال نفسه يبدو فعلا من أفعال العودة إلى ما لا يزال حيا فيها واكتشاف ما بقي قادرا على الكلام.
ومن هنا يشير عنوان المعرض "رحلات مدن" إلى المسار الذي قطعه الفنان، حيث المدن نفسها تعبر تجربة الفنان، وتتغير دلالاتها مع الزمن ثم تعود إلى الظهور في اللوحة كأنها لم تغادرها قط.
المدن بعين ملاعب
في هذه الأيام، كثيرا ما يسارع الفنان أو صاحب الصالة إلى الإشارة مطولا إلى تعدد المشارب والهويات لدى الفنان. فيقال إن هذا فنان لبناني/أميركي أو لبناني/أفريقي، عاش في هذه الدولة أو تلك، فتأثر بثقافاتها، وكأن تعدد الأمكنة التي عاش فيها الفنان أصبح في حد ذاته عنصرا يمنحه أهمية في الفن المعاصر المؤمن بفكرة "العالم قرية صغيرة" وغناه من غناها.





