بعد العراق وسوريا... أين يستقر الحضور العسكري الأميركي في المنطقة؟

واشنطن تعيد ترتيب أوراقها

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء إلقاء كلمة أمام القوات الأميركية خلال زيارة لقاعدة العديد الجوية في الدوحة، قطر، في 15 مايو 2025

بعد العراق وسوريا... أين يستقر الحضور العسكري الأميركي في المنطقة؟

بعد أكثر من ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الأراضي الأميركية، تغلق واشنطن رمزيا فصلا بانسحابها من مهمة مكافحة "داعش" في العراق وسوريا. ويضع رحيل القوات الأميركية من البلدين نهاية لحقبة من عمليات مكافحة الإرهاب والانتشار العسكري المتقدم، أسهما في تشكيل المشهد الأمني الإقليمي وزادا من تعقيده في آن. وقد أتمت القوات انسحابها من البلدين قبل الموعد النهائي المحدد في 30 سبتمبر/أيلول. ففي العراق، ينهي رحيل القوات الأميركية أكثر من عقدين من الوجود العسكري المتقطع، بدأ بغزو إدارة بوش للعراق عام 2003، ثم الانسحاب بحلول 2011، قبل إعادة الانتشار لمحاربة "داعش" في 2014. وفي سوريا، غادرت القوات جميع القواعد الرئيسة بحلول أبريل/نيسان، وأكملت عملية التسليم إلى الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، لتنهي بذلك أكثر من اثني عشر عاما من الوجود والشراكة مع القوات المحلية في إطار مهمة مكافحة "داعش".

يمثل انتهاء مهمة مكافحة "داعش" بقيادة الولايات المتحدة خاتمة لمرحلة استمرت أكثر من عقدين من التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وهو تدخل طبع حقبة ما بعد 11 سبتمبر: غزو العراق واحتلاله، ثم الانسحاب الكامل والتراجع عنه لاحقا، وإعادة الانتشار في الحرب على "داعش" لخوض حملة لمكافحة الإرهاب في سوريا امتدت سنوات. ومع هزيمة التنظيم في العراق عام 2017، تكون المهمة قد حققت هدفها الرئيس، فاتحة الطريق أمام الانسحاب الأميركي ونقل الالتزامات الأمنية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحدد الولايات المتحدة نهاية سبتمبر 2026 موعدا للانسحاب من العراق وسوريا، في الشهر نفسه الذي أحيت فيه الولايات المتحدة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، وراجعت واشنطن إرث "الحروب الأبدية" التي خاضتها في أعقاب تلك الهجمات. لكن الانسحاب يأتي في توقيت ينطوي على مفارقة وتناقض أساسي، إذ تواصل الحرب على إيران التصاعد. لذلك، لا ينبغي فهم انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق وسوريا على أنه نهاية للانتشار الدفاعي الأميركي في المنطقة. قد تغلق الولايات المتحدة صفحة مهام مكافحة الإرهاب، لكنها لا تغلق كتاب وجودها العسكري في الشرق الأوسط.

كيف غيّرت حرب إيران جغرافيا القوة الأميركية؟

كانت إدارة ترمب الأولى قد سعت بشدة إلى إيجاد مخرج من التزاماتها الأمنية في الشرق الأوسط، وحاولت تسريع الانسحاب بخروج سابق لأوانه من شمال شرق سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2018. لكن استراتيجية إدارة ترمب الثانية تجاه الشرق الأوسط تختلف إلى حد بعيد وتنطوي على تناقضات حادة. ففي فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مفاجئة على إيران كان تغيير النظام هدفها الرئيس. وبعد أشهر، تطور القتال إلى صراع متقلب المسار، إن لم يكن قد تحول إلى حرب استنزاف، تتخلله ضربات متقطعة واتفاقات لوقف إطلاق النار تتعثر وتتجدد ومذكرات تفاهم، وشلل في الحركة عبر الممرات التجارية الحيوية، وسط استمرار الغموض بشأن إمكان التوصل إلى تسوية قابلة للاستمرار.

ينبغي فهم 30 سبتمبر لا باعتباره موعد خروج أميركي من الشرق الأوسط، بل نهاية لنموذج محدد من التدخل الأميركي

وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو أمام القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة خارج العراق وسوريا فرصة كبيرة للعودة إلى الوطن. بل تظهر مؤشرات على تصاعد وتيرة عملياتها ودورات انتشارها. أما القوات التي كانت تعمل من العراق وسوريا، فقد جرى الاستعاضة عنها أو تعزيزها أو إعادة تموضعها ضمن شبكة أوسع بكثير، تضم طائرات وسفنا حربية ومنظومات دفاع جوي وقاذفات وطائرات للتزود بالوقود وقوات برية، وتمتد من الخليج إلى أوروبا والمحيط الهندي. وفي أغسطس/آب الماضي، مدد الجيش الأميركي انتشار عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوا حتى عام 2027 مع استمرار الصراع مع إيران. كما تتناوب أسراب المقاتلات على الانتشار في المنطقة لإراحة وحدات أمضت فترات انتشار طويلة بصورة استثنائية، تجاوزت الدورة التقليدية للقوات الجوية البالغة ستة أشهر. أما السفن المنتشرة في الشرق الأوسط، ومنها "يو إس إس أبراهام لينكولن"، و"يو إس إس جيرالد فورد"، فقد سجلت أرقاما قياسية أميركية في طول فترات انتشارها في البحر منذ حرب فيتنام، ولم يحصل البحارة على إعفاء مؤقت من مهامهم إلا بعد تصاعد المطالبات داخل الولايات المتحدة وضغوط الكونغرس. لقد غيرت الحرب مع إيران جغرافيا القوة الأميركية في المنطقة.

أ.ف.ب
صورة جوية لقاعدة "قسرك" بعد انسحاب القوات الأميركية وتسليمها لقوات الحكومة السورية، في ريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي، في 16 أبريل 2026

على مدى عقود، بنت الولايات المتحدة شبكة من المنشآت العسكرية والشراكات والترتيبات اللوجستية في الخليج وأنحاء أخرى من الشرق الأوسط. ففي البحرين يقع مقر الأسطول الخامس الأميركي. وفي قطر تتمركز القوات الأميركية في قاعدة العيديد الجوية، وهي مركز رئيس للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم). وتستضيف الكويت رابع أكبر وجود عسكري أميركي في العالم، مع تمركز عتاد وأفراد في قواعد رئيسة مثل عريفجان وعلي السالم وبويرينغ. ويستضيف الأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة أيضا أفرادا أميركيين يعملون في الدفاع الجوي والاستطلاع ومهام انتشار خارجية. وعلى خلاف المنشآت التي استخدمتها القوات الأميركية وشغلتها في العراق وسوريا ضمن مهام مكافحة الإرهاب، لا تمثل هذه المواقع مجرد بقايا من حقبة ما بعد 11 سبتمبر، بل تشكل جزءا من بنية أمنية أوسع صممت لإسقاط القوة الأميركية، والدفاع عن الشركاء، وحماية التجارة البحرية وحرية الملاحة، وردع التهديدات في أنحاء المنطقة أو التصدي لها. ومع استمرار الحرب على إيران، أصبحت هذه المنشآت أشد أهمية لإدارة ترمب في توظيف القوة الأميركية، وهو ما يدفعها في المحصلة إلى عكس مسار استراتيجيتها القائمة على تحميل الشركاء قدرا أكبر من الأعباء وتقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط بسرعة.

نهاية نموذج ما بعد 11 سبتمبر

ولهذا، ينبغي فهم 30 سبتمبر لا باعتباره موعد خروج أميركي من الشرق الأوسط، بل نهاية لنموذج محدد من التدخل الأميركي. فالنموذج الذي يتشكل بعد حقبة ما بعد 11 سبتمبر مختلف إلى حد بعيد: هو أقل اعتمادا على الاحتلال، وعلى مهمة واحدة بعينها، وعلى مكافحة التمرد، وأكثر اعتمادا على إمكان الوصول العسكري والردع والاستخبارات والدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري والعمليات الخاصة والشراكات مع الحكومات الإقليمية. وقد أظهر النموذج الذي تبلور مع الحرب على إيران أن الحفاظ على وجود إقليمي لا يتطلب تشكيلات برية كبيرة ودائمة في العراق أو سوريا، بل يمكن أن يستند إلى شبكة من القواعد واتفاقيات الوصول والاستخدام والمراكز اللوجستية التي تتيح للقوة الأميركية الانتقال بسرعة إلى مسرح العمليات عندما ترى واشنطن ذلك ضروريا.

يزداد التمييز بين الردع ومكافحة الإرهاب والتنافس الجيوسياسي صعوبة حين تطول عمليات انتشار صممت لتكون مؤقتة إلى أجل غير محدد

لكن هذا النموذج، شأنه شأن نموذج مكافحة الإرهاب الذي أعقب 11 سبتمبر، لا تستطيع الولايات المتحدة استدامته. فوجود عسكري أقل حجما وأكثر مرونة واعتمادا على التناوب في الانتشار لا يعني بالضرورة التزامات عسكرية أقل على واشنطن. صحيح أن الولايات المتحدة لم تعد تنشر آلاف الجنود في حملة لمكافحة الإرهاب في العراق وسوريا، لكن الحرب في إيران فرضت عليها الإبقاء على عشرات الآلاف من الأفراد، وتشغيل طائرات أميركية من قواعد في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط، والإبقاء على وحدات استجابة سريعة داخل مسرح العمليات، ونشر سفن حربية في البحر لفترات استثنائية، وتمديد انتشار وحدات الدفاع الجوي، بل وإبرام ترتيبات حساسة لتنفيذ مهام للقاذفات انطلاقا من منشآت عسكرية تابعة لدول شريكة.

ولا يمكن لوجود عسكري أصغر أن يخفف العبء الاستراتيجي إلا إذا واصلت واشنطن أيضا تقليص التزاماتها الأمنية في أنحاء المنطقة. قد يقل عدد القوات المتمركزة بصورة دائمة في المشرق، لكن الولايات المتحدة تظل مسؤولة عن الدفاع عن قواعد وشركاء ومصالح في المنطقة الأوسع. وتستهلك هذه القوات الموارد، وتعرض الأفراد الأميركيين لمخاطر الجهات الإقليمية المعادية، وتولد التزامات دفاعية وسياسية قد تجر واشنطن إلى مزيد من التورط في الصراعات الإقليمية. وقد أظهرت الحرب مع إيران مدى سرعة تحول هذه الالتزامات إلى مطالب بقوات إضافية، ومزيد من الدفاعات الجوية والطائرات والقدرات البحرية، وتمديد فترات الانتشار.

مستقبل الوجود الأميركي

وبحسب تقارير، بدأ البنتاغون نفسه دراسة ما إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب على إيران ينبغي أن تشهد تقليصا للوجود العسكري الأميركي في الخليج العربي. وفي أغسطس/آب، أقر مسؤولون بأن الوزارة تراجع حجم انتشارها العسكري، بما في ذلك إمكان خفض القوات في قواعد معرضة للخطر سبق أن تعرضت لهجمات إيرانية. لكن القرار، سواء اتخذته إدارة ترمب الحالية أو إدارة أخرى، ما زال غير محسوم. وهذه هي المعضلة التي ستواجهها واشنطن بعد 30 سبتمبر.

رويترز
طائرة مقاتلة جاثمة على سطح حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جورج واشنطن" في بحر العرب، 11 سبتمبر 2026

ويزداد التمييز بين الردع ومكافحة الإرهاب والتنافس الجيوسياسي صعوبة حين تطول عمليات انتشار صممت لتكون مؤقتة إلى أجل غير محدد، ولا سيما في وقت تنخرط فيه القوات الأميركية في مواجهة مفتوحة مع إيران لا أفق زمنيا واضحا لنهايتها. وهذا هو درس سبتمبر 2026: تطوي الولايات المتحدة صفحة حقبة ما بعد 11 سبتمبر، لكن كتاب وجودها العسكري المتقدم في الشرق الأوسط لم يغلق بعد. وبينما تدرس واشنطن خياراتها، يبقى السؤال هو ما إذا كانت تستطيع الحفاظ على انخراط مستمر في الشرق الأوسط من دون أن تجد نفسها مرة أخرى عالقة في شبكة الالتزامات التي راكمتها لمنع تصعيد كبير ومكلف.

font change